كاراكاس - وكالات
دخلت الأزمة الفنزويلية منعطفا جديدا يتسم بالحدة والتعقيد، بعد أن صعدت الولايات المتحدة من ضغوطها عبر تصنيف ما يعرف بـ"كارتل دي لوس سوليس" (كارتل الشموس) منظمة إرهابية أجنبية. هذا التصعيد لم يتوقف عند التصريحات الدبلوماسية، بل امتد إلى تهديدات صريحة من الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشن عمليات برية لمكافحة تهريب المخدرات، مما يضع المنطقة على صفيح ساخن من التوترات العسكرية والسياسية.
وتتهم واشنطن الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو برئاسة هذه المنظمة، زاعمة تورطها في عمليات فساد واسعة وتهريب دولي للمخدرات. وفي المقابل، ينفي مادورو هذه الاتهامات جملة وتفصيلا، واصفا الكارتل المذكور بأنه "اختراع" من صنع الإدارة الأميركية لتبرير تدخلها.
على الأرض، ترجم هذا التوتر إلى نشاط عسكري مكثف؛ حيث نفذت القوات الأميركية ما لا يقل عن 21 ضربة قاتلة ضد سفن قبالة السواحل الفنزويلية وفي المياه الدولية منذ سبتمبر الماضي، مما أسفر عن مقتل 83 شخصا على الأقل. ويأتي هذا بالتزامن مع وصول حاملة الطائرات "جيرالد آر فورد" إلى منطقة البحر الكاريبي في نوفمبر الماضي، وهو حشد عسكري تراه كاراكاس ذريعة "إمبريالية" للإطاحة بنظام مادورو.
تعد فنزويلا موطنا لنحو 28.4 مليون نسمة، وتحتل المرتبة 32 عالميا من حيث المساحة (أكبر من ولاية تكساس بمرة ونصف). وتتميز البلاد بتمركز سكاني لافت؛ حيث يعيش 85% من السكان في المناطق الحضرية بالشمال، وهي منطقة جبلية ساحلية تضم المدن الكبرى:
كاراكاس (العاصمة): 3 ملايين نسمة.
ماراكايبو: 2.4 مليون نسمة.
فلنسيا: 2 مليون نسمة.
وعلى الصعيد الاجتماعي، يبلغ متوسط العمر المتوقع نحو 73 عاما، مع معدل خصوبة يصل إلى طفلين لكل امرأة، وهو معدل مرتفع نسبيا مقارنة بالدول الغربية. كما يشكل المسيحيون (الكاثوليك غالبا) نحو 90% من التركيبة السكانية للدولة التي استقلت عن إسبانيا عام 1811.
وتمتلك فنزويلا أكبر احتياطيات نفطية مؤكدة في العالم (303 مليارات برميل)، تتركز معظمها في "حزام أورينوكو". ومع ذلك، يواجه هذا القطاع تحديات تقنية وهيكلية كبرى:
طبيعة النفط: معظم الخام هو "نفط ثقيل جدا" عالي اللزوجة، يتطلب تقنيات حقن بخار معقدة وتكاليف استخراج باهظة.
تراجع الصادرات: صدرت فنزويلا في 2023 ما قيمته 4.05 مليارات دولار فقط من النفط، وهو رقم ضئيل جدا مقارنة بالسعودية أو روسيا.
الشركاء التجاريون: تظل الولايات المتحدة الشريك الأكبر (تشتري نصف الصادرات)، تليها الصين بنسبة 10%، ثم إسبانيا بنسبة 9%.
وعلى الرغم من الموارد الهائلة، انكمش الناتج المحلي الإجمالي بنسبة تزيد على 70% بين عامي 2014 و2024، ليبقى الاقتصاد الفنزويلي (108.5 مليارات دولار) من بين الأصغر في أميركا اللاتينية.
وأدت سنوات العقوبات وعدم الاستقرار إلى واحدة من أكبر موجات النزوح في العصر الحديث. ومنذ عام 2015، تدهور صافي الهجرة بشكل حاد، وسجل عام 2018 رقما قياسيا بمغادرة 1.4 مليون شخص. تتفاقم هذه الأزمة مع توقعات بوصول التضخم في عام 2025 إلى 180%، مما يعني استمرار أزمة تكلفة المعيشة الحادة، ونقصا مزمن في الغذاء والدواء والوقود، مما دفع نصف السكان للعيش تحت خط الفقر.
ويمتلك الجيش الفنزويلي نحو 123 ألف فرد عامل، لكن قدراته على التحديث تضررت بفعل التدهور الاقتصادي. ولتعويض هذا النقص، عززت كاراكاس علاقاتها العسكرية مع أقطاب دولية منافسة لواشنطن:
روسيا والصين وإيران وكوبا: هم الموردون الأساسيون للسلاح والتدريب.
المناورات المشتركة: شاركت فنزويلا في ألعاب الجيش الدولية التي استضافتها روسيا، مما يعكس عمق هذا التحالف.
وبينما يبرر ترامب الهجمات بأنها تهدف لتفكيك مسارات الكوكايين والفنتانيل، تشير بيانات مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة إلى أن فنزويلا ليست منتجا رئيسا، بل هي "طريق عبور" ثانوي. فالدول المجاورة (كولومبيا وبيرو وبوليفيا) تنتج 99% من الكوكايين العالمي، ومعظم الشحنات المتجهة لأميركا تمر عبر المحيط الهادي وليس بالضرورة عبر فنزويلا، مما يفتح باب التساؤلات حول الأهداف الحقيقية للتحركات العسكرية الأميركية المكثفة.
