الأربعاء, 20 نوفمبر 2019
30 °c

سمات القصة المغربية القصيرة جدا

الأربعاء 20 فبراير 2019 08:52 ص بتوقيت مسقط

سمات القصة المغربية القصيرة جدا


أمين دراوشة | فلسطين
    
لا شك إن القصة القصيرة جدا قد خرجت من رحم القصة القصيرة غير أن بناءها يملك مساحة صغيرة بعكس القصة القصيرة التي تمنح مساحة أكبر لتشابك الأحداث.
ويقول أحمد جاسم الحسين عن القصة القصيرة جدا إنها نص إبداعي متماسك يترك أثره في القارئ ويحثه على مزيدا من القراءة وبالتالي تشكيل ثقافته عبر تناصاته ورموزه وقراءاته.
فللقصة القصيرة جدا مميزاتها، وأهم ما أتفق عليه النقاد هي ميزة الحكائية، فهي شكل سردي وبالتالي تبدأ من الفكرة ومعالجتها "من خلال أحداث مركزة، تؤدّيها عوامل وشخوص معينة وغير معينة، في أفضية محدّدة أو مطلقة، مع الاستعانة بالأوصاف المكثفة أو المسهبة، عبر منظور سرديّ معين، ضمن قالب زمني متسلسل أو متقاطع أو هابط سرعة وبطئا". (جميل حمداوي. من أجل مقاربة جديدة لفن القصة القصيرة جدا، موقع دروب 2009م، ص33) مع اختيار مفردات لغوية وأسلوب معين للتعبير عن رؤية ومرجعية. وبالتالي هي تروي حكاية ما عن شخص أو أكثر أو اختيار حادثة معينة من تاريخ الشخصية، فهي لا تحتمل كثرة الأحداث والشخصيات لذا هي تبدأ من الفعل نفسه.
يقول يوسف سعدون في قصة "عشق احمر"
"يغريه الأحمر الذي ترتديه بشكل فاضح...ينجذب نحوها... تراقصه بردائها لكنها تنفلت منه... يعيد نفس المحاولة دون يأس لمرات لعله يرتوي...تخونه قرناه... رماحها حاسمة". (يوسف سعدون. في: "أنطولوجيا غاليري للقصة القصيرة جدا". الدار البيضاء: دار القرويين. ط1. 2015م. 58) يروي لنا الكاتب بأسلوب شيق، حكاية أحد الأشخاص الذين وقعوا ضحية الافتتان بأحد الفتيات، وبرع الكاتب في عمل مقابلة ما بين الرجل والمرأة، وهيجان الثور عند رؤيته اللون الأحمر. وفي النهاية يخسر ولا يحالفه الحظ في امتلاك قلبها كون رماحها كانت أقوى، وقرناه لم يسعفاه في محاولاته البائسة، فسقط صريعا دون نيل المراد.
وكان لارتكاز الكاتب على الأفعال المضارعة (يغري، ترتدي، ينجذب، تراقص، تنفلت، يعيد، يرتوي، تخون) أن أمد القصة بالحيوية والقوة، مما يجذب القارئ الذي يشعر إنه يعيش الحكاية.
وفي قصة أخرى تقول نعيمة الإدريسي في قصة "مواء قطط":"قطة تنبش في بقايا زبالة ملقاة على قارعة الطريق مرشح يصيح في الجماهير سأنظف المكان من الزبالة...عجوز تصيح من بعيد. قل: ستقطع مورد رزقنا وكفى...تصفيق وصياح...ومواء قط ينتزع البقايا من قط آخر". (ص56) تدخل الكاتبة إلى الفعل مباشرة، دون وصف يقتل حبكة القصة، وتتناول موضوعا هاما، وهو الفقر المدقع الذي يرزح تحته جل الشعب العربي، رغم الثروات الهائلة في جوف أرضه، والأشخاص الانتهازيين الذين يسعون إلى الوصول إلى أعلى المراتب السياسة على ظهور الفقراء. فالمرشح البرلماني يغري الناس بأنها سينظف المدينة من القمامة، وبأسلوب عميق ورشيق تصف لنا القصة عجوز فقيرة تعتاش على حاويات القمامة، وبالتالي إذا فاز هذا المرشح وحقق ما يدعو له، فأنه سيترك العجوز (الفقراء) في مهب الموت. وتصدمنا الكاتبة في النهاية التي تمتاز بالصخب، إذ يقوم قط بمحاربة قط آخر للاستيلاء على بقايا طعام في فمه، في إسقاط على الأوضاع التي يرزح تحتها الشعب، والوصوليون الذين على استعداد لفعل أي شيء من أجل الحصول على مبتغاهم.
