مع خالص محبّتي!

فاطمة اليمانية

"كُلّنا نحترق.. أنتَ في ثباتك.. وأنا في طوافي!" جمال الغيطاني.

***

اقتربت من شقيقتها نوال لتحدثها عن إحدى الجرائم التي حدثت في إحدى الدول العربية، وهزّت العالم، ثمّ تراجعت؛ لأنّ نوال من النوع الذي يختصر الأحداث، وكلّ الجرائم مهما كانت ذات تفاصيل متشعبة تختصرها في جملة واحدة:

  • معتوه ارتكب جريمة قتل!
  • أو
  • معتوهة!

فلا يوجد جنون أكبر من أن يُصادر المرء حياته، في سبيل الانتقام من الآخر بقتله، فيقضي عليه، ويقضي على حياته معه! وتؤمن أنّ الإنسان الحكيم الفَطِن هو الذي يترك الزمن ليتّكَفلَ بالرد.

لذلك أرسلت أنفال لصديقتها وداد تدعوها للحضور، فهي في نظرها تمتلك قدرة مذهلة على الاسترسال والتشويق، متناسية رأي شقيقتها نوال التي تصفها بالثرثارة البلهاء!

وسبب النفور بين شقيقتها وصديقتها هو اختلاف التعاطي مع جرائم القتل، فنوال تختصر السرد دون تهويل، أو مبالغة! عكس وداد التي تتحدث طوال ساعتين دون توقف.. ولولا حنجرتها التي تصاب بالعطب بعد ساعات الثرثرة لما كانت لتصمت!

ويوما ما اختلفتا حول قصّة إحدى المجرمات، حين تحدثت وداد عن القصّة بالتفصيل الممل، مما أثار ضجر نوال، وقالت ساخرة:

  • تتحدثين عن الجريمة كأنّكِ كنتِ معها!
  • لأنّني أهتم بالتفاصيل!
  • واهتمامك هذا يجعلك تستوعبين لون ملابس المُجْرِمة، والوشاح الذي ربطت به رأسها! وتشمير ساعديها! والنعل الذي كانت ترتديه وهي تجوب شقّتها قبل ارتكاب الجريمة! وعدد الكراسي في مكان الواقعة، وشكل السكين الذي غرسته في بطن الضحية رغم أنّه لم يظهر منها إلّا النصل! والمسافة التي كانت بين المتهمة والقتيل قبل اشتداد حدّة العراك.. واستعار نار غضبها؛ لتحسم الأمر بانتزاع سكين المطبخ ومن البطيخة إلى بطن القتيل مباشرة! كيف عرفت المسافة؟! كيف؟!
  • أرزاق!

لذلك كانتا تنفران من بعض.. وقلّما اجتمعتا في مكان واحد، ولذلك سألت وداد أنفال قبل حضورها:

  • معكم صاحبة النظارة السوداء؟
  • ستغادر بعد قليل!
  • أبلغيني عندما تغادر!
  • العشاء على حسابي!
  • ضعي لها حبوبا منومة؛ لترقد في سلام!
  • مزاجها سيء؛ لا أظنّ أنّ لديها القدرة على قطع سيل أحاديثك!

أغلقت الهاتف، وقالت لنوال ستأتي وداد؛ فاتركيها تتحدث بأريحية، دون مقاطعة، أو جدال. ولم تردّ عليها؛ بل اكتفت بزمّ شفتيها.. وتمدّدت تتصفح هاتفها، تشاهد مقاطع الفيديوهات للقاتل، ولأهل القتيلة.. محاولة إقصاء العاطفة بعيدا.. رغم أنّ تصريحات والدة الضحية ونبرة التعالي المُقَزّزة التي تثير الاشمئزاز جعلتها تتمنى -كما تمنى العديد من أصحاب التعليقات على الفيديوهات- لو كان القاتل عَمَدَ إلى نحر الأم بدل البنت!

فاقتربت منّها أنفال تحدّق في الجوال، فأبعدت الشاشة موبخة:

  • تجسس سافر!

لتفتح وداد الباب بصخبها المعتاد، قاصدة نوال باللمز:

  • اللهم سكَنّهم في مساكنهم!

