د. محمد بن خلفان العاصمي
تمضي مسيرة النَّهضة المتجددة بقيادة حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم- حفظه الله ورعاه- بثباتٍ وبخطى موزونة ومتسارعة نحو مستقبل واعد لسلطنة عُمان، وها هي اليوم تنهي ست سنوات من العمل الجاد والطموح الذي تحقق خلاله الكثير من النجاحات، في ظل ظروف استثنائية وتحديات صعبة مرَّ بها العالم؛ فليست الأزمة الاقتصادية المالية وحدها ما كان يواجه الوطن في هذه المرحلة فقد ألقت جائحة كوفيد بثقلها لتزيد الأمور تعقيدًا، وجاءت التوترات السياسية والصراعات الدولية لتزيد من تعقيد الوضع في منطقة تكاد تكون الأكثر سخونة في العالم، ولكن بفضل الله وبعزيمة القائد ومساندة الشعب تخطت بلادنا مرحلة انتقالية صعبة وعبرت إلى بر الأمان؛ فالحمد لله الذي منَّ على هذا الوطن العزيز بهذه القيادة التي جعلت من التقدم والازدهار نبراسًا تسير عليه بكل قوة وعزيمة وإرادة.
وخلال لقاء جلالة السلطان المعظم- أعزه الله- بمجلس الوزراء الأخير، وجه جلالته- أيده الله- بدراسة وتشخيص المتغيرات السلوكية في المجتمع، والعمل على وضع سياسات وآليات عمل واضحة ومُحوْكَمة، تعزز القيم المجتمعية والسلوكيات الإيجابية وتعالج تأثيرات منصات التواصل الاجتماعي السلبية على سلوكيات المجتمع، وقبل الخوض في هذا التوجيه السلطاني السامي علينا أن نوضح ما المقصود بالمتغيرات السلوكية، حيث إن استخدام هذا المصطلح العلمي بالتحديد لتوصيف ظاهرة سلوكية دقيقة يتطلب إلمامنا بهذا المفهوم وإدراك الجوانب التي يرمي لها، ويلزم التمعن في الجوانب التي يشتملها.
إن المقصود بالمُتغيِّر السلوكي هو أي عنصر يمكن أن يتغير ويؤثر في السلوك أو يتأثر به، مثل الدوافع والاتجاهات والقيم والعادات وردود الأفعال وأنماط اتخاذ القرار وغيرها كثير، حيث إن دراسة المتغيرات السلوكية تعني تحليل العوامل القابلة للملاحظة والقياس التي تؤثر في سلوك الأفراد أو الجماعات، بهدف فهم لماذا وكيف يتصرف الناس بطريقة معينة، والتنبؤ بسلوكهم أو تعديله عند الحاجة، والهدف الواضح من ذلك هو فهم وتفسير أسباب السلوك وليس السلوك بحد ذاته فقط، وكذلك التمكن من التنبؤ بالسلوكيات في مواقف مستقبلية مشابهة، ومحاولة تعديل السلوك وتوجيه نحو تحقيق نتائج مرغوبة.
إن فهم المتغيرات السلوكية- كمتغيرات تابعة- يعطي فهمًا عميقًا للسلوك- متغير مستقل- فعلى سبيل المثال يلعب الإدراك والوعى القيمي للفرد دورًا هامًا في المواطنة الصالحة، فكلما ارتفع وعي المواطن وإدراكه لحقوقه وواجباته كقِيَمٍ، كان ذلك عاملًا مؤثرًا في قيامه بدوره كمواطن صالح منتج، والعكس صحيح عندما ينخفض مستوى الوعي والإدراك، وبالتالي تتأثر المواطنة الصالحة بالوعي بشكل كبير، ولذلك فإنَّ تعديل السلوك يعتمد في الأساس على فهم الأسباب والعوامل المؤثرة التي تؤدي إليه، ولا يمكن أن يكون هناك حلٌ للظواهر الاجتماعية السلبية دون معرفة مسبباتها، ولذلك يتطلب الأمر الدراسة والتحليل والتقييم للوصول إلى نتائج صحيحة ودقيقة حول ما يمر به المجتمع والعالم من مشاكل.