وصدمة النهاية هي من أبرز ما تمتاز به القصة القصيرة جدا. وهذا ما نراه في قصص الكاتبة رشيدة خيزيوة "قيد"
"وسط الممرات المظلمة، وأمام عيون الحراس المتلهفة للدراهم وعلب السجائر وأشياء أخرى. كانت المرأة مرتبكة تعبر الحاجز الجمركي. على ظهرها المقوس تحمل لأبنائها ما يسد الرمق، وفي يدها تحمل لزوجها صورا وجرائد، تشعره أنه ما يزال على قيد الحياة". (ص30)
في القصة تكتب الكاتبة بإخلاص وصدق وإلا لما خرجت لنا بهذه القصة الرائعة، إنها تكتب بدافع حالتها النفسية، ونفسها الشفافة التي تتوق إلى الخلاص من أمراض المجتمع، والتي هي أوبئة مشتركة في عالمنا العربي، فثمة فقر ومرض وفساد يقصم ظهر المجتمع وبالتالي ينعكس على الدولة التي تصبح هشة وضعيفة، ويرزح تحت هذه الأمراض الطبقات الأكثر فقرا، والتي عليها أن تحصّل جزء يسير من حقها للاستمرار في الحياة غير الكريمة. فالمرأة التي تسافر من بلدها إلى آخر طمعا في إحضار بعض قوت أولادها الجياع والتي جعلتها حالة البلد المزرية المسئولة عن حياة أسرة كاملة دون مساعدة من مؤسسات الدولة أو منظمات حقوق المرأة، تعبر الحدود مقوسة الظهر دلالة المعاناة، وهي مرتبكة وخائفة من كشف ما تحمل من أغراض بسيطة كعلب السجائر... مما يعني جياع أطفالها، غير إن هذه المرأة المكافحة والعظيمة لا تنسى في خضم هذه المأساة زوجها المريض والعاجز فتحضر له ما يحب من جرائد ليقرئها ويحس إن هناك بقية من حياة وإنه غير مهمل ومتروك، فالزوجة الوفية رغم كل الظروف القاهرة ما زالت تكن له الحب والود.
في المجموعة المشتركة تتنوع الموضوعات المطروقة، وتتشابه مع موضوعات القصة القصيرة جدا في العالم العربي، ولا شك عن موضوع الحرب والتناحر وما يتركه من آلام وحزن مفجع وتشرد يلقي بظلاله على المجموعة، وهذا ما نراه في قصة محمد لفطيسي "مدن وإرهاب":
"على جانب من المعركة الدائرة. جلس يبني أسوار مدينة أطفال...اختطفته شظية.. وكتبت رحلة إلى مدن تنتشي بأطفالها". (ص50)
فبطل القصة في ظل المعارك الدائرة بين الأخوة، يحاول أن يفعل شيئا للأطفال، أن يقوم بحمايتهم، إلا أنه في النهاية لا يستطيع أن يقي نفسه من المعارك فتصيبه شظية قاتلة، فما يكون من الكاتب الذي لم يعد يسيطر على المعارك في قصته إلا أن شرع في كتابة قصة جديدة عن مدن مجنونة تفرح بسيلان دم أطفالها، وكأني بالكاتب يريد أن يوصل رسالة مفادها، إن قتل الأطفال بهذه الطريقة الهمجية، سيؤدي لا محالة إلى انهيار المجتمع ودمار لا رجعة عنه في كيان الأمة.
وتطغى هموم الوطن على الكثير من قصص المجموعة، ففي قصة "الوطن" يقول عبدالله أمشتكو:
"يتراءى لهم ﺑﻘﺮﺓ ﺻﻔﺮﺍﺀ فاقعا ﻟﻮﻧﻬﺎ، ﻟﻤﻌﻮﺍ ﺧﻨﺎﺟﺮﻫﻢ ﻓﻲ ﺻﻤﺖ، ﺟﻬﺰﻭﺍ ﻣﺨﺎﻟﺒﻬﻢ، ﻳﺘﺮﻗﺒﻮﻥ ﺳﻘﻮﻃﻬﺎ ﻓﻲ ﻣذﺍﺑﺤﻬﻢ، ﺯﺣﻔﻮﺍ ﻧﺤﻮﻫﺎ ﻋﻠﻰ ﺑﻄﻮﻧﻬﻢ، ﻭﻳﻮﻡ ﺍﻟﻨﺤﺮ ﺟﺮﻓﺘﻬﻢ ﺩﻣﺎﺅﻫﺎ". (ص34)

فالوطن هنا بنظر المتنفذين والمستفيدين ليس أكثر من بقرة حلوب، وقد نجح الكاتب في استخدام التناص مع القرآن الكريم، ليعبر عن إن استنزاف الوطن "البقرة" لا شك سيؤدي إلى تحطم الوطن الحبيب، الوطن الذي سيبقى وسيرحل المزيفون الذين يبيعون ويشترون به.
