الأحد, 18 نوفمبر 2018

مقال : إلى جنات الخلد يا جهاد

الثلاثاء 11 سبتمبر 2018 07:26 م بتوقيت مسقط

حمود الطوقي

لم ألتقِ به، ولم أحظَ بالجلوس معه، لكنني كنت مِثل المئات من مُحبيه، أتابع أخباره وأحواله فترة مرضه، كان شقيقه وصديقي حمد آل حفيظ يُطلعنا عن أخباره، وكلما تحسَّنت صِحته كُنَّا نرفع الأكف، داعينَ الله أن يُمتِّعه بالصحة والعافية، رغم أنَّي لم ألتقِ به قط إلا أنَّ سُمعته وأخلاقه العالية كانت جديرة بأن تجعلك تحترمه وتقدِّره، نعم هذه هي الحقيقة التي عرفتها بعد أن ودَّعنَا تاركًا هذه الدنيا بما فيها ومن فيها، ليبكي على فراقه المئات ممن عرفُوه عن قرب.

"نعم، انتقل إلى رحمة الله، أخي جهاد آل حفيظ، ادعُ له بالرحمة والمغفرة".. هذه هي الرسالة التي وصلتني من شقيقه وصديقي حمد، يُبلغني فيها وفاة أخيه جهاد، بعد رحلة عناء قضاها مُتنقلا باحثا عن علاج بين عُمان والهند وتايلند، إلا أن مشيئة الله كانت الأسبق ليُفارِق الحياة في تايلند.. إنا لله وإنا إليه راجعون. وصلني اتصالٌ من صديقنا الأخ أحمد الحميدي، وتجمعني به صداقة مع شقيق المغفور له بإذن الله، وقال إنه سيتوجَّه إلى صلالة لتأدية واجب العزاء، وطلبتُ أن أكون برفقته، ومعنا صديقنا علي الخابوري.. في مطار صلالة كان مجموعة من الأخوة قادمين من مسقط لنفس الغرض.

اتَّجهنَا إلى مجلس العزاء؛ حيث نُصبت خيمة كبيرة أمام منزله في منطقة عُقود، الكل كان حزينا لفراق هذا الرمز العُماني، أحد الأخوة وهو يُعزِّي إخوته كان يتحدث ويعدِّد مناقبه وصفاته بشيء يجعلك تحب هذا الرجل، وتتمنى أن لو التقيت به في حياته. قال لنا إنَّ الراحل كان شخصية مباركة، نظرا للكرامات التي يتحلَّى بها، كان تاجرا يتَّصف بصفة التجار الذين ذكرهم رسول الله في أحاديثه، وعدَّد لنا صفات عديدة هي نفس الصفات التي يتحلَّى بها أولياء الله الصالحين، من صفاته أنه كان يتألم في مرضه وكان يترك فراشه ليزور المرضى ويغرس فيهم الإيجابية والطمأنية، كان يستعد لاستقبال الموت بكل شجاعة، وكان يُطمئِن أولادَه أنَّ الحياة الحقيقية هي أن تترك الخير في دنياك وتلاقِي ربك وقد زرعت المحبة بين الناس. كان تاجرا مبدعا، ويعرف عن فنون ولغة التجارة الشيء الكثير، فقد تربَّى على هذه المهنة وتعلم فنونها من والده ليغرس هذا النبت الأصيل في بقية إخوانه.

كان همُّه أن يرى التجارة في عُمان بيد أبناء عُمان، وكان يأخذ على خاطره عندما يرى الوافدين يُمسكون زمام التجارة بالغش والخداع.

توسَّع في تجارته، وأصبحت محلاته تتوسَّع، وتشهد إقبالا من قبل المستهلكين، كان يُبلغ إخوانه أنَّ هامش الربح لا يزيد على 10 و15%، في وقت تضع فيه المحلات الأخرى هامش ربح 300%.

انتشر خبر وفاته بسرعة البرق، حتى إنَّ الطبيب البوذي الذي كان يُشرف على علاجه بكَى كثيرًا، وقال لأهله لم أبكِ على فراق مريض عالجته، وأشعر أنَّني افتقدُ شيئا ثمينًا. بعد وفاته، نصعت أوراق الخير للرجل؛ حيث كان الراحل جهاد آل حفيظ -رحمه الله- يرعى عوائل عديدة في اليمن، ويقدم مُساعدات لأسر عديدة، وأشار إليَّ أحد الأخوة في مجلس عزاء إلى أنَّ هؤلاء التجار أتوا من الصين لتقديم واجب العزاء، وهؤلاء أخوة وأصدقاء من دول مجلس التعاون الخليجي، ومن مُختلف المناطق العمانية، جاءوا لتقديم واجب العزاء.

نعم.. رحل وانتقل إلى جوار ربه، وترك فراغا كبيرا، ستسده سيرته الطيبة التي تغنَّى بها الشعراء. رحل وكله أمل في أن يمضِي أبناؤه وإخوته على نهجه وسيرته، رحمه الله وأسكنه فسيح جناته مع الأنبياء والصالحين.