◄ إعلاء المصلحة الوطنية فوق أي اعتبار.. ركيزة أساسية في بناء الدولة
◄ تأكيد دور المواطن كشريك أصيل في التنمية الشاملة والمُستدامة
◄ الرؤية السامية تمثل "وثيقة تنموية شاملة" وأساس متين لـ"العقد الاجتماعي"
◄ المرجعيّة القِيَمِيّة أساس الحُكْم والتنمية وعمود خيمة الاستقرار المجتمعي
◄ التنمية مشروعٌ إنسانيٌّ شاملٌ يُوازن بين الاقتصاد والقيم ويوائم بين التطوير والهُوِيّة
◄ مجلس عُمان شريك أصيل ومُساند فاعل في منظومة دولة المؤسسات
◄ التنمية لا تُصنع بقرار مُنفردٍ وإنما بتكاملٍ تشريعيّ ورقابيّ وتنفيذيّ
◄ بِنْية المؤسسة التشريعية تُوازِن بين الخبرة السياسية والإرادة المجتمعية
◄ إنجاز الاستحقاقات رأس مال المشروع الوطني التنموي
◄ تأكيد حق الأجيال القادمة في اقتصاد مُتوازن بمعدلات نمو إيجابية
◄ الإصلاح الاقتصادي يستهدف ضمان استدامة النمو وتحسين معيشة المواطن
◄ تأكيد مكانة الأسرة باعتبارها الحصن الأول لحماية الأجيال المتعاقبة
◄ التنمية الثقافية والقِيَمية في القلب من مشروع النهضة المُتجددة
الرؤية- ناصر أبوعون
تضمَّن الخطاب السامي لحضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم- حفظه الله ورعاه- بمناسبة الانعقاد السنوي الأول للدورة الثامنة لمجلس عُمان 2023، عدة مُرتكزات ومُحددات تدعم مسيرة النهضة المُتجددة، التي يقودها جلالته بكل حكمة واقتدار.
وفي هذا الخطاب السامي لم يكتفِ جلالة السلطان- أيده الله- بتِعْدَاد الإنجازات؛ بل شَرَحَ فلسفتها، وأكد دور المواطن كشريك في مسارات التنمية المختلفة. ويُعَدُّ هذا الخطاب في مُجمَله "وثيقة تنمويَة شاملة"، تُخاطب العقلَ بالتخطيط، وتُحاوِر الوجدانَ بالقِيم، وتُناقش المستقبلَ بالرؤية، ويمكن تسمية هذه الوثيقة بأنها عَقْد اجتماعيّ لشراكة واقعيّة بين الدولة والمواطن، في نهضة عُمان المتجددة.
لم يأتِ الخطاب السامي مع بدء الانعقاد السنويّ الأول للدورة الثامنة لمجلس عُمان لعام 2023، مجرد كلمة افتتاحية لمنظومة العمل الشُّوريّ والتَّشريعيّ؛ بل أضحى "وثيقة تنموية متكاملة"، رسّخَت في وجدان الشعب العُمانيّ والعالم الخارجيّ المبادئ العامة لفلسفة الحكم ودولة المؤسسات في سلطنة عُمان. وفي هذا الخطاب يُعيد جلالته صياغة مصطلح التنمية، ويؤكد أنها مشروعٌ إنسانيٌّ شاملٌ، يوازن بين الاقتصاد والقيم، ويوائم بين التخطيط والهُوِيّة، ويربط بين حاضر عُمان ومستقبلها. وقد استهلّ جلالته خطابه السامي بالدعاء والحمد، وهو مدخل يحمل دلالات عميقة تتجاوز الصيغة البروتوكوليّة إلى تأكيد الإيمان برسوخ المرجعيّة الدينية والقيمية للشعب العُمانيّ، منذ انبلاج فجر الإسلام إلى اليوم، وأنّ هذه المرجعيّة أساس الحُكم والتنمية. وقد خاطب جلالته الوجدان العُمانيّ، مشيرًا إلى أن مسار التنمية ليس ماديًا بَحْتًا، بل إنسانيٌّ وأخلاقيٌّ في جوهره، وأن نشأة الدولة العُمانية الحديثة وليدة منظومة أخلاقية وقيمية، تُوازن بين الإيمان والعمل، وبين التخطيط والتوكل. واستعان جلالته بالتحميد والثناء على الله للتأكيد على أنَّ التنمية لا تنفصل عن الأخلاق، وأنّها ليست مجرد أرقام صمّاء؛ بل قيمة إنسانية راقية تقوم على سواعد المواطنين ومن أجلهم ليعيشوا الحاضر والمستقبل بإيمان راسخ.
