الثلاثاء, 20 نوفمبر 2018

مكتبة "القرويين" المغربية من بين أفضل 100 وجهة سياحية في العالم

الثلاثاء 04 سبتمبر 2018 08:33 ص بتوقيت مسقط

مكتبة القرويين (2)
مكتبة القرويين (3)
مكتبة القرويين (4)
مكتبة القرويين (5)
مكتبة القرويين (2)

 

الطاهر الطويل - المغرب

صنفت مجلة "تايم"* الأمريكية مكتبة "القرويين" المغربية من ضمن أعظم 100 مكان في العالم يستحق الزيارة خلال العام 2018م، وذلك بالنّظر إلى قيمة تلك المكتبة التاريخية والمعرفية ورمزيّتها الحضارية. وبالفعل، فهي تُعَـدّ أحد الفضاءات المهمة التي يقصدها الزائر الوافد على مدينة فاس من داخل المغرب أو خارجه، بجانب المعالم التاريخية الأخرى التي تزخر بها المدينة العتيقة للمدينة الموسومة بــ"العاصمة العلمية للمغرب".
تتبدّى "مكتبة القرويين" كإحدى المنارات العلمية الشّامخة التي بقيتْ أبوابها مُشرعةً، منذ تأسيسها منذ سبعة قرون ونيف، في وجه كل الراغبين في النهل ممّا تحفل به من كتب متنوعة ومخطوطات نفيسة. إنها أشهر المكتبات المغربية، كما تعدّ واحدة من بين أقدم وأكبر المكتبات العامة في العالم الإسلامي، إذ ظلّت نشيطة مؤدّية لخدماتها العلمية من تأسيسها إلى اليوم. وارتبطت هذه المكتبة، منذ تأسيسها سنة 750هـ / 1350م، بـ"جامع القرويين" الذي احتضن كذلك "جامعة القرويين". وتسمية "القرويين" اللصيقة بالجامع والجامعة والمكتبة هي تحوير طفيف لكلمة "القيروانيين"، في إحالة على الوافدين على مدينة فاس من مدينة القيروان التونسية.
يقول المؤرخ المغربي الراحل عبد الهادي التازي: "إن مسجد قباء كان أول معاهد التعليم في المشرق، وإن أول قِبلة اختطّت بالشّمال الإفريقي كانت في القيروان، وتبعت كلاًّ من الأول والثاني مساجد انتشرت هنا وهناك كجامع الزيتونة بتونس، وجامع القرويين بالمغرب، وجامع الأزهر بمصر الخ... بيد أنّ هذه المساجد لم تظل باستمرار مراكز للتعليم، ففيها ما انتهت الدراسة فيه منذ وقت مبكر، وفيما ما انقطعت منه ردحاً من الزمان، لكنّ جامع القرويين بفاس تختصّ أولاً بأنها شيّدت في مدينة وضع حجرها الأساس لا برسم أن تكون بلداً تجارياً، أو مدينة صناعية، ولكن لتكون "دار علم وفقه"، وثانياً فإنّ العلماء والفقهاء هم الذين كانوا يشرفون على بنائها منذ اليوم الأول، وثالثاً فإن الدراسة فيها استمرت بصفة مطّردة منذ الفترات الأولى، ولم تتفكّك حلقاتها العلمية حتى في نفس الأعوام التي تمّت فيها أعمال الترميم والبناء. وحتى عندما اتّخذ المرابطون عاصمتهم بمدينة مراكش سنة 462 هـ ظلّت القرويين مركز إشعاع علمي، وظلّ قضاة العاصمة الجديدة يبعثون بأبنائهم للتزوّد من معينها، الأمر الذي لم تتخلّ عنه أيضاً الأصقاع الجنوبية ومدن الساحل الشمالي. فإذا عرفنا ـ إلى جانب هذا ـ أن جامعة بولونيا (بإيطاليا) أسست سنة 1119م، وجامعة أكسفورد (بإنجلترا) سنة 1229م، وجامعة السوربون (بفرنسا) سنة 1957م، إذا عرفنا كل ذلك قدّرنا ـ إذنْ ـ ما قاله بعض الأساتذة والمستشرقين من أن أقدم كلية في العالم ليست في أوربا كما كان يُظَنّ، بل في إفريقيا في مدينة فاس عاصمة المغرب." (كتاب: 11 قرنا في جامعة القرويين لعبد الهادي التازي) وقد أكدت موسوعة "غينيس" للأرقام القياسية هذا المعطى، حيث أشارت إلى أن جامعة القرويين هي أقدم جامعة في العالم مازالت تحتضن الدراسات الأكاديمية، وأنها بنيت سنة 859م.
ونقلت مصادر تاريخية أن ملك قشتالة "سانشو ابن ألفونسو العاشر" لمّا وفد على السلطان المغربي "يعقوب المنصور المريني" بمناسبة الهدنة التي وقعت بينهما يوم 21 أكتوبر 1285م، فرض عليه أن يبعث إليه بما يجد في بلاده بأيدي النصارى واليهود من كُتب المسلمين ومصاحفهم، فبعث إليه منها ثلاثة عشر حملاً فيها جملة من الكتب، ككتاب الله العزيز وتفسير ابن عطية والثعلبي، ومنها كتب الحديث وشروحها وكتب الأصول والفروع واللغة والأدب وغيرها. فأمر السلطان يعقوب بها، فحملت إلى مدينة فاس، فحبسها على طلبة العلم في مدرسة "الصفارين" التي كان بناها بجوار "القرويين".
