حُسن الجوار والسياسة العُمانية حول اليمن

 

 

 

د. محمد بن خلفان العاصمي

في تصريح للوزير المسؤول عن الشؤون الخارجية السابق يوسف بن علوي يقول "لا نُريد التاريخ يسجل أنَّ عُمان اعتدت على اليمن".. هذا التصريح ليس حالة عابرة؛ بل نهج ثابت وراسخ للسياسة العُمانية ومبدأ من المبادئ الأساسية للسياسة الخارجية ضُمِّن في النظام الأساسي للدولة، وقد أرسى هذه المبادئ السلطان الراحل قابوس بن سعيد- طيب الله ثراه- وسار على نهجه حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم- أبقاه الله- ولا بُد لنا أن نعي مُنطلقات ومبادئ هذه السياسة التي كان لها الفضل- بعد الله تعالى- في تجنيب بلادنا الصراعات السياسية والحروب والأزمات.

ومن خلال هذا النهج عُرِفَت سلطنة عُمان كوسيط دولي معتمدًا وموثوقًا فيه من جميع الأطراف، وتلجأ الدول جميعها ومنها العظمى لسلطنة عُمان في حل الأزمات وإيجاد مخارج لها وطلب المشورة في مشهد يشعرنا بالفخر والاعتزاز.

ومنذ سقوط المملكة المتوكلية اليمنية وما قبل ذلك، وقفت سلطنة عُمان على الحياد ورفضت أي تدخل في شأن اليمن الشقيق، الذي كان على الدوام ساحة لمعركة تمول من أطراف لها مصالح بعيدة عن أرض اليمن، واستنزفت الحرب التي نشبت بين الثوار والملكيين في العام 1963 الكثير من الموارد البشرية والمالية وتكبدت أطراف الصراع والمواليين لها مبالغ كبيرة دون تحقيق نصر. وعلى سبيل المثال، فإن إحدى الدول التي دعمت طرف من الأطراف المتناحرة في تلك الحرب، تعرضت لخسائر فادحة وصفها أحد قادتها بأنها استنزفت مخزون الذهب بالكامل من خزانتها، إلى جانب تعرضها لخسائر كبيرة في صفوف قواتها المسلحة من الجنود والعتاد والسلاح والتي خرجت خاسرة من أرض المعركة وعادت بقايا جيش إلى بلادها.

وحتى في "حرب ظفار"، ورغم أن الجبهة كانت تُموَّل من عدن والمعسكر الشيوعي وبشكل واضح وعلني يعرفه العالم أجمع، إلّا أن سلطنة عُمان لم توسِّع دائرة الصراع أكثر من استعادة اراضيها التي كان العدو قد أحتلها وسيطر عليها، رغم قدرته على التوغل داخل المنطقة بداعي التأمين وخلق مناطق آمنة تضمن وجود مسافة كافية لعدم اعادة التوغل من قبل العدو. غير أن الحنكة السياسية كانت حاضرة، ولم تكن هناك رغبة في أكثر من تحرير الوطن واستعادة أراضيه. وبعد أن وضعت الحرب أوزارها، لم تستغرق عملية اعادة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين الكثير من الوقت؛ حيث طُوِيَت صفحة الماضي وفُتحت صفحة جديدة من العلاقات المبنية على أساس احترام الجوار.

إنَّ سياسة سلطنة عُمان الخارجية تنطلق من ثوابت لا تقبل المساس والجدال، وهذه السياسة هي نتاج خبرة تاريخية طويلة، ومعرفة عميقة بما يجري في المنطقة والعالم، وهي تشكل مصدر أمان للبلاد، فمن لا يتدخل في شأن الآخرين ولا يجعل نفسه وصيًا عليهم ومن لا يملك أطماع توسعية ومن لا تسيطر عليه نزعة وكبرياء القوة، فلن يمسه أحد بسوء، وهكذا عرفت سلطنة عُمان أن الانشغال بالتنمية الداخلية، والانخراط في بناء الدولة والرقي بها خير من إهدار المال في صراعات لا طائل منها، حتى وإن كانت هناك مكاسب كما يصورها البعض، وبكل تأكيد وهذه قاعدة حياتية عامة فإن من يشعل الحرب في مكان ما سوف تأتيه النار إلى مكانه وتحرقه.

 

لقد أدركت سلطنة عُمان أن حفظ حق الجوار واحترامه هو ضمان واستقرار داخلي، لذلك قامت بترسيم الحدود وانهاء كل الصراعات الحدودية ونقاط الخلاف التي كانت بينها وبين دول الجوار، هذه المناطق التي ظلت لفترة طويلة مصدر قلق كبير يهدد الأمن والاستقرار الوطني، وهذه خطوة هامة ندركها اليوم حيث لا يمكن لأي أحد أن يكون مصدر تهديد وصراع حدودي، وتجنبًا للمداخل التي تنشأ منها الخلافات والصراعات بين الدول، وهذه النظرة السديدة من القيادة الرشيدة وحكمة السلطان قابوس، الذي كان يُدرك ما قد يترتب على ترك هذا الملف مفتوحا، ولذلك سعى لأغلاقه وخيرًا فعل.

لقد ظلّ اليمن عبر التاريخ صامدًا رغم ما تعرض له من انتهاكات وصراعات، وعُرف أنها مقبرة الغزاة، والتاريخ شاهد على ذلك، فقد تكسرت شوكة الأحباش في محاولات غزو اليمن، وعاد العثمانيون مرتين خائبين من أمام أسواره، ولم تنجح القوى الكبرى في إخضاعه في مرحلة ما بعد الحربين العالميتين؛ حيث لم يمكث البريطانيون سوى فترة بسيطة في عدن وخرجوا بعد تصاعد المقاومة.

وما نشاهده اليوم هو امتداد لهذه المقولة، وتجسيد حي للحقيقة التي عُرِف بها اليمن ومصير كل من اراد غزوه واحتلاله واستغلاله؛ فاليمنيون- وإن كانوا في صراع داخلي- فهُم شعب لا يقبل الخضوع للغير، ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن يقبلوا الرضوخ لأيٍّ من كان؛ فاليمن موطن الأحرار وأصل العرب بكل سماته وخصاله التي تحمل الكبرياء والقوة والأنفة والكرامة والحرية والعزة.

لقد مدّت سلطنة عُمان يدها دومًا لليمن الشقيق وشعبها الأصيل، وسوف تظل هذه العلاقة قوية متينة وسوف تبقى سلطنة عُمان وفية لحق الجوار، ورغم محاولات الشيطنة والتشويه التي انتهجها من تضرروا من مواقفها السياسية الثابتة؛ حيث لم تنصاع لمخططاتهم وأطماعهم ولم تكن مع زمرة الاتباع، فكانت حملات تشويه واتهام ومحاولات الزّج بها في الصراع واتهامها بتهريب السلاح تارةً، وإيواء قيادات الفصائل المتصارعة تارةً أخرى، إلّا أن الحقيقة لا بُد أن تظهر يومًا ما، وهو ما حدث بالفعل واتضح جليًا للعالم أن سلطنة عُمان لا تقبل ولن تكون يومًا ما مصدر خطر على جيرانها؛ فهي دولة ذات تاريخ وحضارة ولا تملك طموحًا ولا اطماعًا على حساب جوارها، ولا تشعر بعقدة النقص التي يعيشها الغير.

الأكثر قراءة

z