والتناص من مميزات القصة القصيرة جدا، حيث يلجأ الكاتب إلى هذه التقنية من أجل التكثيف والاختزال، كما إنه يحيل على نصوص أخرى تساهم في ملئ الفراغات في هذا النوع الأدبي.
والتناص في القصة القصيرة جدا يجب أن يكون "ديناميكي يثير القارئ ولا يبقى في حدود الاستدعاء النصي السلبي...(فالتناص) له أثر فعلا على عملية المشاركة لدى القارئ فالسارد لا يوحي بمكانة النص المستدعى، والسياق الدلالي الذي يرمي السارد إليه هو الآخر تنقصه المعلومات". (باسيليوس حنا بواردي. مرجع سابق. ص12)
مما يجعل التناص يكتنفه الغموض ويحتاج إلى فهم سياقه أولا ومن ثم البحث في العلاقة التشابكية بين النصين، ومعرفة كيف خدم التناص القصة. وفي المجموعة القصصية التي بين أيدنا يزخر فيها التناص، فيقول أيمن منصف في قصة "استقرار":
"طلبا للنجدة ركب سفينة الخليل..حالما ظل يطوف البحار والمحيطات..لم يكن يعلم أنه دخل مثلث برمودا، فابتلعته الأمواج..حين استعاد وعيه وجد نفسه ملقى في الأرض اليباب". (ص7)
عندما تندلع المعارك بين أبناء الشعب، لا يجد الإنسان سوى الرحيل عن الوطن-الأم، وهذا ما يعبر عنه الكاتب، وفي تناص جميل مع العالم الخليل بن أحمد الفراهيدي واضع البحور الشعرية، فإن الشخصية تركب بحوره في محاولة للنجاة من الضياع، وبعد فترة يجد بطلنا إنه دخل في مثلث برمودا المجهول، وتتلاعب به الأمواج وتفقده وعيه ليجد نفسه في أرض خراب، فالحل بنظر الكاتب لمشاكل الوطن لا يكون بالهروب بل بالعمل على حالة مشاكله، فالفرار من المصاعب يؤدي إلى الهلاك.
وفي تناص مشابه، يعبر عن نفس الفكرة، يقول حسن الرموتي في قصته "قصة": استهوته بحور الخليل وعللها، فصنع زورقا ومجذافين من بقايا قصيدة يتيمة،"عندما توغل عميقا في البحر الطويل وجد ابن زريق وحده تائها يبحث عن قمره". (ص23)
فالإنسان لا يمكن أن يبني نفسه ومستقبله بعيدا عن الوطن، وأي محاولة لفعل ذلك سيكون مصيرها الفشل، وقضاء الحياة القصيرة في التيه والتشيؤ دون جدوى أو معنى. فالابتعاد عن مشاكل الوطن والاكتفاء بالهروب نهايته وخيمة.
وفي قصة أخرى تتضمن تناص مزدوج مع العالم نيوتن والدون كيشوت بطل الكاتب العالمي سرفانتس، يقول عبد النبي عسو في قصة "جاذبية":
"عَلىَ حِينِ بَغْتَةٍ، سَقَطَتْ فِي حُبِّهِ كَتُفَّاحَةِ نْيُوتُن. مَلَّتْ مِنَ الانْتِظَار، فتَمَنَّتْ لوْ لمْ تَخْضَعْ لقَانُونِ جَاذِبِيَّتِه. خَالفَتْ أهْوَاءَهَا، ظَنَّتْ أنَّهُ آخِرُ دُونْ كِيشُوت تُصَادِفُهُ. أهْدَتْه قلبها استرخصه وَقدَّمَهُ قُرْبَاناً لِطوَاحِينِ الهَوَى". (ص35)
فالبطلة وقعت في الحب وفي غرام رجل يملك جاذبية أخاذة، كتفاحة نيوتن، لم تعد تسيطر على نفسها انساقت إلى حبه وأهدته قلبها باعتبارها الفارس الذي لا يوجد له مثيل في عالمنا، ليفاجئنا الكاتب في النهاية إنه شخص مزور، وفارغ لعب في قلبها كما يشاء ثم دحرجه بلا رحمة ملقي به إلى طواحين الهواء لافتراسه.
