الخَالق وحُرية الإرادة البشرية:

تأملات فلسفية في الأسماء الحُسنى والصفات العُليا (10)



محمد بن رضا اللواتي - مسقط


لقد اطلع القارئ في ما مضى من الحلقات على "فلسفة وجودية" غير التي يعرفها الغرب، فهناك تكاد الوجودية أن تكون محصورة في المادة فحسب(1)، ما أسبب في اعتناق جمع من مفكريها الإلحاد، في حين أن "أصالة الوجود بالطرح العالي الذي يقدمه الشيرازي في فلسفة الوجود الأصيل الذي يبدأ أعلى مراتبه حيث الله إلى أدنى مراتبه"(2) وجودية ليست فحسب تجعل من البرهنة على وجود الله تغدو أقرب إلى التنبيه منه إلى برهان لشدة وضوحها، وإنما تجعل إكتشاف الوجود الأصيل الذي يساوق الغنى والوجوب، لا يقبل الشك أو التردد أصلا(3).
تُعيد هذه الرؤية مسألة الوجود المتعالي إلى إطار البداهة، وكان الغرب قد مل من إنتظار دليل إنطولوجي واحد لا يكتنفه شك، إلى أن صاح "نيتشه" يقول في كتابه "هكذا تكلم زرادشت" بأننا "لا نريد سوى ملكوت الأرض، أما الله فلقد قتلناه، أنا وأنتم قتلناه، ألا تشمون رائحة العفن الإلهي؟ الآلهة أيضا تتعفن، لقد مات الله وسيظل ميتا"(4).
لدينا الآن نسق وجودي فريد، حيث الوجود بمراتبه المتفاوتة شدة وضعفا كالنور، أشده على الإطلاق ذلك الذي يساوق الوجوب والغنى والكمال الذي هو فوق ما لا يتناهى، بما لا يتناهى، مُدة وعُدة وشدة، إلى أسفل درجاته المتناهية في الضعف، والتي لا قوام لها إلا بمرتبته العُليا. وبحسب "بدر": "أصالة الوجود ومراتبه الأنطولوجية الكثيرة التي تتفاوت شدة وضعفا من حيث قُربها وبُعدها من الوجود الواحد ذو الوحدة الحقيقية، نجد أنها لا تنفك في كل مراتبها الطولية النازلة عن منبعها المُطلق في تمام إطلاقيته"(5).
فإذن، كل ما سواه متعلق فقرا بالساحة الإلهية، لا أنه تعرض للفقر، بل أن هويته ليست إلا الفقر، فاحتياجه إلى الوجود الغني لا يزول بتاتا(6). فإذا كانت الخالقية بهذا النحو من الاطلاقية وشدة الوجود، ولا تتوقف عن الإفاضة بتاتا "كل يوم هو في شأن"، والكل مرتبط بها حدوثا وبقاء(7)، فأين مهرب أفعال الفواعل الأخرى عن فاعلية الخالق المتعالي؟
اشتغل الفكر شرقا وغربا لاكتشاف حل لهذه المسألة، ففي الغرب، ينقل لنا "الديناني" الجهود المضنية التي بذلها الفيلسوف "ديكارت" لحل إشكالية علاقة الروح "الأجنبي" وتأثيره في البدن "الأجنبي عنه تماما"، فلقد وجد أن كل الأبواب مصفدة أمام الحل، فما كان منه إلا وأن أرجع سر مقدرة الروح على التأثير في البدن المختلف عنه كُليا، أرجعه إلى فعل "الله" وقال أن "روح الله" هي التي تحرك البدن!
ويستمر "الديناني" شارحا مآل هذه الإشكالية والتي انتهت به إلى مخاض عسير وهو "الجبر" فقال:
"في كتيب بعنوان "رسالة الفيلسوف إلى الديكارتيين" المطبوع عام 1672 للميلاد، ورد في فقرة 32 أن جميع أتباع ديكارت يتفقون على أن علة الحركة هو الله فقط. ثم جاء بعد ذلك مالبرانش الذي سعى لعضد النتيجة المارة بأدلة جديدة(8)".
الحق لو أمكن ملاحقة تيار "الجبر" في الفكر الفلسفي الغربي ورصده لكان الفرز مذهلا للغاية، وليست وجودية "سارتر" الملحدة ببعيدة، فلقد ردد أصداء موت الإله، وأعلن بأن الإنسان بات حُرا، وحريته قامت على أنقاض الحرية الإلهية(9).
