الخميس, 15 نوفمبر 2018

مقال : متزوجة..!

الأحد 05 أغسطس 2018 06:34 م بتوقيت مسقط

 

محمد بن رضا اللواتي

 

ما هي مخاوف مديري الموارد البشرية عندما يتلقون سيرة ذاتية تُشير فيها صاحبتها إلى أنَّها "متزوجة"! أو، ما الذي يدور في خلدهم عندما تقول لهم فتاة تخرَّجت منذ عام بأداء أكاديمي عالٍ، إلا أنها لم تلتحق بأية برنامج تدريبي أو عمل مؤقت بُحجة أنها قد "تزوجت"!

والمديرون يبحثون هذه الأيام عن المهارات الحياتية Soft Skills بالدرجة الأولى، ولا تُقنعهم المعدلات التراكمية الأكاديمية كثيرا. وأهم تلك المهارات الحياتية – كما أشار إليها جماعة من أعضاء مجموعة "مجتمع الموارد البشرية" وهي مجموعة متميزة تتواجد على تطبيق WhatsApp تضم مديرين وعاملين في أقسام الموارد البشرية في مُختلف مؤسسات السلطنة – هي: الكفاءات السلوكية، ومهارات التحليل والقابلية للتعلم. 

إضافة إلى ما مر:

مهارات العمل الجماعي، والمقدرة على الانخراط مع الفريق لبلوغ الأهداف، وأخيرًا لا آخرا، يأتي الطموح والإحساس بالفرص، ومهارات الابتكار والإبداع.

ولنعد مجددا إلى السؤال الذي طرحناه في صدر المقال بعد إعادة صياغته ليكون كالتالي:

"هل يُمكن عد الزواج مشروعًا يضع بين يدي المتزوجة حزمة من المهارات التي تتمكن منها ليس فحسب نظريا وإنما بالممارسة الحقيقية"؟

وجهتا نظر يتبناهما مديرو الموارد البشرية، كل بحسب الزاوية التي ينظر منها إلى الأمر.

فوجهة نظر، ولنسميها بالسلبية، ترى أنَّ المتزوجة هاجسها الأول والأخير بيتها، وبيئة العمل دفعت الظروف المعيشية بها إليها اضطرارا، فهي تنظر بين الفينة والأخرى إلى ساعتها لترى كم بقي من الوقت لتقضيه بعيدًا عن منزلها، وإنشغالها بالرسائل القصيرة والطويلة لا يتوقف إلى طباختها أو إلى زوجها أو أفراد آخرين في مُحيط أسرتها.

إنها تمتلك مهارات هامة، إلا أنَّ مصبها هو منزلها، ويعمل البُعد العاطفي القهري بربطها نفسياً ببيتها، فكم من المرات يكون ذهنها مشغولاً في شؤون الأسرة لاسيما إن كان ثمة تحديات تواجهها، وما أكثرها في هذا العصر، فالمدرسة والصحة والمرض والاختلافات التي تتحول سريعًا ما إلى خلافات، كل هذه تقف حجر عثرة في سبيل انصهارها في بوتقة العمل.

لا خلاف بأنَّ الزواج تجربة تؤسس لروح الفريق الواحد، ليس الزوج فحسب هو من يتطلب فيه الاندماج، وإنما أسرته وعائلته، عاداته، وأسلوب حياته، نمط أفكاره وطريقة تفكيره وطراز عمله وسلوكه. كم من مهارة يتم اكتسابها في إدارة مشروع الزواج!

وفي الواقع، فإنَّه منذ لحظة اختيار التوقيت للزواج، تمر مجموعة من الأعمال التي تتطلب التنفيذ بدافع من طموح مذهل لحياة جديدة، وبمقدار عالٍ من الصبر، فاختيار المنزل، برعاية حجم الميزانية المتاحة، وإدارة القرض الملزم لتكملة المشروع بنجاح، واختيار الأثاث برعاية ذوق الآخر، وقاعة الحفل، والمدعوين، واختيار نمط البطاقة، والديكور والتصوير والبدلة وتفاصيل أخرى دقيقة، تطابق وتتجاوز حتى شعار "نهتم بالتفاصيل"، هذه المهام برمتها تقع في خطوة ما قبل الانصهار في المشروع، وهي أروع أشكال التواصل والاتصال.