ومن المعلوم أن كثيراً من مكتبات المدارس والمساجد الأخرى في فاس قد جُمعت في ما بعد، وحوّلت إلى مكتبة جامع "القرويين" بعد تأسيسها على يد السلطان ابن عنان المريني، لإغنائها بالتدريج من جهة، ولتجميع ما تفرّق من أجل خدمة العلم والعلماء والباحثين من جهة أخرى، لتكون هذه الخزانة الملاصقة لجامع القرويين المشعّ رافداً علمياً له على الدوام.
يمكن اعتبار مبادرة السلطان يعقوب أول خطوة لتأسيس خزانة (مكتبة) علمية خاصة بالطلبة. واكتمل هذا المشروع على صورته النهائية مع أبي عنان، الذي بمجرد وصوله إلى الحكم عام 750 هـ/ 1350م، قام بإنشاء خزانة علمية متخصصة بالقرويين وخزانة أخرى بالمصاحف. لقد حبس السلطان على الخزانة العلمية رصيدا هاما من المخطوطات والمؤلفات، وعيّن عليها قيّماً من العلماء، ليسهر على تدبير شؤونها وصيانة ذخائرها وكنوزها من الكتب؛ ووضع نظاماً صارما لتدبير الاستفادة من كُتبها.
وخلال حكم "السعديين"، قام السلطان أحمد المنصور (المتوفى بمدينة فاس عام 1012هـ) بتوسعة مكتبة جامع القرويين، وجعل بابها داخل مقصورة إمام وخطيب القرويين بقرب باب محرابه، بحيث لا يجد قاصدها مسلكاً إلا بعد فتح المقصورة. وباب المكتبة مغشى بالنحاس الأصفر في صنع عجيب، وبأقفال أربعة  وعليها أربعة عدول، كل مفتاح قُفل بيد عَدْلٍ، نُصّب لذلك من قبل القاضي، بحيث لا تفتح إلا بمحضر العدول الأربعة ولا تغلق إلا بهم، وفتحها معين في صباح يوم كل خميس لمُريد الاستفادة من العلماء والطلبة والأخذ والرد، وكتبهم شهادتهم عليه بذلك في الكناش الموضوع لذلك. وأضاف المنصور الكثير من الكتب الهامة والمجلدات العظيمة إلى الأحباس، ولا تزال طغراؤه إلى الآن مكتوبة على كثير من مجلداتها. ولما آلَ الأمر إلى السلاطين "العلويين" اعتنوا هم أيضا بمكتبة القرويين وأمروا بتجديد ما اندثر منها وإصلاح ما افتقر إلى الإصلاح وأوقفوا عليها كتباً عديدة
لقد عُني بنظام مكتبة القرويين منذ البداية، وارتكز على وظيفة القـيّـم، وهي وظيفة اعتاد السلاطين أن يكلفوا بها في مكتباتهم أقرب العلماء إليهم وأدراهم بهذه المهمة. كما كانوا يكلفون قاضيا بالسهر على شؤون المكتبة، فيقوم القاضي في بعض الأحيان بحيازة الكتب بدل القـيـّم.
وشهدت المكتبة على مر القرون العديد من عمليات الترميم والتوسيع والإصلاح والتحديث، آخرها إحداث مختبر خاص بترميم المخطوطات، ورقمنة محتويات الكتابة وفهارسها في الحاسوب الآلي.
وتضم المكتبة نفائس ثمينة من المخطوطات ورصيدا من الوثائق النادرة، وتتوفر على العديد من المصاحف والتفاسير وكتب الفقه والحديث والأصول، إلى جانب مخطوطات تشمل عدة تخصصات منها الطب والرياضيات والجبر وعلوم الفلك والفلسفة والشعر والأدب والتاريخ والسير والرحلات وغيرها من الفنون. ويرجع هذا التنوع إلى أن تلك المخطوطات كانت بمثابة الكتب المدرسية التي تدرس بجامعة القرويين في مختلف العلوم والمعارف، حيث كان طلاب الجامعة يعتمدونها في مناهج تكوينهم.
وتتوفر المكتبة على حوالي 4000 مخطوط مفهرسة بطريقة إلكترونية علمية وحديثة، وهي فهرسة دقيقة وشاملة، تهدف بالأساس إلى تسهيل عملية البحث على الطلبة والباحثين الذين يقصدون الخزانة لإنجاز أبحاثهم ودراساتهم. وتعود قيمة هذه المخطوطات لقِـدَمها أو ندرتها أو خط ناسخها وكاتب هوامشها أو لشخصية من أمر بكتابتها.
هامش:
http://time.com/collection/worlds-greatest-places-2018/