ولم تكتفِ وداد بالجلوس بعيدا عن نوال؛ بل أدارت لها ظهرها، بطريقة استفزّتها وأثارت رغبتها في المشاكسة، خاصة أنّها بدأت الحديث بنبرة ممزوجة بالثقة التي تعتري عادة أقارب الضحية أو من كان حاضرا وقت حدوث الجريمة.. ثقة من شاهد بأمّ عينه، وتفاعل مع الجريمة عن قرب:

  • بخصوص جريمة القتل الأخيرة.. فقد كان الطالب يعشق زميلته بجنون.. عشقا حقيقيا وعميقا..
  • لذلك قتلها! من شدّة الحب!

حدقتها بنظرة.. ثم أخذت تحرك يديها؛ لتصف مشهد المطاردة:

  • كان يطاردها.. يقتفي أثرها خطوة خطوة.. يتربص بها في الطرقات.. والأزّقة.. ويقتفي أثرها.. ليل نهار.. يقف خلف الأبواب. ويتكئ على النوافذ!
  • الطالب العنكبوت!
  • أنتِ لا تعرفين كيف يؤثر الحب على قلوب الشباب!
  • تخيّلي!

فقالت لأنفال:

  •  اطلبي من شقيقتك الصمت؛ لأنّها تشتت أفكاري!

 نظرت أنفال لنوال باستجداء، تلك النظرة البريئة التي لم تفارقها منذ طفولتها؛ بطريقة أشعرت نوال بالذنب.. فنهضت من مكانها حاملة هاتفها، وكتابها الملقى على الطاولة الجانبية! لكنّ وداد شعرت بالذنب؛ وأقسمت عليها بالبقاء، بعد أن اعتذرت منها، واستهجنت حساسيتها المفرطة وهي الأخت الكبيرة، أو كما قالت:

  • أخت صديقتي الكبيرة.. في مقام أختي!
  • الكبيرة! تذكري ذلك.. الكبيرة!

كانت تنظر لهما، كنظرة الحكماء للأطفال، فهما شابّتان.. صغيرتان.. لا تدركان أنّ هذه الحياة تسيّرها أقدار وحظوظ، وأنّ جميع القصص البشعة ستكون هيّنة أمام القصص الأبشع التي سيجود بها القدر! قالت لها:

  • تابعي!
  • كان يرغب في الزواج بها، لكنّه ليس في مستواها، لأنّها جميلة جدا، وهو قبيح!
  • هل شاهدتِ صورته؟! ذلك القبيح الذي تتحدثين عنه؟!
  • نعم.. كان قبيحا!
  • وكانت الفتاة من عائلة راقية، وثرية، ومن عِلْيَة القوم! وهو من عائلة بسيطة ليست في مستواهم أبدا!
  • ألم تحدث الجريمة بعد نزولهما من المايكروباص؟!
  • صحيح.. لكنّها ثريّة!
  • يبدو أنّك التقطتِ هذه الكلمة من لسان أمّها وهي تتحدث عن القاتل بازدراء! كانت تزدري وضعه الاجتماعي أكثر من الجريمة نفسها!

نظرت وداد لأنفال مرّة ثانية.. وتنهدت.. ثم استغفرت.. ثم قالت:

  • أمّا المجرم فلقد خطط للجريمة منذ مدّة طويلة! فإذا لن تكون من نصيبه، فمن المستحيل أن تكون لغيره!
  • وأنتِ كنتِ تخطّطين معه؟!

صمتت برهة! كالصمت الذي يحدث بعد انقطاع الإرسال! فركت أذنها اليمنى! وحكّت شعرها بأظافرها.. فصبّت أنفال لها فنجاناً ثانٍ من القهوة؛ حتى تستعيد طاقتها، وتواصل إكمال قصّة الجريمة! بينما تمنّت نوال أن تكفّ وداد عن قول المزيد من الأحاديث المشوشة التي تشبه أحاديث قارئات البخت! خاصّة وهي تحدّق بعينيها، وتنطق الكلمات ببطء في البداية، ثم تمطّ بعض الحروف! وتسرع في الكلام في بقية الأحداث! ذلك النمط من الأحاديث المزعجة التي تناطح سلامها الذهني، وقدرتها على التركيز، أو التفكير!

