◄ الشرقي: الركز يجسد الرؤية الثاقبة لجلالة السلطان تماشيًا مع مستهدفات "عُمان 2040"
◄ العاصمي: المركز بمثابة منطقة مالية متخصصة تسعى إلى دعم التنويع الاقتصادي
◄ المركز يدعم التحول نحو تعزيز اقتصاد الخدمات وتحقيق قيمة مضافة مرتفعة
◄ ضرورة العمل على تأهيل الكفاءات الوطنية والاستفادة من التجارب العالمية الناجحة
◄ توقعات بخلق فرص عمل جديدة في القطاعين القانوني والاستشاري
◄ الحسيني: القيمة المضافة في القطاع المالي تفوق القطاعات التقليدية الأخرى
◄ ضعف الاستثمارات المالية ناتج عن فجوة تنظيمية ومؤسسية
◄ المركز يدعم صادرات الخدمات المالية وجذب المؤسسات العابرة للحدود
◄ النماذج التنبؤية تُشير لاحتمال مرتفع لحدوث تحول هيكلي حقيقي في المراكز المالية
◄ 7% نموًا متوقعًا في نسبة إسهام القطاع المالي إلى الناتج المحلي خلال عقد
◄ توقعات بتوليد آلاف الوظائف عالية القيمة وتحسين إنتاجية رأس المال البشري
الرؤية- سارة العبرية
شدد اقتصاديون على أن مركز عُمان المالي العالمي خطوةٌ استراتيجيةٌ لتطوير أدوار القطاع المالي في الاقتصاد الوطني، وذلك من خلال إنشاء كيان مؤسسي مستقل تشريعيًا وتنظيميًا، وقادر على استقطاب المؤسسات المالية الدولية، وتقديم خدمات مالية مُتقدِّمة ضمن بيئة تنافسية وآمنة.
وأكد الاقتصاديون- في تصريحات لـ"الرؤية"- أن المركز سيُشكّل رافعة اقتصادية تتماشى مع مستهدفات رؤية "عُمان 2040" ورفع الأنشطة المالية في الناتج المحلي، وتنويع مصادر الدخل، وتعزيز جاذبية السلطنة للاستثمار الأجنبي المباشر ومكانتها على المستوى العالمي.
المستهدفات المستقبلية
من جانبه، قال سعادة أحمد بن سعيد الشرقي ممثل ولاية لوى ورئيس اللجنة الاقتصادية بمجلس الشورى، إن إنشاء مركز عُمان المالي العالمي يُعد توجّهًا اقتصاديًا بحتًا يُجسِّد الرؤية الثاقبة لحضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم- حفظه الله ورعاه- ويتواءم مع مُستهدفات رؤية "عُمان 2040" الرامية إلى تعزيز التنويع الاقتصادي واستقطاب الاستثمارات النوعية. وأكد الشرقي أن المركز يمثل خطوة استراتيجية لبناء اقتصاد مالي حديث قادر على المنافسة إقليميًا ودوليًا.

وأوضح الشرقي أن مركز عُمان المالي العالمي يُعد كيانًا ماليًا وتشريعيًا مستقلًا، يعمل ضمن منظومة تنظيمية وقضائية حديثة، ويوفّر بيئة آمنة وجاذبة للشركات الدولية والإقليمية، بما يعزز مكانة السلطنة على خارطة المراكز المالية الإقليمية.
وبيّن سعادته أن إنشاء المركز يستهدف تحقيق جملة من الأهداف؛ أبرزها: تعزيز موقع عُمان كمركز مالي إقليمي وعالمي، ورفع مساهمة القطاع المالي في الناتج المحلي الإجمالي، واستقطاب الاستثمارات النوعية، إلى جانب تمكين الشركات المحلية من الوصول إلى الأسواق العالمية، ودعم الابتكار المالي والتكنولوجيا المالية، وخلق وظائف نوعية للشباب العُماني، فضلًا عن دعم تمويل مشاريع الهيدروجين والطاقة المستقبلية.
وأشار إلى أن المركز سيستقطب قطاعات مالية واستثمارية متنوعة، تشمل الشركات المالية العالمية كالبنوك وشركات إدارة الأصول وصناديق الاستثمار، والصناديق السيادية ورأس المال الجريء، إضافة إلى الشركات متعددة الجنسيات الباحثة عن بيئة قانونية مستقلة، وشركات التمويل المستدام وأسواق الكربون والهيدروجين، إلى جانب الشركات المهنية في مجالات المحاماة والتدقيق والاستشارات، وكذلك الشركات الناشئة في التكنولوجيا المالية والذكاء الاصطناعي المالي.
