الأحد, 17 فبراير 2019
26 °c

مقال : اعتبارات مهمة لإنجاح "رؤية 2040" (2)

السبت 09 فبراير 2019 06:52 م بتوقيت مسقط

 

مرتضى بن حسن بن علي

 

رغم الإنجازات الضخمة التي تحققت على الأرض العمانية منذ فجر النهضة المباركة، فإنّ بعض الصعوبات التي رافقت تنفيذ الخطط الخمسية المتتالية، كانت محور الدراسات العديدة التي أجريت في عام ١٩٩٤ والتي استنتجت أنّ الخطط الخمسية المتتالية، لم تصل إلى أهدافها الكاملة المعلنة، وخاصة هدف تنويع مصادر الدخل أو تطوير التعليم أو تنمية القطاع الخاص، ليكون محرك الاقتصاد وموفر فرص العمل للعمانيين.

ظلّ النفط المحرك الأساس لمعظم الأنشطة، وكانت أسعار النفط عند انخفاضها تسبب ضغوطات كبيرة على الموازنة العامة للدولة، وترسخت القناعات أكثر فأكثر أنّ الاقتصاد المعتمد على النفط يسبب مشاكل عديدة، وهي نفس القناعة التي توصل إليها المجلس الأعلى للتخطيط.

كثير من الدراسات تتفق أنّ ضعف أداء القوى البشرية والارتفاع الهائل في العمالة الوافدة وانعدام ثقافة العمل والإنتاجية وضعف أداء الاقتصاد، يرجع إلى ارتباط الاقتصاد بريع النفط الخام، لأنّ النمو المعتمد عليه لا يضمن متانة الاقتصاد واستدامة النمو أو زيادة الإنتاجية لغير القطاعات النفطية، ويؤدي إلى قطاع خاص مشوه وسوق عمل مشوه وتعليم وتدريب مشوهان، والقطاع الخاص الناشئ في معظمه، يبقى قطاعا غير منتج، قائم على إنتاج الخدمات الاستهلاكية غير القابلة للتصدير، كما أن الاعتماد على الإيرادات النفطية فقط يعرقل بروز اقتصاد حقيقي فعّال ومنتج، ويساهم في انتشار الميول الريعية وإنتاج بطالة مقنعة في حالة ارتفاع أسعار النفط وبطالة حقيقية في حالة انخفاض أسعاره، بعد أن تتوقف الوحدات الحكومية من توظيف المزيد من الموظفين. الثروة الريعية تقوم بتحجيم التحديث الاقتصادي والاجتماعي والتعليمي والتدريبي والإنتاجي ولا تخلق دورة اقتصادية متكاملة، ولا توفر فرص عمل ذات قيمة مضافة، وتعتمد عادة على عمال بأجور متدنية من الخارج للقيام بأعمال ‏بسيطة مثل المقاولات والأنشطة الخدمية البسيطة، ومعظمهم من العمالة الوافدة الذين يحولون جزءاً كبيراً من مداخيلهم إلى بلدانهم بدلا من المساهمة في الاقتصاد المحلي وتنشيط الدورة الاقتصادية، إضافة إلى تسببها في ايجاد ضغوطات تضخمية.  

التفكير الذي يرافق تحديد أهداف أية رؤية مستقبلية، لا بد أن يكون تفكيراً استراتيجيا، الذي ينظر إلى الصورة بالشمولية ويدرس الماضي جيدا كما يعرف الحاضر ويتوقع المستقبل، لكي يكون قادرًا من تحويل أحلام اليوم إلى واقع الغد وما بعد الغد، ومن حق الناس أن يعرفوا ذلك لكي يعرفوا التحديات التي واجهت تطبيقها والدروس المستفادة منها تمهيداً لوضع رؤية 2040 بمنهجية علمية وواقعية، وتطبيقا عمليا للمشاركة المجتمعية التي تعتمد عليها أية رؤية.

أية رؤية لكي تنجح، فمن الضروري أن تمتلك القدرة على فحص وتحليل البيئة الخارجية والداخلية للبلد، والقيام بالتنبؤات المستقبلية لكل من الفرص والمخاطر التي من الممكن أن تواجه اي بلد مستقبلا والاستعداد لها بالبدائل والاحتمالات وبرامج الوقاية من المخاطر، وبرامج انتهاز الفرص.