الأمن والاستقرار والتنمية
وتنطلق الرؤية السامية من يقين إيماني راسخ بأنّ نعمة الاستقرار حاضنة للتنمية، وأنّ نعمة الأمن على رأس الأولويات وخاصة في عالم مضطرب، وهو شرطٌ حيويّ لتحقيق التنمية المستدامة، وأنّ الاستقرار ليس أمرًا مُسلّمًا به؛ بل ثمرة وَعيٍّ جَماعيّ وسياسات رشيدة، تُسهمُ في جذب الاستثمارات الخارجية، وتنبني عليها الثقة في الاقتصاد الوطني. وقد ركَّز جلالته- أيّده الله- في هذا الخطاب على دعمه للمؤسسة التشريعية وإبراز الدور الوظيفيّ لها المبنِيّ على مبدأ الشورى؛ إذ يؤكد جلالته أن مجلس عُمان شريك أصيل ومساند فاعل في منظومة دولة المؤسسات. ومن ثمّ نجد جلالته يُعرِّج بالثناء على تجربة المجلس التي نضجت واستوت على سوقها، وخاصةً في عملها التكامليّ والتنسيقيّ مع سائر أجهزة الدولة. كما أشاد جلالته- أعزه الله- بنضج التجربة البرلمانية العُمانيّة، وهي إشادة تعكس مدى إيمان القيادة بأن التنمية المستدامة لا تُصنع بقرار مُنفردٍ، بل بتكاملٍ تشريعيّ ورقابيّ وتنفيذيّ يضع مصلحة الشعب العُمانيّ ودولته فوق كل اعتبار. ويؤكد ذلك أن التنمية لا تتأتّى بقرارات فوقيّة، بل برؤية واقعية وبعيدة المدى، تراعي متطلبات المواطن، وتتحقق الإنجازات الكبرى عبر شراكة تشريعية ووطنيّة ورقابية فاعلة، وذلك لضمان جودة السياسات وتحقيق الصالح العام.
الاختيار الواعي والمسؤولية الوطنية
يُخاطب جلالة السلطان- أيده الله- العقل الواعي للشعب العُمانيّ، مؤكدًا أنّ المشاركة في مسيرة الشورى العُمانية ليست شكلية؛ بل مرتكز معادلة التنمية، وأنّ بِنْية المؤسسة التشريعية تُوازِن بين الخبرة السياسية والإرادة المجتمعية، وبين تعيين الخبراء وأصحاب التخصصات في مجلس الدولة، والانتخاب المباشر لممثلي كل ولاية في مجلس الشورى. ولا شك أن التعاطي الفاعل والمشاركة السياسية في إنجاز الاستحقاق الوطني على الوجه الأكمل، يمثل رأس المال الأهم لأي مشروع وطنيّ وسينعكس تأثيره على مستقبل التنمية. وقد وَضَعَ جلالته- أعزَّه الله- يده على القيمة الأخلاقية الأهم والأعلى كعبًا في إدارة سائر المؤسسات العُمانيّة التنفيذية والتشريعية على السواء من خلال التأسيس لثقافة "المساءلة الذاتية"؛ حيث حمَّل أعضاء المجلس كامل المسؤولية الوطنية والأخلاقية عن حماية مسارات التنمية، وذلك من خلال إقرار قواعد واضحة للحوكمة الرشيدة. وهذه الحوكمة ليست منظومة إدارية منفردة؛ بل تؤازرها منظومة قِيميّة وأخلاقيّة ودينيّة تضبط الأداء وفقَ قاعدة: الالتزام بالقانون والمصلحة العامة شرط لتجديد الثقة.
واقعية سياسية واقتصادية ناضجة
وفي تناول جلالته- أبقاه الله- للأوضاع الاقتصاديّة، خاطبَ المواطنَ العُمانيَّ بمنطق الواقعية السياسية الناضجة، التي تُتابع التحديات العالمية وانعكاسها على سائر الاقتصادات وفي القلب منها الاقتصاد العُمانيّ. وفي الوقت ذاته أشاد جلالته بالدور الفاعل للحكومة الرشيدة في إدارة السياسات المالية والتخفيف من عِبء الدَّين العام، ونجاحها في توجيه الفوائض لدعم القطاعات الاجتماعيّة وتحفيز النمو. وبثّ جلالته في هذا الخطاب رسالة واضحة؛ ألا وهي أنَّ الإصلاح الاقتصادي لا يكون على حساب المواطن العُمانيّ؛ بل لحمايته وضمان استدامة عيشه الكريم.