تابعت وداد الحديث بعد فنجان ثالث رشفته في عجالة:

  • كان يطاردها كالمجنون، ويلاحقها طوال اليوم، وحرّرت ضدّه الكثير من الشكاوى، ووقع على أكثر من تعّهد بعدم الاقتراب منها!
  • لا يوجد شيء اسمه أكثر من تعهد، من لا يلتزم بالتعهد الأول يُدان! لكنّك ربما تقصدين إجباره على توقيع وصولات أمانة بمبالغ مادية لابتزازه مستقبلا! متنكرين لكل ما قدمه لها من دعم مادي ونفسي ومن قصّة الحب التي صنعتها الحاجة والمصلحة! وأنهتها انتهاء المصلحة!

أشاحت وجهها، وقالت لأنفال هامسة في أذنها:

  • شقيقتك هذه.. لا تطاق! لا تطاق!
  • تابعي.. تابعي..

في يوم الحادث.. كان ينتظرها أمام باب الجامعة.. وصعد الحافلة مقتفٍ أثرها.. وهي لم تنتبه لوجوده! ثم نزلت، ونزل خلفها وأخرج سكينا حاداً وسدّد طعنات في صدرها، ثم ذبحها من الوريد إلى الوريد أمام الجميع. وهذا فقط لأنّها رفضت الزواج به!

  • أو لأنّه تعرض لضغط نفسي رهيب.. كان سببا كافيا لاقترافه هذه الجريمة البشعة!
  • الضغط النفسي ليس مبررا!
  • أكثر الجرائم التي تمّ اقترافها.. حدثت تحت ضغط نفسي! وعندما نتحدث عن الضغط النفسي.. فتأكدي بأنّه لا يشبه شرب شقيقك علبة المشروبات الغازية التي تركتها طوال الليل في الثلاجة ليزداد برودة، وصحوتِ على صدمة اختفائه! أو استيلاء أحدهم على دفتر محاضراتك قبل ليلة الامتحان! الأمر مختلف عن الضغوطات النفسية التي تثير مشاعر الفتيات وتخمد بعد أنْ ترسم عيناً دامعة، أو تضع صورة قلب مجروح، أو مقطع فيديو لفتاة تتأرجح على حافة منحدر!

نظرت وداد تجاه نوال بإعجاب.. متنازلة عن نظرات التوتر التي ترشقها بها غالبا.. واستدارت بالكامل تجاه نوال.. كنوع من أنواع الاعتراف بأنّها تأثرت من كلام نوال.. وقالت لها:

  • معكِ حق.
  • أعتقد بأنّ نسبة كبيرة من ضحايا الحب هم بالأساس ضحايا ثقافة مجتمع يمتلك رصيدا لغويا متجذرا في الأعماق، يمجّد العشق والمعشوق، ويثير الرعب من وقع الفراق، عدا اللغة الوَحْشِية التي تشكل قاموسا لغويا في الأحاديث الغزلية التي تُفرِح الآخر، وتجعله ينتشي طَرَبا بما يسمع من عنف!

آذاننا وقلوبنا وعقولنا اعتادت هذه اللغة الوحشية التي تتعامل مع الآخر كأنّه مُلْكٌ خاص، بل تعتبر أكبر دليل على قوّة الحب ومصداقيته:

  • إذا تركتني، سأقتلك!
  • إذا خنتني، سأذبحك من الوريد إلى الوريد!
  • إذا تزوجت غيري، سيكون آخر يوم في حياتك؟!

وجريمة القتل التي تتحدثين عنها حدثت في الواقع وعلى أرض الواقع، وسينال المجرم جزاءه.. فماذا عن الجرائم التي تدار يوميا في أذهان العديد من الضحايا.. ضحايا الحب، وثقافة الحب المُشَوّه!

وفي حقيقة الأمر.. أنّ ثمّة جريمة أكثر بشاعة من القتل!

جريمة اسمها:

  • الاستغلال!

 

(النهاية)

تعليق عبر الفيس بوك