ولا بد للقصة كي تكون ناجحة، وتحقق غايتها أن تمتاز بالتجريد والعمومية، فالابتعاد عن تحديد الانتماءات ينقل القصة إلى الكونية "مشاركا في الأبعاد الوجودية العامة، نص يمكن التفاعل معه ضمن دوائر قرائية عالمية. من هنا لا تكون القصة القصيرة جدا نصا عبر نوعي فقط، بل نصا "عبر حضاري" أيضا، إذا صح التعبير". (باسيليوس حنا بواردي. مرجع سابق. ص 13)
وهذا نجده في قصة غزلان قتور "إنسانية":
"اهتدى بروميثوس إلى طريقة لتُخلصه من العذاب..أخذ سهام الحب من كيوبيد
ووجّهها نحو الأوليمب. أحبوه..فكّوا قيده. بروميثوس الآن يصاحب طائر الرخ... لعله يفكر في سرقة مقدسات أخرى". (ص44)
يظهر هنا الموهبة الخلاقة للكاتب، في الاستفادة من تجارب الحياة والآخرين، ويفلح في استخدام التناص بشكل طبيعي وغير مفتعل، حيث نرى التناص مع برميثيوس وكيوبيد.
فالقصة تستخدم رموز أسطورية يونانية عالمية، فبرميثيوس هو الذي سرق شعلة المعرفة من الآلهة وقدمها للبشرية دلالة المحبة لهم، ويكون عقابه من الآلهة أن يربط ويبقى نسر جائع ينهش بلحمة، غير إن نهاية قصة غزلان تختلف عن الحقيقة، فالمحبة التي يكنها برميثيوس للجميع تجعله قادر على توجيه سهام الحب عبر مرسال الحب كيوبيد إلى قلوب الآلهة القساة وتنجح السهام في تغيير نظرة وموقف الآلهة منه، فيطلقوا سراحه، ويصادق طائر الرخ دلالة الحرية والانطلاق في الفضاء الرحب، غير إن برميثيوس لا يتوقف عن عادتها في تقديم الخير للبشرية، فيستمر في التقاط كل ما هو إيجابي غير مكترث بالنتائج، فالمحبة التي تسكن قلبه تقيه وتحميه من الآخرين.
وفي قصة أخرى تدلل على ضرورة أن تكون القصة القصيرة جدا معبرة عن الهموم الإنسانية، وتمتاز بالتجريد والكونية، قصة إحسان السباعي "انتقام": أدركت أنه ميت، حفرت له قبرا في الذاكرة حتى لا ينهشه النسيان المسعور، كفنته بجرحها الغائر، فتحت بابا وعانقت الحياة". (ص8)
القصة هنا لا تحدد انتماء المرأة ولا هويتها، بل تشير إلى حالة المرأة الوجودية، قصة تركز على بساطة الإنسان، وسعيه للعيش بعيدا عن الوحدة، فتجربة الشخصية في الحب كانت فاشلة، واستدعت منها الكثير من النزف، غير أن الحياة وتجاربها المريرة يجب أن لا تؤدي بالإنسان إلى الاستسلام والعجز، وهنا بطلة القصة تدفن أحزانها، وبسبب خوفها من اليباس العاطفي، تشرع في البحث من جديد عن نصفها الأخر، لأن لا حياة حقيقة دون الرجل بالنسبة لها، ولا تزهر المرأة وتكون بلا رجل، فهما زوجان لا يمكن انفصالهما وإلا انشطرت حياتهما.