وأكد الشرقي أن المركز سيسهم بشكل مباشر في تعزيز التنويع الاقتصادي عبر توسيع إسهامات القطاع المالي في الاقتصاد الوطني، وجذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة، وتنشيط القطاعات المساندة مثل اللوجستيات والعقارات والتعليم والتقنية، فضلًا عن تحسين التصنيف الائتماني وتعزيز ثقة المستثمرين، وخلق فرص وظيفية تخصصية، ودعم تمويل مشاريع الهيدروجين والطاقة المتجددة.
وحول انعكاسات المركز على المواطنين، أوضح أنه سيسهم في توفير وظائف تخصصية وعالية الدخل، ودعم رواد الأعمال والشركات الصغيرة والمتوسطة، وتحفيز الحركة الاقتصادية، إلى جانب نقل الخبرات والمعرفة للكوادر الوطنية.
وفيما يتعلق بالتحديات، شدد رئيس اللجنة الاقتصادية بمجلس الشورى على أهمية التركيز على تطوير الكفاءات الوطنية، وصياغة تشريعات دقيقة ومتوازنة، وضمان عدم تداخل الاختصاصات بين الجهات المعنية، بما يكفل تحقيق أهداف المركز واستدامة نجاحه.
منصة متكاملة
وقال الدكتور محمد بن خلفان العاصمي الأمين العام المساعد لشؤون الجلسات بمجلس الشورى، إن المفهوم الجوهري لمركز عُمان المالي يتمثل في كونه منصة مالية واقتصادية متكاملة، تستهدف محورين أساسيين: استقطاب الاستثمارات والمؤسسات المالية العالمية، وتمكينها من تقديم خدماتها ضمن بيئة تشريعية مرنة وتنافسية. وأضاف أن المركز يُعد بمثابة منطقة مالية متخصصة، تسعى إلى دعم التنويع الاقتصادي، وتقليل الاعتماد على النفط كمصدر رئيسي للدخل، إلى جانب تعزيز جذب الاستثمار الأجنبي المباشر، وتوطين الصناعات والخدمات المالية، بما يسهم في تحويل سلطنة عُمان إلى بوابة مالية تربط بين آسيا والشرق الأوسط، مستفيدة من موقعها الجغرافي وممكناتها المتعددة. وأشار العاصمي إلى أن المركز سيحتضن طيفًا واسعًا من الأنشطة، تشمل استقطاب المؤسسات المالية العالمية، والبنوك الدولية والإقليمية، وشركات الاستثمار وإدارة الأصول، وشركات التأمين وإعادة التأمين، وأسواق المال، وشركات التكنولوجيا المالية، إضافة إلى خدمات التحكيم التجاري.

وبيَّن أن الإطار القانوني للمركز سيكون مستقلًا، وقد يستدعي إنشاء قضاء ومحاكم مالية متخصصة، إلى جانب منظومة حوكمة خاصة، وحزمة من التشريعات الداعمة التي تعزز دور المركز، وتكفل حرية تملك الأجانب، وتوفر نظامًا ضريبيًا واضحًا وقواعد عمل مستقرة.
وفيما يتعلق بالاستقلالية المالية والإدارية، أوضح العاصمي أن الاستقلالية لا تعني الانفصال عن الدولة؛ بل الارتباط بمرجعية عُليا، مؤكدًا أن ذلك عنصر محوري في تعزيز ثقة المستثمرين. وأشار إلى أن تمكين المركز من سرعة اتخاذ القرار يمثل أحد أهم عوامل نجاح المراكز المالية عالميًا، إلى جانب مستوى الاستقلالية الذي تتمتع به.
وأكد أن المستثمر يبحث دائمًا عن وضوح القواعد، وسرعة الفصل في المنازعات، ووجود محاكم متخصصة، وهي عناصر باتت متحققة مع إنشاء المركز، فضلًا عن مرونة الإجراءات، وسرعة التراخيص، وكفاءة التنظيم والرقابة، وفهم احتياجات المؤسسات المالية، ما يميز المركز عن الإدارات التقليدية ذات الطابع المشابه. وذكر أن الاستقلالية تمنح المركز حيادية عالية، وتحمي المستثمر من تقلبات التغييرات الإدارية والتشريعية والسياساتية، ليصبح المركز صاحب القرار، وهو ما يعزز جاذبيته الاستثمارية.