والرؤية السامية الحكيمة بعيدة المدى لا تكتفي بإدارة الحاضر؛ بل تواصل الليل بالنهار لتأمين المستقبل؛ إذ يؤكد جلالته على حق الأجيال المتتالية من أبناء عُمان في اقتصاد متوازن ومُستدام. وشدَّد جلالته على ضرورة العمل الجاد على تنويع مصادر الدخل الوطنيّ، وتعظيم الإيرادات غير النفطية، بوصفها خيارًا استراتيجيًا، يتعين تحقيقه مهما كانت التحديات.
وفي معرض حديثه السامي، يربط جلالته- أيّدَهُ الله- بين مفهومي إعادة هيكلة الجهاز الإداريّ للدولة وتطوير منظومة القضاء، ومن خلال لفتةٍ كريمة ومن منظورٍ إداريّ بحتٍ، يؤكد جلالته أنَّ العدالة الناجزة والكفاءة الإدارية، ليستا تَرَفًا مؤسسيًا؛ بل شرطَين أساسين يُسْهِمان في جذب الاستثمارات الأجنبيّة والعربيّة، ويُعزِّزان ثقة المواطن في السُّلْطَتَين التنفيذيّة والتشريعيّة، ويضمنان تحقيق عدالة التنمية.
تنمية تشاركية
وعلى منحى آخر من الرؤية الاقتصادية بعيدة المدى لجلالته- رعاه الله- تستهدف الرؤية نقل التنمية من المركز إلى المجتمع المحلي، ومنح المواطن دورًا مباشرًا في إدارة شؤونه المجتمعيّة، يترتّب عليه تحوّلٌ نوعيٌّ من التنمية المُوجَّهة من جانب واحد إلى تنمية تشاركية تفاعليّة. ولذا يولي جلالته اهتمامًا خاصًا بالعمل على ترسيخ ثلاث مبادئ؛ هي: اللامركزية، وتنمية المحافظات، وتمكين المجالس البلدية. وأمّا عن البعد الاجتماعي في الخطاب السّامي، فقد نَبَّهَ جلالتُه- أعزه الله- إلى التحدّيات التي تُهدِّد المنظومة الأخلاقية والثقافية، وأكَّد أنَّ الأسرة هي الحِصْن الأول لحماية الأجيال. ويأتي هذا التأكيد؛ ليضع التنمية الثقافية والقِيَمية في القلب من مشروع النهضة المتجددة؛ باعتبارها ضمانة لاستدامة سائر المنجزات العُمانية.
وفي زاوية أخرى من الخطاب السامي، يؤكد جلالة السلطان المعظم ثقته السامية في العقل العُماني وقدرته الكامنة على إحداث نقلة نوعية في مجالات: الطاقة المتجددة، والذكاء الاصطناعي، واقتصاد المعرفة، ولذا يدعو جلالته دومًا إلى التركيز على التعليم، والبحث العلمي، والابتكار، والاقتصاد الرقْمِيّ، ويؤكد أنَّ هذه تنمية المجالات تمثل مسارات عملية تعكفُ المؤسسة التشريعيّة على إعداد أُطرها التشريعيّة وحوكمتها؛ وذلك لتكون رافدًا جديدًا للاقتصاد الوطنيّ، وتعظيم الاستفادة منها.
وفي ربط واضح بين الأمن والتنمية، يختتم جلالته- أبقاه الله- خطابه السامي بالإشادة والتقدير بالمؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية. وأمّا على صعيد السياسة الخارجية، يؤكد جلالته أنّ المبادئ لا تتبدَّل ولا تخضع للمتغيرات، وأن السلام يرتكز على العدالة، ومن ثَمَ فإن الموقف العُمانيّ تجاه القضية الفلسطينية ثابت، مُجددًا جلالته التزام سلطنة عُمان بسياسة حسن الجوار وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، في تأكيد من جلالته على نهج عُمان كصوت للحكمة والاتزان.