أما إذا أضفنا إلى ذلك إدارة المنزل، والالتفات إلى ذوق الشريك، وإدارة الوقت، ثم خوض تجربة الحمل والولادة والتربية والتي تقتضي سكباً لحنان بمقدار ممارسة حازمة، مع طموح للتوفير لبلوغ أهداف كُبرى من نوع تقديم التعليم الأفضل للطفل، وإصرار على إبقاء هذه التجربة حية ناجحة باقية مدى العُمر، هذه التجارب تستطيع رفد عناصر تكاد تضم كل ما جاء ذكره من المهارات التي لابد وأن تتوفر في المتقدمة للوظيفة، يريدها مديرو التوظيف ويبحثون عنها، بما فيها الابتكار والإبداع.

لا خلاف في ذلك، وإنما الخلاف هو حول مدى استطاعة "المتزوجة" أن تستغل بعض تلك المكتسبات الثمينة في سبيل تطوير الأداء العملي والتنمية ببيئة العمل بالانخراط فيها بشكل إيجابي.

تُقابل الرؤية تلك، أخرى يُمكن أن نطلق عليها الإيجابية، ترى أن "التفاني" الذي تتعامل معه المرأة في أي شأن تخوض فيه، جوهرة ثمينة تتميز بها "المتزوجة" منها عن غيرها بشكل صارخ ذلك لخوضها لتجارب تجعل هذا العامل – أي التفاني – من مميزات شخصيتها، وهي تكاد أن تتفوق فيه حتى على الرجل نفسه.

كم من امرأة متزوجة صاحبة إنجازات مذهلة، وكم منهن طبيبات، ومهندسات، ومستشارات في مُختلف الحقول، فإن صحت الرؤية السلبية المارة الذكر عنها لما استطاعت أن تستقر وتبدع في بيئات عمل تتطلب تركيزا عاليا وتفانيا مذهلا كالطب ومثيلاته.

لا تخلو الحياة المنزلية من شتى التحديات، إلا أنها ما وقفت حائلاً في وجه المرأة لتبدع وتنتج وتبتكر، فهذه النظرة الإيجابية تتبنى أن Multi Tasks لابد وأن تتفوق المرأة فيه على الرجل لأنها الأوحد بينهما في بُعد الحمل والولادة والتربية، ويرى أصحاب هذا الاتجاه أن عبارة "متزوجة" في السيرة الذاتية مؤشر جاذب جدًا لهم لاختيار المتقدمة للوظيفة، كما وأن عذر "تزوجتُ" بالنسبة للتي قضت فترة في المنزل بعد التخرج بلا خوض تجربة عمل مؤقتة أو تدريب، هو ليس بعذر بل إعلام عن خوض المتقدمة للوظيفة تجربة وضعت في يديها مهارات ضرورية لنجاح العمل.

رسالة هذه المقالة تحترم وجهتي النظر المارتين، وتقترح التأني وابتكار اختبارات غير التي نعهدها، تكشف لنا نحن مديرو دوائر الموارد البشرية المقدار الذي تستطيع المتقدمة للوظيفة "المتزوجة" تحديدًا، أن تنخرط بمهاراتها المتنوعة في بيئة العمل بشكل إيجابي.

نرى أن وجود عبارة "متزوجة" ليست بالتي ينبغي دائمًا أن تدعو إلى توهين الطلب، بل إن من المحللين النفسيين من يرى أن ثمة مهارات، من قبيل فهم الذات والتعبير عنها، وتقبل الآخر، وبناء الثقة وتفعيل الذكاء العاطفي والاجتماعي، وحسن الظن وضبط الأعصاب، والشعور بالاستقرار، ومُراجعة الذات وكسب سمات جديدة وتفعيلها، هذه كلها – وهي قلما يلتفت إلى أهميتها - تعمل تجربة الزواج على تقويتها بشكل لافت جدًا، ولعلها التجربة الوحيدة، التي بمقدورها تفعيل هذه المهارات بمقدار عال من النجاح.

[email protected]