الأربعاء, 20 نوفمبر 2019
30 °c

مقال : ثقافة المواطنة في المنظور الإسلامي

الإثنين 07 يناير 2019 06:40 م بتوقيت مسقط

د. يحيى أبوزكريا

 

◄ كان الإسلام سبَّاقا في التأكيد على قيمة الوطن وإعلاء المواطنة وأنَّ المسلم عليه واجبات تجاه وطنه

 

كرَّس الإسلام في منظومته -الفكرية، والثقافية، والعقدية- مفهومَ تعلُّق الإنسان بوطنه وأرضه، واحتسب من قُتل دون أرضه ووطنه شهيدا، وللإشارة فإنَّ السلم المجتمعي والعلاقة بين الوطن والمواطنة هي من مقاصد الشريعة العليا، والإسلام دينُ الفطرة، جاء ليتمِّم مكارم الأخلاق، ومن ذلك حبُّ الأوطان والدفاع عنها، وعن قدسيتها وجغرافيتها، وحدودها ومقدساتها، وعِرضها وسُكانها.

وكان الإسلام سبَّاقا في التأكيد على قيمة الوطن، وإعلاء المواطنة، وأنَّ المسلم عليه واجبات تجاه وطنه، كما أنَّ للمواطن على وطنه حقوقًا. وقد دخلتْ لفظة الوطن الأدبيات الفقهية والشرعية والأصولية، قالَ الجرجاني: الوطنُ الأصليُّ: هومولِدُ الرجلِ والبلدُ الذي هو فيهِ. وقالَ ابنُ المباركِ: إنَّ مَنْ أقامَ في مدينةٍ أربعَ سنينَ فهو من أهلِها. وكلنا يتلو دُعَاءَ إبراهيمَ عليه السلام لمكةَ موطنِ ذريَّتِهِ: "ربَّنَا اِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ"، وعندما اضطر الرسول الأعظم لمغادرة مكة المكرمة إلى المدينة المنورة، وعندما بلغ حدودها وهو يرمقها بعينيه قال: "والله إنك لأحب البلاد إلي الله وأحب البلاد إلي، ولولا أن قومك أخرجوني منك ما خرجت"، وأعطت هجرته الشريفة درسا في تعلم الأجيال حب الوطن، والانتماء له والدفاع عنه، بكل غال ونفيس.

إنَّ للوطن فى أعناق أبنائه أمانةً يجب أنْ يُدافعوا عنها بكلِّ ما أوتوا من قوة وبأس، وواجب كل إنسان أن يحافظ على أمنه وسلامته، وشرع الجهاد في سبيل الله دِفاعا عن الدين والوطن، والأرض والعرض، ومن قتل في سبيل الدفاع عن وطنه كان شهيدا في سبيل الله، وشهداء الوطن هم شهداء في الأدبيات الربانية والمحمديات.

ومع بدايات الغارة الكبرى على ديننا وحضارتنا وأوطاننا، راجتْ ثقافة الاستهانة بالأوطان، وسادت لغة حمد وشكر الاستعمار ومُطالبته بالعودة إلى بلادنا؛ لأنَّ الاستقلال كان لعنة وليس نعمة، ومثل هذه الأدبيات تُصنع في غرف سوداء تتربَّص بأمتنا وقلاعها.. وقد انتشرت فتاوى لبعض المتطرفين تُنكر حب الأوطان، وتطالب بتدميرها بدلًا من الحفاظ على أمنها، ومن لا خير له في وطنه لا خير له في دينه، واذا كان التطور الحضاري الغربي لم يعرف المواطنة وحقوقها إلا بعد الثورة الفرنسيَّة في أواخر القرن الثامن عشر الميلادي، فإنَّ الإسلام جعل حبَّ الأوطان من الإيمان؛ لأنَّ الإسلام الحضاري يُقر الوفاء والاعتراف بالجميل. قال أبو حامد الغزالي: "والبشر يألَفُون أرضَهم على ما بها، ولو كانت قفرًا مستوحَشًا، وحبُّ الوطن غريزةٌ متأصِّلة في النفوس، تجعل الإنسانَ يستريح إلى البقاء فيه، ويحنُّ إليه إذا غاب عنه، ويدافع عنه إذا هُوجِم، ويَغضب له إذا انتقص".

والمساواة بين المواطنين، وهي مسألة إشكالية في الأدبيات الإسلامية، لأنَّ الخطاب الإسلامي يقسم التصنيف البشري إلى مسلمين وغير مسلمين (من أهل كتاب وآخرين). ومن بين مفردات هذا الفقه مُفردة إشكالية أيضاً تتعلق بمفهوم أهل الذمة، الذين كانوا يؤمَّنون في الإمبراطوريات الإسلامية السابقة في زمن العُثمانيين وغيرهم، لهم حقوق متفاوتة بين الجماعات والأفراد والرعايا.. هذه الإشكالية بالذات أحدثت سجالاً حادًّا حول انطباق مفهوم المواطنة الغربي على التشريعات الإسلامية السياسية، وكانت مورد اجتهادات عديدة خلال النصف الأخير من القرن العشرين، والمساواة الكاملة للمواطن لم تأخذ طريقها إلى الوجود مباشرة ودفعة واحدة حتى داخل التجربة الغربية.

والمواطنون مهما تنوَّعت دياناتهم أو مذاهبهم العقدية والدينية، مُتساوون في الحقوق والواجبات، ولا مكان في الدين الإسلامي "لتلك الأيديولوجيات التي تنشر ثقافة الصدام سواء بين الأفراد، كما هي التصورات العنصرية، أو بين الثقافات والحضارات، كما يروِّج لها منظِّرو الحروب الحضارية، بل إنَّ الإسلام يقر سُنَّة التنوع في الحياة؛ باعتبارها معطًى موضوعيًّا يقتضي إبداع وسائل من شأنها تعزيز التعايش والتواصل".

إنَّ كلمة "القسط" -على سبيل المثال- الواردة مرَّات عدة في القرآن، تتسع لتشمل كلَّ ضروب التعامل الحسن مع غير المسلمين، بغض النظر عن الانتماء الديني والاجتماعي والثقافي؛ فالأمر بالقسط موجَّه إلى المسلم في الخطاب القرآني؛ باعتباره ميزانا للتعامل مع الآخر لا مع المسلم فحسب، فإذا كان الإسلام دعوة عالمية، فيجب من ثمَّ وضع مُفرداته وأدبياته في سياق عالمي دون الاقتصار على التفسير المحلي الذي يحول عالم الإسلام إلى قوقعة مُغلقة، كما يفعل المتطرفون والمتشددون اليوم، والذين يسعون إلى تحويل الإسلام إلى ديانة طائفية.

ويرتبطُ بمفهوم القسط مفهوم آخر هو العدل، الذي يتكرر في آيات عدة، فتفعيل قيمة العدل "معيار ضروري لتجنب الاشتباه الذي قد يكون نتيجة لخلافات أو نزاعات بين المسلمين وغيرهم من المعتقدات الأخرى، حتى لا يتم الانحياز إلى من هم من نفس معتقد الحاكم أو القاضي".

اشترك في حسابنا على يوتيوب لمشاهدة فيديوهات لأهم الأحداث العالمية والإقليمية