لقد ولج هذا النوع الأدبي الكثير من الكاتبات، وأخذن موضوعاتهن من المجتمع ونقدنه فكتبن عن واقع المرأة العربية والظلم الذي تتعرض. غير إن الكاتبة حليمة مصدق في قصتها "تزاوج" تناقش موضوع الحرب والسلام وأثرها على الإنسان، تقول:"من فرط رغبتها في السلام والتسامح، احتضنت العصافير بيض الأفاعي...ماتت العصافير وزحفت الأفاعي تنشد سلاما آخر." (ص22)
ونرى في القصة خاصية من أهم الخصائص في القصة القصيرة جدا، وهي التكثيف وهذا يمكن أن نجده في أنواع أخرى كشعر الهايكو غير أن التكثيف في القصة القصيرة جدا له نكهته الخاصة. فبعدد محدود من الألفاظ على حساب إشباع المعنى، استطاعت الكاتبة الوصول إلى فكرتها التي تثير خيال القارئ، وتجعله ينجذب بقوة إلى معرفة نهايتها وهو ما يحقق عنصر التشويق الذي لا غنى عنه في هذا النوع الأدبي.
فالعصافير التي لا تعرف غير الحب والوئام أرادت أن تنقل مشاعرها إلى الأفاعي عدوها اللدود من أجل تحقيق السلام، إلا أن النتيجة تكون دمارا شاملا للطيور المسالمة، فبعد أن تبتلعها الأفاعي، تأخذ الأفاعي في البحث عمن يشتري بضاعتها من السلام، والحقيقة أن القصة تكاد تعبر عما يجري في فلسطين المحتلة بشكل خاص والعالم العربي بشكل عام، حيث كلما عبر العالم العربي عن حبه للسكينة والسلام قوبل من العالم الغربي ذي الماضي الاستعماري البغيض بالمزيد من الحرب والقسوة لقضم أراضيه وخيراته.
وفلسطين ذاك البلد الجميل المبتلى بأقسى احتلال وآخر احتلال في العالم، ما زال يؤرق الكتاب العرب من كل البلدان، وبالتأكيد المملكة المغربية ليست استثناء، فيقول عبدو أبو صلاح في قصة "لص":
"جاء من بعيد وأخرجني من بيتي.
قال للناس: في عهد آدم، كان جدي يرعى هنا ."موقع غاليري الأدب على الفيس بوك)
ومن مميزات القصة القصيرة جدا، شعرية القصة، "وهي صفة تتخلّق من تركيب الصور فيها، لا من فصاحة الكلمات، ولا من الانسياق وراء الشعر، الذي يعتبر نوعا أدبيا مختلفا". (وليد أبو بكر. "فن القصّة القصيرة جدا: من التبعيّة نحو الاستقلال". في القصة القصيرة جدا. مرجع سابق. ص 47)
فاللغة في القصة القصيرة جدا استعارية، لها سماتها المميزة كالإيجاز والإيحاء والرمز بحيث تخدم النص، فليس هناك أهمية للكم الكلامي في القصة.
وهذا ما نجده في قصة رحيمة بلقاس "بلا عنوان ولا هوية":
"كأس شاي فارغ إلا من دليل استعماله...كرسي مقرفص على شرفة منفرجة... وجثة هامدة، مركونة بغرفة مظلمة... يبدو أنها غادرت الحياة منذ لفظها قارب موت من عشرين سنة". (ص27)
ونلاحظ من خلال القصة إن الوطن لا يكف عن الحضور في القص المغربي، والحديث عن الغربة والاغتراب، والبحث الحثيث عن لحظات فرح في خضم البؤس الكبير.
والكاتبة بلغتها الإيحائية التي تفتح على تأويل النص، لم يكن لها أن تنجح لولا صدق التجربة والتعبير حتى وإن لم تتقصد ذلك.
القصة تتناول هموم الغربة وآلامها، وإنه بعد مرور عشرين سنة من الغربة لم يبق من حياة الشخصية إلا كأس شاي فارغ وكرسي وجثة بغرفة معتمة تنتظر من يكتشفها. الكاتبة تريد أن تصل إلى إن الوطن هو المكان الذي يجب أن يعيش فيه الإنسان ويموت في ظل أحبائه وأصدقائه ويدفن في تراب الوطن الذي لا يقدر بثمن. وإن كان العنوان طويلا وكشف إلى حد ما مكنونات القصة.