ولنرجع إلى أزمة الفكر الديني مع "الجبر"، فالخطاب الفلسفي يؤصل عدم فكاك ما سوى وجوب الوجود عنه، فهو يبرهن على الإطلاقية الإلهية بكل صفاتها بما فيها "الخالقية"، ويبرهن على فناء وفقر ما سواه محضا إليه(10)، "يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد"، فكيف يمكن تصور وجود مشيئتان: "وما تشاؤون إلا أن يشاء الله"؟ فرغم أن الأولى مهيمنة تماما على الثانية، فكيف والحال هذا، تظل الثانية "مشيئة"؟
لنعد إلى "أصالة الوجود" مجددا، فبعد أن رسمت لنا مراتبا متعددة للوجود، تتفاوت في الشدة والضعف، إنبثق عنها ما يُطلق عليها "بالسلسلة الطولية(11)" للفواعل، ولنوضح ذلك للقارئ بهذه الأمثلة:
يعمل البستاني في الحقل لأجل أن ينمو الزرع، وتأثيره هذا لا يستطيع أن يحل محل تأثير "السماد"، كما ولا يحل تأثيرهما تأثير الشمس ودورها في العملية، كل واحد منهم يعمل في "عرض" الآخر، بحيث أن كل واحد منهم يؤدي دورا محددا ليس له تأثير على دور الآخر. هذه هي السلسلة "العرضية" للفواعل. أؤلئك الذين ذهبوا إلى أن تأثير صفة "الخالقية" يزول تماما عن المخلوقات بعد "خلقها" وضعوا تأثير الخالق في عرض تأثير الفواعل الأخرى، نشأ عنه تقطع أوصال العلاقة بينهما، فانعزل الخالق بتأثيره عن بقية الفواعل كما ينعزل تأثير البستاني عن تأثير الشمس في الزرع.
إلا أن الأمر ليس هكذا، فالخالق وبناء على القواعد العقلية التي بلغناها من خلال التأملات الفلسفية الفائتة، تصور عزل تأثيره مُحال، وهو بتأثيره لا يقع في السلسلة العرضية للفواعل الأخرى، وإنما في السلسلة "الطولية"، "ومن الواضح لا تدافع بين استناد الفعل الى الفاعل الواجب بالذات والفاعل الذي هو موضوعه كالالنسان مثلا، فإن الفاعلية طولية لا عرضية(12)".
في السلسلة "الطولية" يتخذ وجوب الوجود موقعه في أعلى السلسلة، محياطا بذلك بسائر الفعليات التي تقع دونه، والفواعل النازلة في مراتب الوجود الدانية رغم أنها تنتج تأثيرها فيما حولها، إلا أنها تظل في وجودها وبقائها رهينة للخالقية الألهية. وعندما يطال التاثير تمام الوجود المتأثر بحيث يمنحه الحياة والبقاء والدوام، فمن المحتم أن ينال حتى أفعال ذلك الوجود المتأثر، دون أن يفقدها علاقتها المباشرة بأفعالها، إذ تبقى منتسبة إليها بنسبة حقيقية، مع إنتسابها في وجودها وبقائها إلى الخالقية الإلهية.
وبتعبير الطباطبائي: "الوجوب الغيري منته إلى الواجب بالذات، فهو العلة الأولى للفعل، والعلة الأولى علة للمعلول الأخير، لأن علة علة الشيء علة لذلك الشيء(13)".
ويشرح فيلسوف معاصر الفقرة المارة فيقول:
"الفعل معلول للإنسان، والانسان معلول لله، ومعلول المعلول معلول لعلته، ففعل الانسان معلول وفعل لله أيضا. وبعبارة أخرى: إرادته تعالى تعلقت بوجود الإنسان بشؤونه كلها، ومن تلك الشؤون إرادته وإختياره، وإرادة الانسان تتعلق بفعله، ففعله متعلق بإرادة الله، بواسطة إرادته التي هي شؤون وجوده. وحيث كانت الإرادتين في طول الأخرى، لم يمتنع إستناد الفعل إليهما، بخلاف ما لو كانتا مجتمعتين في عرض واحد(14)".
