الثلاثاء, 28 يناير 2020
18 °c

"أؤسس دولة عشق"*

الخميس 28 نوفمبر 2019 11:15 ص بتوقيت مسقط


فاطمة الحارثي
يتملكها الحب بأوتاره ولحنه الأسود، تبحر في خلجات قصصه وقصائده المسائية، بآهة وتنهيدة تختم خيال أسطوري حاكت تفاصيله بشغف، بطولة مزعومة وصولجان يخطف بريقه صوت الانفاس. لا تمتلك دور البطلة ومع ذلك تصر على الهيام المطلق دون ان تكترث ان ثمة آخرين يمارسون أدوار مؤثرة على فلك الغرام، تتجاهل الأمر ببرود.  بأمر الرغبة والشهوة تهيمن وتقصى احتساب الآخر والاخرين وتبادر في مسودة السناريو الأول؛ 
 تطلق سهام الغنج والتجمل، تلمس اقدامها المسرح تدوس بخفها الكحلي على المعجبين، ترى الوجود جميلا، يُعزف اسمها في هتاف الجمهور. حضر بين المشاهدين، امتطى كرسي احمر وصفق لها بهدوء. تلعثم كيانها راقبت من حوله تقدمت وهي تدوس على جسد حاك قلبه دثارا لها، انين الألم لم يلطف من مشيها وقبل ان يرتد طرفها دوت ضحكاته لغيرها القادمة من ضلعه الاعوج وغادر؛ لتسقط ويُسدل الستار الأسود في ضباب دون تصفيق او اسم. 

 الحب، الود، الهيام وأيا كان الاسم فطعم ذاك الشعور الذي يخفق له سائر الجسد بالسهر والعصيان وتحضر الروح له؛ يهذي اللسان له شعرا ويرقص الاخر طربا وطلبا.  يأتي أحدهم لينصح ويمنع ويحكي ليُرديه الحب "في غفلة" صريعا في بحره ويرتشف من ليله كمن لم يكن بالأمس ناصحا. 

اسرد لي إن كنت ذا حظ عظيم؛ هل انتشيت في عطره؟ هل اقشعرت خلايا جسدك في حضوره؟ هل غادرك النوم ومزقت أوراق الورد بخيال سارحا راجيا ان ينتهي بـ (نعم)؟ ربما هذا حبا وربما بعد سنين تهتز الأرض عند حضور اخر لم تحسب له وجود وان ما عشته سراب وان الحاضر وجد وجوى.  

عرّف الشعراء قبل العلماء عجائب الحب واسماءه ودرجاته واجتهدوا كثيرا في وصفه ليبقى مجهولا لا يبلغ منتهى الوصف ومنتصرا على جميع لغات العالم. أعجب من دمجه بالفساد والفسق والانانية والقتل، من قتل باسم الحب فهو ليس بعاشق ومن فجر باسم الحب فهو ليس بهائم، الحب طُهر بيّن في وصف الله المؤمنين بانهم اشد حبا لله، من يحب احب ذاتها قبل جسدها ومن تحب احبت فكره قبل ماله، الحب راحة حضور وطمأنينة حوار وسكن للنفس ليس للناس فيه رأي او للتملك سلطان او حتى للغياب غيرة ومكائد.  استُهلكت المفردات جوفاء بلا معنى في وهم الحب، لو تدرون ما الحب ما خلجاته وسماءه لما فارق الحبيب محبوبه حتى في الموت.  

الحب ليس في ابتسامة الصدقة العابرة، او في كلمة طيبة من معجم المجاملات، وليست في كلمات تصف جمالا او شهوة تكشف عورة، لن أقول في جيل اليوم بل هو منذ الازل فهم الحب وادراك حكمة خلق الله له من الأمور التي استعصى فهمها الكثيرين او حتى التميز بين الرغبة والحب وبين الحقيقة والوهم، أوجب فهم الذات قبل محاولة تحليل الاخر في مختلف المشاعر ليس فقط الحب، فالكره والبغضاء والحسد والغيرة كلها مشاعر لها مكان وحضور ملموس من حولنا وان طربت النفس لكلمات الغزل والحب، فالنفس أيضا تتفاعل مع عبارات الكره والغيرة والحسد، ولن اخوض في تحليلات نفسيه لهذه المشاعر غير ان ما يثير دهشتي اسهاب علماء النفس والباحثون في تحليل أسباب المشاعر السلبية ومصدرها وتاريخها عند المجتمع والافراد ولا يجتهدون في تحليل المشاعر الإيجابية وكيف تتبلور ويستقبلها الانسان.

رسالة 
من عنان السماء، من فوق العرش أتى الحُب، فضيلة لا رذيلة، معجزة هو لا قشعريرة، لا يُمنح الا لمن شاء الله ان يسكن فيه "وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ۚ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ ۚ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ".

*نزار قباني

اشترك في حسابنا على يوتيوب لمشاهدة فيديوهات لأهم الأحداث العالمية والإقليمية