وكون القصة القصيرة جدا "تتميز بإيقاع سريع في أحداثها، القليلة نسبيا، فإن الاعتماد على النهاية المفاجئة هو الذي يجمع هذه الأحداث في محصلة ناجعة، تنقل فكرة القصة إلى الملتقي بقوة". (وليد أبو بكر.. مرجع سابق. ص40)
يقول إسماعيل مشرعي في قصة "تحكيم" :
"لم تحسم ركلات الترجيح فوز أي فريق، فاتفقوا على أنْ يُحَكِّمُوا بينهم أولَ رجلٍ يطلع عليهم. لحظتها مرَّ رجل غريب يبدو عليه الإجهاد، فَأَمَرَ بالكأس فوُضِعَتْ في رداء، وأمر أن يُمْسِكَ كُلُّ فريقٍ منهُ بطرف، ثم سار بهم حتى أدركهم النعاس، وبكل هدوء أخذ الكأس من وسط الثوب وانصرف". (موقع غاليري الأدب على الفيس بوك) لا يستطيع القارئ أن يخمن خاتمة القصة، وبدأت القصة بمقولة لا معقولة، فنحن بصدد مباراة لا يمكن حسمها حتى في ظل ركلات الجزاء، وهي قصة ناضجة تثير القارئ وتبعث في نفسه الغبطة وتحفزه على الاستمرار في القراءة لمعرفة النهاية، والتي وفق الكاتب بها، فالفريقين ارتضوا تحكيم رجل غريب الذي استغل سذاجتهم، فقام بخداعهم وسرقة الكأس.
وكذلك في قصة الطاهر لكنيزي "الخَيْمَة": "قالتِ الأمّ لابنتها المتزوّجة حديثا: "الزّوجُ خيمةٌ والأولادُ أوتادٌ. فكلّما كثروا، كلّما شُدّت الخيمة واستقامتْ وعانقَ استطالتَها لبلابُ الخُنوع..."
ودون أن تتْركَها تنْفُش عباراتِها الطّاووسيّةَ ، وتُتقن دوْرَ الواعِظ الذي لا ينْسرب الخطأ من بين شَفتيه ولا من خلفِ ظلّه ، حشّت خُطبَتها بمنجل السؤال: "وما العملُ لو هبّت عاصفةٌ غير مُحْتملة على ضفاف العُمْر وأحالتِ الخيمةَ أشْلاء وبَقيَ الأوتادُ مَرْزوزين في الأرض؟". (ص15)
ابتدأ الكاتب الاستهلال بجملة فعلية لأنها أقدر من الجملة الاسمية في بلوغ هدفها، القصة تحكي عن أم تقدم النصيحة لابنتها المتزوجة حديثا، ومخلصها إن إنجاب الأطفال سيجعل الزوج يستكين ويهمد، وتربطه الخلفة الكثيرة بالبيت فلا يستطيع أن يتركه ليبني عشا آخر. وتكون المفارقة والمفاجأة على لسان الابنة على شكل سؤال يترك القارئ في ذهول واندهاش، فالابنة تتحدث عن فقدان الزوج الذي يمكن أن يحصل، فماذا تستطيع أن تفعل بكل هؤلاء الأولاد دون معيل؟
وكان يمكن للكاتب حذف بعض الجمل لتكون القصة أجمل، فبعضها لم يحقق فائدة كبيرة في سير القصة وانسيابها.
ومن القصص التي تحقق صدمة القارئ وتثيره ليقف ويفكر فيما وصلت إليه حياتنا، قصة عبد الرحيم أحيزون "سمارت فون" ويقول فيها: "حين لمح المنزل تلتهمه النيران، والطفل يصرخ من وراء النافذة،
أسرع بإخراج هاتفه، وبحث عن أنسب زاوية، لالتقاط الصورة". (ص36)
فالقارئ سيخمن إن الشخصية هنا وبعد سماعها صراخ الطفل ورؤية النيران، ستقوم بكل ما يلزم لإنقاذ الطفل، غير إنها بدلا من ذلك، تخرج الهاتف الخلوي لالتقاط صورة جميلة لطفل يحترق، وهذا يعبر عن عدم اللامبالاة التي نحيا فيها، ومدى الاغتراب والغرق في الانتهازية والجري وراء الشهرة حتى لو تخلينا عن مبادئنا وقيمنا وإنسانيتنا.
وفي قصة تعبر عن خيبة الأمل من الحياة، وأن لا فكاك من المصاعب والمشاكل فيها، والحظ السيئ الذي لا يتغير، تقول مليكة الفلس في قصة "مارس":
"بأي اليدين بدأتُ العدَّ... "واحد... اثنان... ثلاثة"
ينتهي العدُّ دائما برقم 8 الوسطى في اتجاه وجهي". (ص51)
وبراعة الكاتبة هنا كانت باستخدام مقتصد بالكلمات دون حشو وتكرار وتناقض، في إخراج قصة تمتاز بالتدفق والحيوية. وتنتهي بشكل ساخر وتحقق المفاجأة والابتسام لدى القارئ رغم إنها قصة تعبر عن الألم والمعاناة من الحياة.
