أفقٌ للانتظار

 

شعر: د. يوسف حطّيني| أكاديمي بجامعة الإمارات

 

ما تغيرتُ كثيراً

بعضُ شيبٍ ضاعَ في ثلجِ المواسمِ

بعضُ سُهْدٍ  صبّه الجرحُ على سُهْدٍ

تهادى في متاهاتِ الحيارى

ظلُّ ذكرى تفضحُ العينين سادتْ

ثم بادتْ

مثلَ خمرٍ في خيالاتِ السُّكارى

بعضُ شِعْرٍ تاهَ من دربِ البحورِ

ليقتفي أثرَ النّداوةِ في الصّحارى

بعضُ جرحٍ صرتُ أخفي نزفَهُ

عمّن عَدايْ

ليتني كنتُ

سِوايْ

 

2  ـ

ما تغيّرتُ كثيراً

لم أزل في كهف هذا الليل

مهزوماً

كحظّ عاثرٍ

في وحشةِ الرّملِ المدمّى

لم أزلْ في رفّةِ الموّالِ أصحو

ذلك المجنونُ

ما زالتْ أصابعُهُ تغنّي

في ظلامِ الشَّعرِ أغنيةَ الصّباحْ

يَشتهي ما يُشتهى من ذكرياتٍ

أشعلتْ غيرَ المُباحْ

لم يزلْ بي.. ذلكَ المجنونُ

يستدني قُطوفاً

أَشعلتْ منها رؤايْ

لم يزلْ بي،

يذكر الدّربَ

التي لمّتْ خُطاها في خطايْ

ليتني كنتُ

سوايْ

 

3 ـ

هل تغيّرتِ كثيراً؟؟

ما  تزالينَ كوعدٍ

يتجلى صفحةً بيضاءَ في ظُلمِ القَدَرْ

ما تزالينَ كبشرى

يرتجيها اللّيلُ من بعدِ السَّهرْ

ما يزالُ النّرجسُ العطشانُ

يرعى في حقولِ الكستناءْ

يتلوّى خلفَ ظلِّ الكبرياءْ

ما تزالينَ امتداداً لانثناءاتِ الأنوثةِ

فضّةً

شَهْداً

حريراً

واشتهاءاتِ رخامْ

لم تزلْ عيناكَ أندلساً

وثغركِ حُمرةُ الجوريّ

في فرحِ الشآمْ

ما تغيّرتِ كثيراً

دفءُ كفيكِ اللّتين اخضرّتا

ما زالتا في خاطري

لما سَعَتْ لهما يدايْ

يستمرّ النّبضُ يا عفراءُ

لم تتغيري،

ما زلتِ في تلويحةِ الماضي

حضورَ العشقِ في نجوى دمايْ

ليتني كنتُ

سوايْ

 

4 ـ

قد تغيرتِ كثيراً

ربما أضحتْ جيوشُ الشّوقِ

وهماً في ضبابكْ

ربما صارتْ جمارُ النّشوةِ الحَمراء

برداً وسلاماً

بعدما كانتْ جحيماً

يصطلي تحتَ ثيابكْ

ربما أدركتِ لا بالقلبِ،

بل بالعقلِ،

أنّ الفتنةَ الكُبرى

ستُمحى في غيابكْ

ربّما قررتِ، في ليلٍ بهيمٍ

أنّ حزنَ القلبِ لا تُسعفُهُ

بحّةُ نايْ

ليتني كنتُ

سوايْ

 

5 ـ

ليسَ في بالِ المواعيدِ الكثيرةِ

أن تغنّي

لاحتمالاتِ التّغيّرِ في دمائي

واللّظى المذبوحُ في جمري

يباري عطشَ المحمومِ

مشتاقاً إلى قطرةِ ماءِ

هكذا ملّ من التّمثيلِ قلبي

رامياً خلفَ خطوطِ العُمْرِ

ثوبَ الأتقياءِ

هكذا صارَ صريحاً كلُّ شيءٍ بإزائي

ليس بالإمكان أن أكبرَ أكثرْ

ليس بالإمكانِ أن أنسى

وأن تَلْقى مكاناً شعرةٌ بيضاءُ

أُخرى في الزّحامْ

ليسَ بالإمكانِ أن يغتالي سهمٌ جديدٌ

في ازدحاماتِ السّهامْ

لم يعدْ ثَمَّ مكانٌ

ترتوي فيه خيولُ الحُزنِ

من نبضِ التّباهي

ثمّ ترعى في حمايْ

ليتني كنتُ

سوايْ

 

6 ـ

فلتعودي مثلما كنتِ

صلاةً فوقَ جرحٍ

ترتقُ الأحزانَ في قلب نبيْ

ولتكوني سائقَ الأفراح

"يطوي البيدَ  طيّْ"

نحو قيثار يغنّي

لاشتعالاتِ الجُنونِ العبقريّْ

ولتشدّي أزرَ نبضِ القلبِ

في وجهِ الصّراطِ المنطقيّْ

واسكبي في اللّحظةِ الجَذلى أناكِ

على أنايْ

واعزفي لحنَ التوحّدِ في مدايْ

واسرقي من شاطئِ البحرِ

عشَاءَ النّورس المنثورَ فوقَ الموجِ

كي أحظى بما منيّتُ فيه النّفْسَ

أو ألقى هوايْ

ربما في هدأة الموجِ أغنّي:

ليس لي،

كيما ألاقي نصفيَ الآتي،

سوايْ.

 

 

تعليق عبر الفيس بوك