الاقتصاد الخدمي
وأشار العاصمي إلى أن من أبرز أهداف إنشاء المركز المالي الإسهام في تحقيق التنويع الاقتصادي، عبر الانتقال من اقتصاد ريعي يعتمد على النفط والغاز إلى اقتصاد خدمي يُوَلِّد إيرادات من الخدمات المالية والرسوم والعمولات، ويوفر قيمة مضافة مرتفعة مقارنة بقطاعات أخرى.
ولفت إلى أن المركز سيمثل مصدرًا مهمًا لتنويع الدخل الحكومي، من خلال رسوم التراخيص والتسجيل، وعوائد الخدمات القضائية والتحكيمية، والضرائب غير المباشرة، والرسوم التنظيمية، إضافة إلى عوائد الاستثمار، مع التركيز على قطاعات واعدة مثل إدارة الأصول، والتمويل الإسلامي، والتمويل الأخضر.
نقل المعرفة
وأكد العاصمي أهمية نقل المعرفة وبناء رأس المال البشري عبر برامج تدريب وتأهيل الكفاءات الوطنية للعمل في هذه المراكز، مشيرًا إلى التجارب العالمية الناجحة للمراكز المالية المشابهة في دول المنطقة، وما أحدثته من أثر اقتصادي ملموس.
وبيّن أن مركز عُمان المالي سيحفّز قطاعات مساندة، لا سيما القطاعين القانوني والاستشاري، بما يخلق فرص عمل مباشرة وغير مباشرة، وينشط قطاعات المحاسبة والتدقيق، إلى جانب تنامي الطلب على خدمات الضمان والسلامة المالية، وتقنية المعلومات، والأمن السيبراني.
وأضاف أن المركز سيعزز مكانة سلطنة عُمان إقليميًا وعالميًا، من خلال ترسيخ الثقة الدولية، وتمكينها من أداء دور مؤثر في القرار المالي، مستفيدةً من موقعها الجغرافي لتكون حلقة وصل بين أسواق الشرق والغرب.
وشدد العاصمي على أن المركز المالي يمكن أن يشكّل رافعة اقتصادية فاعلة للدولة، عبر تحقيق معدلات نمو مرتفعة للاقتصاد الوطني، وزيادة الدخل القومي، وقيادة قطاعات اقتصادية أخرى، وتوليد قيمة مضافة عالية ومستدامة، فضلًا عن جذب رأس المال والمعرفة.
وأوضح العاصمي أن تأثير المركز يتجلى في الاستثمارات الأجنبية وما تولده من مشاريع ووظائف مباشرة وغير مباشرة، ونقل الخبرات المالية، وتعزيز مصادر الدخل، ليغدو ركيزة أساسية ضمن مستهدفات رؤية "عُمان 2040"، ونقلة نوعية في مسار التنويع الاقتصادي، مؤكدًا أن الوقت بات مناسبًا لإنشاء هذا الكيان القادر على إحداث فارق اقتصادي حقيقي.
منظور إحصائي
من جهته، قال الدكتور يحيى بن خميس الحسيني رئيس مجلس إدارة الجمعية العُمانية للإحصاء إن إنشاء مركز مالي عالمي في سلطنة عُمان جاء نتيجة قراءة إحصائية عميقة لمؤشرات الاقتصاد الكلي. موضحًا أن مساهمة الأنشطة المالية والتأمينية في الناتج المحلي الإجمالي لا تزال بحدود 3% فقط؛ وهي نسبة متواضعة مقارنة بدول خليجية مماثلة مثل الإمارات التي تتجاوز فيها النسبة 8%، وببعض الاقتصادات المتقدمة التي تصل فيها إلى 10- 12%. وأضاف الحسيني أن بيانات الإنتاجية القطاعية تُظهر أن القيمة المضافة لكل عامل في القطاع المالي تفوق نظيرتها في قطاعات تقليدية عديدة، ما يجعل التوسع في هذا القطاع نموًا نوعيًا عالي الجودة، وليس مجرد توسع كمي.

وأشار إلى أن بيانات الاستثمار الأجنبي المباشر تكشف عن تركُّز التدفقات في الطاقة والصناعة، مقابل ضعف نسبي في استثمارات الخدمات المالية وإدارة الأصول والخدمات المصرفية الدولية، وهو ما يعكس فجوة تنظيمية ومؤسسية أكثر من كونه ضعفًا في الجاذبية الاقتصادية.
