ضمن جهود المحافظة على الهُوية العُمانية ومواكبة متطلبات التنمية الحديثة

سوقُ الحرفيين في "ليالي مسقط".. رافدٌ اقتصاديٌّ وثقافيٌّ يعزز استدامة الصناعات التقليدية

 

مسقط- العُمانية

لم تعد الحرف والصناعات التقليدية في سلطنة عُمان مجرد ممارسات تراثية مرتبطة بالماضي، بل تحوّلت في السنوات الأخيرة إلى أحد الروافد الاقتصادية الداعمة للأسر المنتجة، وتعزز الهوية الوطنية، وهو ما يجسده سوق الحرفيين بمتنزه العامرات كإحدى أبرز محطات الجذب الجماهيري ضمن فعاليات ليالي مسقط 2026.

ويضم السوق نماذج متنوعة من الحرف التقليدية التي يتقنها حرفيون عاصروا هذه الصناعات لعقود طويلة، وأسهموا في نقلها عبر الأجيال، في مشهد يجمع بين الإنتاج المباشر، والعرض التسويقي، والتفاعل الحي مع الجمهور، بما يعكس البعد الاقتصادي والاجتماعي للحرفة.

ويرى عدد من الحرفيين المشاركين أن ليالي مسقط تمثل منصة اقتصادية مهمة تسهم في تحسين دخل الأسر الحرفية، وفتح أسواق جديدة للمنتجات التقليدية، سواء من خلال البيع المباشر أو بناء شبكة من العملاء داخل سلطنة عُمان وخارجها.

وقال عبدالله بن خميس اليعربي، حرفي صناعة المجسمات الخشبية من ولاية نخل، إن مشاركته الخامسة في ليالي مسقط مكّنته من الوصول إلى شرائح مختلفة من المجتمع، مؤكدًا على أن الفعاليات الحرفية تشكّل عنصرًا داعمًا للحرفيين من الناحية الاقتصادية. وأشار إلى أهمية التخطيط المتوازن للفعاليات بين المحافظات، بحيث لا تتزامن في توقيت واحد، ما يتيح للحرفيين فرصة المشاركة في أكثر من فعالية، داعيًا في الوقت نفسه إلى تعزيز التنسيق مع الشركات السياحية لجذب السياح إلى مواقع الحرف التقليدية.

من جانبه، أوضح المر بن حميد الرواحي، حرفي السعفيات من ولاية المضيبي، أن استمراره في المشاركة منذ انطلاقة مهرجان مسقط "ليالي مسقط" يعكس الجدوى الاقتصادية للحرفة متى ما توفرت لها البيئة الداعمة.

وبيّن أن ليالي مسقط تمثل فرصة لتسويق منتجات مثل الحصر العُمانية المصنوعة من شجرة الرسل، إلى جانب التعريف بالقيمة البيئية والثقافية لهذه الصناعات، مشيرًا إلى أن مشاركاته الخارجية في معارض دولية أسهمت في فتح آفاق تسويقية أوسع للحرفة العُمانية.

وأضاف أن الحرفة لا تقتصر على كونها موردًا اقتصاديًّا فحسب، بل تمثل نمط حياة متكاملًا، داعيًا الشباب العُماني إلى الاستثمار في هذا المجال باعتباره مصدر دخل مستدامًا متى ما اقترن بالإتقان والصبر.

وأكد مبارك بن علي الطارشي حرفي صناعة السفن التقليدية من ولاية المصنعة على أن المشاركة في الفعاليات والمهرجانات تمثل نافذة تسويقية مباشرة للحرفيين، تسهم في تحسين دخلهم وتعريف المجتمع بقيمة المنتج الحرفي. وقال إن ممارسة الحرفة أمام الجمهور توجد وعيًا حقيقيًّا بحجم الجهد والوقت المبذول في صناعة القطع التقليدية، ما ينعكس إيجابًا على تقدير المنتج وتسعيره، ويعزز ثقافة اقتناء المنتجات المحلية.

بدوره، أشار ربيع بن رجب المسكري، حرفي صناعة المناديس والصناديق الخشبية من ولاية إبراء، إلى أن ليالي مسقط أسهمت في رفع الطلب على المنتجات الحرفية، موضحًا أن العديد من الزوار لا يكتفون بالشراء الفوري، بل يستمر التواصل معهم بعد انتهاء الفعالية، ما يفتح قنوات دخل مستمرة للأسر الحرفية. وبيّن أن وجود الحرفيين في سوق مفتوح للجمهور يسهم في نقل الخبرات والمعرفة إلى الشباب، بما يعزز فرص تحويل الحرفة إلى مشروع اقتصادي صغير أو متوسط.

وقال صالح بن ناصر الشريقي حرفي من ولاية بهلا إن ممارسة الحرفة منذ الصغر مكّنته من تحويلها إلى مصدر رزق ثابت، مؤكدًا على أن ليالي مسقط تقوم بدور محوري في ربط الحرفي بالسوق. وأضاف أن إقبال الشباب على تعلم هذه الحرف يعكس وعيًا متزايدًا بقيمتها الاقتصادية، مشيرًا إلى مشاركاته الخارجية التي أسهمت في التعريف بالمنتج العُماني ورفع قيمته التنافسية.

وأكد المشاركون على أن استمرار دعم هذه الأسواق، وتوسيع نطاقها جغرافيًّا، وربطها بالمسارات السياحية، من شأنه أن يعزز استدامة الحرف التقليدية، ويحولها إلى قطاع اقتصادي فاعل يحافظ على الهُوية العُمانية، ويواكب في الوقت ذاته متطلبات التنمية الحديثة.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z