الإعلام المؤسسي وبناء الوعي العام

 

 

نور بنت محمد الشحرية

 

في المؤسسات الرقابية والخدمية، لا يقف الإعلام المؤسسي على هامش العمل، كما قد يُتصوَّر، بل يتموضع في قلب الفعل المؤسسي، بوصفه أداة وعي قبل أن يكون وسيلة نشر. فالإعلام هنا ليس مجرد ناقل للخبر، ولا وسيطًا محايدًا بين الحدث والجمهور، بل عقلٌ واعٍ يزن الرسائل، ويُدرك أن للكلمة أثرًا يتجاوز لحظتها، وقد يمتد ليصوغ الثقة أو يبددها.

ويتحرك الإعلام المؤسسي في هذه المؤسسات ضمن مساحة دقيقة تتقاطع فيها الأنظمة مع الرأي العام، والواجب مع التوقع، والرسالة مع الحس الإنساني. لذلك، فإن من يعمل في هذا المجال لا بد أن يمتلك وعيًا عاليًا بالسياق، وقدرة على قراءة اللحظة، وحسًا أخلاقيًا يجعله أكثر إدراكًا لمسؤولية الكلمة وحدودها.

ليست مهارة الإعلامي المؤسسي في إتقان الأدوات وحدها، بل في حسن التقدير. أن يعرف متى يتحدث، ومتى يختصر، ومتى يشرح، ومتى يترك للهدوء دوره. أن يُبرز الجهد دون تهويل، ويعرض التحدي دون تشهير، ويحافظ على هيبة المؤسسة دون أن ينفصل عن المجتمع. وهذا توازن لا يتحقق إلا لمن جمع بين المعرفة والشغف، وبين المهنية والضمير.

وفي المؤسسات الرقابية على وجه الخصوص، يصبح الإعلام المؤسسي شريكًا غير مباشر في تحقيق العدالة الخدمية. فهو من يفسر القرار، ويقرّب الأنظمة إلى واقع الناس، ويحوّل الإجراءات إلى معانٍ مفهومة. ومن خلال هذا الدور، تتشكل الصورة الذهنية للمؤسسة، وتُبنى الثقة، وترتفع مؤشرات الرضا، أو تتراجع.

ولا ينفصل هذا الدور عن التوجيهات السامية لحضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم – حفظه الله ورعاه – الداعية إلى إعلام واعٍ، دقيق، ومسؤول، يسهم في بناء الوعي المجتمعي، ويُجلي الصورة أمام الجمهور، ويخدم أهداف التنمية، ويواكب مسيرة النهضة المتجددة وفق مستهدفات رؤية «عُمان 2040».

وقد تجلّى هذا المعنى عمليًا في تجارب وطنية قريبة، حين اضطلع الإعلام المؤسسي في سلطنة عُمان بدور محوري خلال جائحة كوفيد-19، وفي فترات الأنواء المناخية، من خلال توضيح الصورة للجمهور، ونقل المعلومة الدقيقة، وبث الطمأنينة حول توفر الخدمات والسلع واستقرار الأوضاع.

وفي هذا السياق، لا يقتصر الخطاب السامي على الإعلام العام أو المنصات المفتوحة؛ بل يمتد أثره إلى أقسام التواصل والإعلام في الجهات الحكومية، بوصفها حلقة تنفيذية أساسية في توضيح الصورة للجمهور، وترجمة السياسات والقرارات إلى خطاب مفهوم ومتزن.

كما يتجلى هذا الدور بوضوح في المواسم السياحية والفعاليات الجماهيرية المفتوحة التي تُقام في مختلف محافظات السلطنة، حيث يحضر الإعلام المؤسسي في الميدان، قريبًا من الناس، متفاعلًا مع المواطن والمقيم والزائر، مقدمًا رسالة الدولة بصورة حية تعكس وعيها، وتناغم مؤسساتها، واحترامها للتنوع الثقافي والسياحي.

ومع ذلك، يبقى التحدي قائمًا حين يُطلب من الإعلام المؤسسي أن يؤدي أدوارًا متعددة دون تمكين حقيقي أو تطوير ممنهج. فلا يمكن لإعلام مسؤول أن يستمر بعقلية تشغيلية، ولا لإبداع أن يزدهر إذا حُصر في إطار التنفيذ فقط.

في المحصلة، الإعلام المؤسسي ليس وظيفة هامشية؛ بل ركيزة من ركائز بناء الوعي العام، وشريك فاعل في تجسيد الرؤية الوطنية.

 

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z