كما لفت إلى أن هيكل صادرات الخدمات في عُمان لا يزال يُظهر محدودية مساهمة الخدمات المالية مقارنة بالخدمات اللوجستية والسياحية، وهو مؤشر إحصائي على غياب منصة مالية دولية منظمة قادرة على جذب المؤسسات العابرة للحدود.
وأوضح الحسيني أن قياس الأثر الاقتصادي لا يتم عبر مؤشر واحد؛ بل من خلال حزمة مترابطة من المؤشرات الكمية، أبرزها: معدل نمو القيمة المضافة للقطاع المالي قبل وبعد إنشاء المركز، وتطور مساهمة الأنشطة غير النفطية في الناتج المحلي، مع التركيز على الأنشطة المعرفية عالية القيمة، إضافة إلى مُضاعِف الأثر الاقتصادي؛ حيث تُشير التجارب الدولية إلى أن كل وحدة استثمار في المراكز المالية تولد ما بين 1.5 إلى 2.5 وحدة في القطاعات الداعمة مثل التقنية المالية، والخدمات القانونية والمحاسبية. وأشار الحسيني إلى إمكانية استخدام نماذج السلاسل الزمنية، ونماذج الفرق في الفروق (DiD)، ونماذج التوازن العام القابل للحوسبة (CGE) لعزل أثر المركز وقياس انعكاسه الحقيقي على الاقتصاد الوطني.
وأكد رئيس الجمعية العُمانية للإحصاء أن نجاح المركز لا يُقاس بالشكل العمراني أو بعدد التراخيص فقط، وإنما عبر مؤشرات دقيقة، من بينها: عدد المؤسسات المالية الدولية المرخصة، حجم الأصول المُدارة (AUM)، وعدد المقرات الإقليمية وحجم التدفقات الرأسمالية الداخلة، وكذلك عدد الوظائف النوعية ذات الأجور المرتفعة، إلى جانب متوسط الأجور في القطاع المالي مقارنة بالمتوسط الوطني.
وأشار الحسيني إلى أهمية مقارنة هذه المؤشرات بمؤشر المراكز المالية العالمية (GFCI)، إلى جانب مؤشرات التنافسية والاستقرار المالي.
وبيّن الحسيني أن البيانات الدولية تُظهر فارقًا واضحًا لصالح المراكز المستقلة تشريعيًا؛ حيث تُحقق هذه المراكز نموًا أسرع في عدد المؤسسات المالية، وحجم أصول مُدارة أعلى بنسبة 40- 60%، وتصنيفات ائتمانية وثقة استثمارية أعلى، وسرعة أكبر في تسوية النزاعات وتقليل مخاطر الامتثال. وعزا ذلك إلى وضوح البيئة القانونية، واعتماد أُطر تشريعية مألوفة عالميًا مثل القانون الإنجليزي العام، ووجود محاكم مالية متخصصة.
وفي مقارنة إقليمية، يرى الحسيني أن تجربة سوق أبوظبي العالمي (ADGM) هي الأقرب لواقع سلطنة عُمان؛ نظرًا للتقارب في الحجم السكاني والاقتصادي، والاعتماد النسبي على النفط مع توجه واضح للتنويع، إضافة إلى التركيز على جذب الأصول طويلة الأجل، في حين تبقى دبي نموذجًا أكثر نضجًا وتنافسية على المدى البعيد، بينما تميل تجربة قطر إلى التمويل السيادي المرتبط بالدولة.
وذكر الحسيني أن البيانات والنماذج التنبؤية تُشير إلى احتمال مرتفع لحدوث تحول هيكلي حقيقي، شريطة الاستقلالية التنظيمية الكاملة والارتباط الاستراتيجي برؤية "عُمان 2040"، مضيفًا أن التقديرات تشير إلى إمكانية رفع مساهمة القطاع المالي إلى 6- 7% من الناتج المحلي خلال عقد، وزيادة حصة الأنشطة غير النفطية بما لا يقل عن 5 نقاط مئوية، وخلق آلاف الوظائف عالية القيمة وتحسين إنتاجية رأس المال البشري، وتعزيز موقع السلطنة في مؤشرات التنافسية والاستقرار المالي إقليميًا، مضيفا "أن المركز المالي العالمي إذا نُفّذ وفق أفضل الممارسات الدولية، سيكون رافعة هيكلية لإعادة تشكيل الاقتصاد الوطني وليس مجرد كيان تنظيمي جديد".