وفي قصص المجموعة نلاحظ تنوع الشخصيات في القصص، وإنها لم تقتصر على الشخصيات الإنسانية وحسب، فالقصة القصيرة جدا تستوعب تنوع الشخصيات، فيمكن أن تكون جماد أو حيوان أو نبات أو إنسان، حتى يمكن أن تكون الشخصيات عبارة عن أفكار يؤنسنها الكاتب. وهذا ما يبرع فيه الكاتب مصطفى لغتيري الذي أبدع في مختلف صنوف الأدب، وفي قصصه العميقة والمكثفة يلجأ لغتيري إلى اختيار شخوص قصصه من مملكة الحيوانات، ففي قصة "وصية" تكون شخوصه من القرود، فيقول فيها:
"حين أزف أجل القرد العجوز، جمع من حوله أبناءه وأحفاده، ثم أوصاهم قائلا: -كونوا دوما أقوياء وماكرين، فالأرض، أبدا، لن يرثها الطيبون". (ص49)
في هذه القصة يأخذنا الكاتب بكلمات موجزة ومحكمة بحيث لا يمكن الاستغناء عن إحداها إلى عالم الحيوان ليسقطه على عالم الإنسان، فيوصي القرد الكهل ذريته بأن يكونوا أقوياء وأشداء وقادرين على المناورة لأن الحياة قاسية ولا مكان فيها للضعفاء والبؤساء، وفي تناص مع القرآن الكريم جاء في محله تماما، يقول إن الطيبين سوف يعيشون في ضنك العيش ولن ينالهم سوى الألم والقسوة، فعلى "القرد" أن يكون قويا لتهابه الحيوانات الأخرى ويحجز مكانه على الأرض ويكون فاعلا لا مفعول به، وهي دعوة مبطنة للثورة على الأوضاع المزرية التي يعيشها الإنسان العربي.
ولم يتوقف موضوع القصص عند أنسنة الحيوانات والجمادات، بل إنه سار إلى ما هو أبعد، وتجاوز بعض الكتاب حدود المنطق ووصلوا إلى حدود الفانتازيا والسريالية في موضوعاتهم. تقول الكاتبة السعدية باحدة في قصة "وصفة شهية":
"ابتلي بأكل المخاخ البشرية عندما جرب الوصفة سرّا، اليوم، صار يتباهى أمام الملأ أنه الوحيد الذي يتقن طبخ المخّ ويتفنّن في أكله... لما تكاثر آكلي المخاخ البشرية، قرّر النّاس أن يدفنوا مخاخهم في قبور سرّية، ولسلامتهم سيعيشون بدون مخّ". (ص12)
هنا تفقد القصة واقعيتها وتتحول إلى رموز وإشارات تعبر عن الفكر المتخبط في الأزمات، ويلجأ الكتاب إلى هذا الأسلوب لشد القارئ عبر دفعه من خلال اللامعقول والدهشة المتولدة منه إلى متابعة القراءة، وتسير القصة به إلى أماكن غير مكتشفة أو إلى دهاليز نفسه المتعبة.
فالشخصية المحورية هنا جربت تناول الأمخاخ البشرية، وأعجبها طعمه، ثم أتقنت طبخه وتقديمه بأشكال متنوعة مما أدى إلى تناسل محبي التهام الأمخاخ، ولأن الناس خافت على نفسها، لذا قرروا وبشكل جماعي دفن أمخاخهم في قبور، ومع مرور الوقت تعلموا أن يعيشوا دون عقول. وهو إسقاط على أوضاع الشعب العربي الذي يبدو إنه يسير بثقة إلى حتفه وكأنه مسير بقوى جبرية بعد أن خبئ عقله للمحافظة عليه.
ويخيم على جو المجموعة طيور الحزن، ومسحات وجودية تتجلى باستخدام الكثير من الألفاظ كالانتحار مثلا، والتعبير عن خيبة الأمل والشعور بالخداع، وأن الحياة غير منصفة، يقول محمد دريوش في قصة "البذرة":
"ترنحت البذرة بباطن الأرض، فتحت نافذة صغيرة بقشرتها، حدقت ذات اليمين و ذات الشمال، لم يرقها سواد التراب.