وهناك العديد من الأمثلة على متغيرات سلوكية شائعة تنتج عن عديد السلوكيات التي يمارسها الفرد والمجتمع مثل الدافعية وما الذي يدفع الفرد للتصرف سواء الإيجابي أو السلبي، كذلك الاتجاهات والميول والتي هي عبارة عن القناعات الإيجابية أو السلبية تجاه موضوع ما، كذلك الإدراك وهو تفسير كيف يفهم الفرد الواقع من حوله، وأيضاً التعلم والخبرة السابقة؛ حيث يتجلى أثر التجارب الماضية على السلوك الحالي، ومثلها الضغوط الاجتماعية من خلال تأثير الجماعة أو الثقافة، وأخيرًا المكافأة والعقاب حيث يكون هناك أثر للحوافز والجزاءات.
إنَّ أهمية دراسة المتغيرات السلوكية تتمثل في ارتباطها بشكل وثيق بمجموعة من المجالات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والمعرفية وغيرها، فهي ترتبط بشكل وثيق بعلم النفس الإكلينيكي والتربوي والاجتماعي هذا العلم الذي هو أساس فهم السلوك البشري وتفسيراته والتنشئة وأنماطها والعلاقات الاجتماعية بين الأفراد والمجتمعات وأطرها، كما إنها ترتبط بالإدارة والموارد البشرية خاصة عناصر تحفيز الموظفين والقيادة الاستراتيجية؛ فهي تؤسّس لفهم منظومة العمل ورفع كفاءة الموظفين وإنتاجيتهم بشكل أفضل مما ينعكس على مستوى العمل بشكل عام، وترتبط دراسة المتغيرات السلوكية والسلوك بشكل عام بعديد المجالات، خاصة في ظل الثورة التكنولوجية الرقمية الحديثة مثل الاقتصاد السلوكي والتسويق وسلوك المستهلك، كما أنها تتواصل بشكل وثيق مع مجال السياسات العامة وصنع القرار؛ حيث إنها تُعطي فهمًا حقيقيًا وأعمق لمتخذي القرار وصانعي السياسات وهذا أمر بالغ الأهمية لما يمثله من قدرة على التنبؤ بتأثير السياسات والقرارات حتى قبل اتخاذها، وهذا ما يُقلِّل من حالات السخط وردود الأفعال السلبية والمضادة التي نشاهدها في عديد المرات، إضافة إلى ارتباط دراسة المتغيرات السلوكية بمجالات الأمن والحوكمة والنزاهة المؤسسية.
وحتى نختم هذا المقال قد يكون هناك توضيح بسيط حول أهمية دراسة المتغيرات السلوكية كمدخل لفهم أوسع للسلوك المُمارس في المجتمع، وخاصة ما نشاهده في وسائل التواصل الاجتماعي وكذلك بيئات العمل؛ فالموظف غير الملتزم بعمله قد يكون ذلك نتيجة لمتغيرات سلوكية في القيادة والتحفيز، كما إن التفريغ الانفعالي في منصات التواصل الاجتماعي يُنتج أفرادًا بسلوكيات بعيدة عن القيم الاجتماعية التي عرف بها مجتمعنا، لذلك لا بُد للمؤسسات المختصة أن تستنفر طاقاتها لدراسة التحولات التي تشهدها المجتمعات والوصول إلى نتائج وحلول تحفظ للمجتمع هويته الوطنية وقِيَمَهُ التي عُرِف بها؛ فالأمم تبقى ما بقيت متمسكة بهذه القيم والمبادئ والهوية، وتندثر متى ما تَركتْهَا وانقادت للمتغيرات.
