الإثنين, 20 مايو 2019
39 °c

لحظة..

الأحد 17 مارس 2019 07:12 م بتوقيت مسقط

 

عائشة بنت أحمد البلوشية

كلمة رباعية الحروف، وتعريف لحظة في قاموس المعجم الوسيط لحَظَه، ولحَظَ إليه لَحْظاً ولَحَظاناً أي نَظَرَ بمُؤْخِرِ عَيْنَيْه، وهو أشَدُّ التِفاتاً من الشَّزْرِ. أما لَحَاظُ فهي مُؤْخِرُ العَيْنِ، واللحظة لغة هي الوقتُ القصيرُ بمقدارِ لَحْظِ العيْن، يقال: سكت عن الكلام لحظَةً. كلمة بسيطة جدا شكلا ونطقا، ولكننا عندما نتعمق في أغوارها نكتشف عظمتها، فهي في نظري المتواضع الذي لا أفرضه على أحد هي فاصل ما بين زمنين، يحدد مدى الفرق بين كلمتي أو بالأحرى ظرفي الزمان (قبل وبعد)، لأنها تعطيك نتيجة مختلفة ما بينهما.

من أجمل وأرق ما كتب عبداللطيف البناي، وترافقت معها ألحان د. يوسف المهنا، في عام 1984 بصوت الشجن الوفي الرقراق عبدالكريم عبد القادر هي أغنية (وداعية)، ولكنني هنا لست بصدد الحديث عن الوداع واللوعة والفراق، بل حديثي سيكون عن جزء من أجزاء إحدى تلكم المشاعر (اللحظة)، وكي نتشارك سويا في المغزى فإنني أورد لك أيها القارئ الوفي بضعا من كلماتها:

"لحظة يا بقايا الليل لحظة

لحظة ما بقي بالحيل لحظة

بالهدا يا ليل، ما بقي بي حيل

بالهدا يا ليل، ما بقى بي حيل".

لا بد وأنك عشت إحساس الكلمات الصادرة من قلب الشاعر والمؤدي، إنّه يستجدي ثواني الليل من أجل لحظة؛ لأنّ اللحظة بالنسبة إلى كليهما عمر يعاش، وأوردتها هنا للتدليل لا أكثر، ولأصور لكم معنى اللحظة وأهميّتها في حياتنا اليومية، فخلال لحظة بسيطة ينقلب حال الإنسان منا من حال إلى حال، أفلم يقل الشافعي -رحمه الله- في أشهر ما أبدع من أبيات:

"دع المقادير تجري في أعنتها،، ولا تبيتن إلا خالي البال..

ما بين غمض عين وانتباهتها،، يغير الله من حال إلى حال.."!،

 

هكذا هي الدنيا، زيارة لطبيب تقلب لك موازين حياتك كاملة، المرور على سطور ورقة قد تقلب موازين مشاعرك، الالتفات إلى شاشة جوالك وأنت خلف مقود مركبتك لتلتقط "سناب" سريع أو "سيلفي" جميل، أو ترد على رسالة ما، قد تسرق منك روحك أو أرواحا غيرك، أذكر أنني في إحدى المرات وأنا خارج السلطنة أحسست بصداع كاد أن يقسم رأسي إلى نصفين، وبعد إجراء الفحوصات اللازمة ذهبت للجلوس إلى الطبيب، الذي بادرني بالوعظ الديني وأنّ حال الدنيا إلى زوال، وإلى آخره من كلمات تجعل الحجر الأصم يدرك أنّ في الأمر خطب ما، وعندما طلبت منه مصارحتي أكد لي أن لديّ - أجاركم الله- ورما في الرأس من الدرجة الخطيرة، لحظة جعلتني أفقد الإحساس بكل شيء سوى التفكير في أطفالي، ولا أتذكر يومها كيف وصلت إلى المنزل، ولكنني بعد التفكير بهدوء قلت في نفسي: ما هذه الترهات؟ وبالفعل حملت نفسي إلى استشاري أوضح لي بأنّ لديّ التهابا فطريا بسيطا في الجيوب الأنفية لا أكثر، فكانت لحظة أعادت إليّ الإحساس بمعنى (قبل وبعد).