إدارة السياسة التنموية هي في صميمها فن وعلم إدارة المخاطر وموارد المجتمعات المختلفة بما في ذلك الموارد الجغرافية والتاريخية والإنسانية والاقتصادية والثقافية، وبما يحقق لهذه المجتمعات صحتها ورفاهيتها داخل حدودها، ومصالحها وأمنها وراء هذه الحدود. ولكي تحقق رؤية 2040 أهدافها لبِنَاء اقتصاد منتج متين قابل للاستدامة وقطاع عام عالي الكفاءة وقوة بشرية عالية التعليم والتدريب، فلا بد أن تتمكن من إحداث تنمية بشرية قابلة للتكيف مع متغيرات متسارعة على المستوى التكنولوجي والاجتماعي، ومن دون إجراء تحديث شامل للطريقة التي يعمل بها حاليا القطاع العام، سوف تجد صعوبة من تحقيق ذلك الهدف.

كنت آمل شخصيا أن تكون الخطة الخمسية التاسعة 2016- 2020، خطة نوعية تُركز بشكل أساسي على تهيئة البلد لرؤية عمان 2040. وحيث إن ذلك لم يحصل، فعلينا البدء منذ الآن على النحو التالي:

  • إعداد خطة طموحة للتحول الحكومي الشامل، لكي تتمكن الحكومة من قيادة التغيير المأمول.
  • خطة للتحول الاقتصادي الشامل وإيجاد قطاع خاص منتج ومتنامي عن طريق خلق بيئة جاذبة له للنماء لكي يقدر أن يقوم بواجباته في إقامة مشاريع مغلة للدخل وموفرة لفرص عمل منتجة للعمانيين، وإحداث تغييرات جذرية في هيكل الاقتصاد الوطني سوف يؤدي إلى زيادة ملحوظة ومستمرة في معدل نمو الدخل القومي بحيث تؤدي هذه الزيادة إلى التغلب على المشاكل التي تواجهها الحكومة، كما يؤدي إلى ارتفاع في مستوى من معيشة الأفراد.
  • إجراء تحولات وإصلاحات جذرية في النظامين التعليمي والتدريبي، من اجل بناء نظام تعليمي قوي ومتماسك، على أساس الكفاءات العلمية المتخصصة.

ولقد أدركت البلدان التي حققت تقدما هائلا أنّ الوسيلة الوحيدة لتقدم أية دولة تعتمد بداية على قدرتها على تطوير التعليم، والاهتمام بالبحث العلمي، وألا يعتمد التعليم على أسلوب التلقين و"الحشو"، وضبط العلاقة بين التعليم العادي والتعليم الفني، ففي ضبط هذه العلاقة تكمن إحدى أسرار نهضة البلدان المتقدمة. والوضع الآمن لضبط العلاقة بين التعليم العام والتعليم والفنى هو أن يلتحق أكبر عدد من الطلبة إلى التعليم الفنّي والمهني بداية، بعد الانتهاء من المرحلة الإعدادية، بينما تلتحق نسبة أقل إلى العلوم الأخرى، وتجري تقييمات بين فترة واُخرى لتحديد تلك النسب وبعد ذلك تقوم بالمتابعة المستمرة لهذه النسب وتعديلها حسب احتياجاتها المتغيرة.   

د- خطة شاملة لإصلاح نظام الخدمة المدنية والقانونية. هناك قناعات ترسخت مفادها أنّ بعض القوانين والتشريعات وتضارب الصلاحيات تعرقل إنجاز أشياء عديدة كما أن أعداد الموظفين العاملين في الأجهزة الحكومية المختلفة هو أضعاف ما تحتاجه الدولة ويفوق كثيرًا معدل عدد الموظفين لكل ألف من السكان في الدول الأخرى معدلات الأجور إلى الإيرادات العامة لكثير من الدول الأخرى، تتراوح ما بين 12-30% من إيرادات تلك الحكومات، بينما وصلت تلك النسبة في عمان إلى نحو 65% من إيرادات الحكومة، وهذه من إحدى أسباب العجز الكبير في الموازنة وعدم القدرة على استدامتها أو إقامة كثير  من المشاريع الأخرى المدرة للدخل والموفرة لفرص العمل. بهذه الطريقة فلن تنظر المجتمعات إلى الحكومة كضامنة للوظائف في أجهزتها، وإنما تنظر إليها كجهة قادرة عبر سياساتها لخلق وظائف مستمرة ومتجددة في القطاع الخاص.

إنّ تحقيق أية رؤية تحتاج إعداد العدة لانطلاقة تحمل استراتيجية وخطط وسياسات تتوفر فيها قراءة جيدة للواقع ونظرة استشرافية للمستقبل.