لبست فستان زفافها ناصع البياض، تعطرت للرحلة السرمدية، كتبت نعيها، ثم انتحرت". (ص53)
فالبذرة المولودة حديثا عندما أمعنت النظر بما حولها لم تجد غير الألم والشقاء والسواد ففضلت الانتحار على العيش في ظل الظلم والاستبداد والقهر.
ويسير على هذا المنوال الكاتب ياسين كني في قصة "مقامات" فيقول:
"لطالما سحرني أسلوب المقامات منذ الهمداني و الحريري والى الآن, يثيرني فيها القدرة الخارقة للبطل على خداع الجميع, تلك الشخصية التي تحتال على كل من تجده في طريقها, حتى المقربين منها...
كلما سمعت أن مقامة صدرت حديثا أسارع إلى قراءتها... بالأمس قرأت دستورا عربيا جديدا". (ص62)
فالكاتب يحدثنا عن فن المقامات وإعجابه الشديد بمقامات الهمذاني والحريري، وانبهاره بالبطل فيها الذي يملك قدرة خيالية على خداع الجميع والنصب والاحتيال عليهم، وليبهرنا الكاتب في نهاية مفجعة وفي نفس اللحظة طريفة وتعبر عن مكنونات المواطن العربي، مفارقة مذهلة، ففي النهاية صدر دستور عربي جديد وهو لا شك ليس أكثر من مقامة كمقامات الهمذاني والحريري إذ إن القائمين عليه كأبطالها يمتازوا بالمكر والخداع والقدرة على التلون للوصول إلى هدفهم غير السوي.
ومن القصص القليلة التي تدعو إلى التفاؤل والعمل، اخترت أن انهي الدراسة، في قصة جواد الدريوش "الفلاح" يقول:
"كلما هطل المطر يخرج من بيته يتطلع إلى السماء مبتسما، ثم يتجه مسرعا نحو حقوله ليعانقها هناك فرحها الأخضر". (ص16)
ونجد اللغة الشعرية المنسابة في القصة بما مدها بالحركة والصور المبهجة، ومن أكثر من الفلاح يشعر بالغبطة والحبور لنزول المطر وعناق أشجاره وزهوره.
تناولت بعض القصص التي اعتبرتها ناجحة في هذا النوع الأدبي الجديد، وحققت اللذة والمتعة مما يدفع القارئ إلى متابعة القصة حتى النهاية. ومن خلال قراءتي للكثير من النماذج، فإنه يمكن القول إن على الكاتب في هذا النوع من الأدب الابتعاد قدر الإمكان عن الوصف إذ إن حجم القصة لا يحتمل ذلك، كما أن الوصف يشعر القارئ بالملل والضجر ويجعله يتوقف عن القراءة. وكذلك الابتعاد عن الاستعراض واستخدام الألفاظ الغريبة غير المفهومة لأن القارئ سيشعر إن الكاتب يحاول إثبات إنه صاحب ثقافة متشعبة، وهو لا يهتم سوى بما شعر به من لذة القراءة، وكيف أثرت القصة به؟
وعن الصياغة اللغوية، يقول الكاتب الكبير محمود شقير، إنه لا يحبذ استخدام اللغة الشعرية المفرطة في القصة القصيرة جدا، ويفضل استعمال لغة سهلة من لغة الحياة اليومية، وإنه لا يرى ما يمنع من "الاستعانة بالسخرية والفانتازيا والسوريالية في السرد القصصي، على ألا يصل ذلك حدود المبالغة أو الإفراط". (محمود شقير. في القصة القصيرة جدا. "شهادة: أنا والقصة القصيرة جدا". مرجع سابق. ص 71)
وفي النهاية، يقول جاك بيكهام في كتابه "أكثر 38 خطأ في الكتابة القصصية": إن القصة تكتب على حافة الهاوية، وإن على الكاتب ألا يختبئ من مشاعره.
إن كتابة القصة وظيفة ليست سهلة بل صعبة وشائكة، وتحتاج إلى مهارات وأساليب ليس بإمكان الجميع تحصيلها. إن القصة القصيرة جدا بشكلها المكثف وإشعاعها البرقي أصبحت حاجة محلة للتعبير عن مكنونات النفس البشرية، وما يجري في المجتمع من تغيرات. إنها ببساطة تغني تجاربنا وخبراتنا في الحياة، وتشعرنا باللذة، وتحفزنا على التأمل في ذواتنا وفيما حولنا من ظواهر وأحداث.

 

 

اشترك في حسابنا على يوتيوب لمشاهدة فيديوهات لأهم الأحداث العالمية والإقليمية