"تسمع بالمعيدي خير من أن تراه"، مثل عربي قديم قيل في أحد كرماء العرب، وهو المعيدي الذي اشتهر بسخائه وحكمته وكرمه، حتى أنّ الجميع أحبه وذاع صيته في جميع أنحاء المدينة، حتى وصلت أخباره إلى الخليفة فأراد الخليفة أن يقابله حتى يرى من حكمته وكرمه، فإذا تأكد له ما سمع عن هذا الرجل جعله من حاشيته ورجاله، وبالفعل أرسل في طلبه، ودعاه لمجلسه وما أن دخل عليه المعيدي حتى تفاجأ الخليفة من شكله، فهو بسيط الثياب على الرغم من غناه كما أنّه دميم الخلقة، فضحك الملك منه وقال: "تسمع بالمعيدي خير من أن تراه" قاصدا بذلك أن سيرته بين الناس أفضل بكثير من شكله وهيئته، فحزن المعيدي لكلام الخليفة ولكنّه رد بحكمة وفصاحة بالغة عليه وقال له: "يا مولاي، إنّ الرجال ليسوا بقراً ولا غنماً كي تنظر إلى وجوههم وأجسامهم، إنّما يعيش المرء بأصغريه قلبه ولسانه" فأعجب الملك بفصاحته وعينه في حاشيته كمستشار خاص له، فسرى المثل بعدها بين العرب، كانت لحظة فاصلة بين نظرة الخليفة للمعيدي وسخريته من هيئته، وبين بداهة المعيدي هي التي جعلت من الخليفة أن يتخذه مستشارا له.

اللحظة التي يتجرّد منها من عقلك لتسن سهام كلماتك الجارحة، فتلقيها في أذن إنسان ربما لم يكن خطأه بذلك القدر الجسيم الذي يستحق أن تسحقه به في لحظة لا وعي برصاصات لسانك القاتلة، وربما كان لشيء لا يد له به، بل هي خلقة الخالق، في وجه أو جسد أو غيره، وهنا أورد قصة يقال إنّ "كثير عزة" أحد شعراء العصر الأموي، دخل على عبد الملك ابن مروان، وكان قصير القامة نحيل الجسم، فقال عبد الملك أأنت كثير عزة؟ قال: نعم، قال: أن تسمع بالمعيدي خير من أن تراه، فرد عليه كثير عزة: يا أمير المؤمنين، كل عند محله رحب الفناء شامخ البناء علي السناء، ثم أنشأ يقول:

ترى الرجل النحيف فتزدريه وفي أثوابه أسد هصورُ

ويعجبكَ الطريرُ إذا تراهُ ويخلفُ ظنكَ الرجلُ الطريرُ

بغاث الطير أكثرهـا فراخاً وأم الصقر مقلاة نزورُ

فما عظم الرجال لهم بفخرٍ ولكن فخرهم كرم وخيرُ

فإن أكُ في شراركم قليلاً فإني في خياركم كثير

فقال عبد الملك ابن مروان: لله دره ما أفصح لسانه، وأطول عنانه، والله إنّي لأظنه كما وصف نفسه، وهنا نرى بأنّ لحظة أن انطلقت شرارة المثل بين العرب، أصبح يستخدمه كل من أراد استحقار إنسان.

 

وكم من مرة كنا نستجدي الزمن أن يرجعنا لحظة للوراء، كي لا نقرأ أو ألا نطلع على حقيقة مرة كتبها الله تعالى علينا، لسبب وحكمة عجزت عقولنا البشرية القاصرة على استيعابها، أو ألا ننطق بما نطقنا، أو ألا نخطو بما خطونا، ولكن هيهات، ولات حين مناص، يكون قد سبق السيف العذل. ولكن هل تساءلت يوما عن أجمل لحظة في حياتك؟ أو ما هي أجمل لحظة يمكنك أن تعيشها؟ قد تتسابق اللحظات الكثيرة إلى ذهنك كشريط فيديو، في محاولة منك لالتقاط أجملها، ولكنني أختزل الجمال وأجمعه في لحظة صفاء روحي تختلي فيها برابط نوراني مع خالقك، وإحساس بالحمد مغلف بالشكر والثناء بأنّ لك ربا "ليس كمثله شيء" -سورة الشورى- تعبده، وتركن إلى ظل رحمته كلما عن على قلبك طارىء، فتحس بلذة الوجد والحب الإلهي، حب بعيد عن الفناء، لأنّه خالد بخلود من رزقنا الوجود، فهذه اللحظة الطيبة شبيهة بالكلمة الطيبة التي أوردها الله تعالى في كتابه: "كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين" سورة إبراهيم، لذلك وحتى تصبح الدنيا والآخرة زاخرة بالرضا، يجب علينا أن نحرص كل الحرص على كل انتقاء تفاصيل كل لحظة من لحظات حيواتنا قدر المستطاع.

 

-----------------------------------

توقيع:

إلى أغلى البشر أسأل الله أن يرزقني حسن برك وصحبتك:

"وهلت الدمعة وسال

الكحل فوق السواطر

كل دمعة من عيونك

أشتريها بألف خاطر"

د.عبداللطيف البناي

 

عائشة بنت أحمد بن سويدان البلوشية

a.a.s.b17@hotmail.com

اشترك في حسابنا على يوتيوب لمشاهدة فيديوهات لأهم الأحداث العالمية والإقليمية