الأمر يشبه العديد جدا من الفعاليات التي تحيط بنا، فلو نفع الدواء في معالجة التوعك لنسبنا ذلك الى الطبيب وقلنا بأنه كان حاذقا فلقد تعافينا، "داويته فشفاه الله"، دون أن ننكر تأثير الدواء المباشر في شفائنا، وإن لم يعجبنا شكل البناء للألقينا باللوم على المهندس، رغم أنه لم يكن ضمن فريق البناء، وهكذا ننسب أفعال الرسوم المتحركة إلى فواعلها الصورية، دون أن ننكر أن وجودها مستمد تماما من فريق الإعداد، كالرسام وكاتب القصة وبقية الكادر التقني.
فهذا النص مثلا:
"لا تنسى يا باريس أنك في حضرة فينوس. وأقولها لك مرة أخرى، إن الآلهة لا تكذب. أجل أنت ابن بريام ملك طروادة(15)".
فالمتحدثة هنا هي "فينوس" والمستمع المذهول هو "باريس"، ولكن وجود "فينوس" و "باريس" بكل حركاتهما وسكناتهما راجع محضا إلى "هوميروس" مؤلف رواية "الإلياذة"، ومع هذا، لا يمكن لأحد أن يقول بأن المتحدث كان "هوميروس" نفسه! فالنسبة محفوظة للفواعل كلها بالنحو المناسب.
ولعل المثال التالي يقربنا إلى تخيل المسألة بشكل أفضل:
فعندما نوجد في أذهانا بشرا، ثم نوجد له فاعلية ما، كأن يذهب إلى السوق ويشتري ويبيع، ويأكل ويشرب وينام، ثم إن تساءلنا لمن ترجع وتنتسب هذه الأفعال؟ الإجابة حتما ستكون للكائن الذهني الذي أوجدته مخيلتنا، إلا أن لهذه الأفعال أيضا نسبة حقيقية إلى أذهاننا التي منحت الكائن الذهني وجوده وفاعليته. هذا الانتساب لتلك الأفعال إلى مخيلتنا جاء في طول نسبتها إلى الكائن الذهني لذا لم يقع التزاحم بينهما ولم تلغي هذه تلك.
المحصلة: كل فعل في دار التحقق، فله جهتان، جهة ثبوت ووجود، وهذه تتحقق بالتعلق الفقري بالخالقية الإلهية، والجهة التي بها تنتسب إلى فاعلها المباشر(16).
بذلك تعود الحُرية والارادة الإنسانية لتتألق مجددا، بعد أن جعلتها مجموعة من التصورات الفكرية في شرق العالم وغربه حبيسة الإرادة الإلهية بالنحو الذي تُتلفها، ولما لم يكن ممكنا نزعها عنها، انبثق في الشرق تيار يعزل الخالق عن أداء دوره، وآخر يلغي للفواعل دورها المشهود في أرجاء الوجود، وإرتفع في الغرب نداء يقول بموت الإله وبالتالي موت إرادته، في حين إكتشف التأمل العميق في طبيعة الوجود بناء على أصالته، مراتبا طولية له، وبذلك قدم حلا لذلك اللغز دون أن يضحي بأثر الفواعل فيلغيها، ولا يضطر إلى تعطيل صفة الخالقية في الوجود الواجبي، ولعله إلى هذا تشير الكلمة "لاجبر ولا تفويض وإنما أمر بين أمرين(17)".
..........................
المصادر:
(1)    ماكوري، جون: الوجودية. ترجمة: إمام عبد الفتاح إمام. مراجعة فؤاد زكريا. ص89
(2)    الشلبي، عبد الكريم: أصالة الوجود من مركزية الفكر الماهوي إلى مركزية الفكر الوجودي. ص193
(3)    الطباطبائي، محمد حسين: نص الحوار مع المستشرق الفرنسي هنري كوربان ص190. ترجمة: جواد علي كسار.
(4)    حنفي، حسن: الإلحاد. ضمن: الموسوعة الفلسفية العربية ص90. إعداد: معن زيادة.
(5)    بدر، عادل محمود: برهان الإمكان والوجوب بين إبن سينا وصدر الدين الشيرازي. دراسة نقدية مقارنة ص114
(6)    الطباطبائي، محمد حسين: نهاية الحكمة ج2ص8. صححها وعلق عليها عباس علي الزارعي
(7)    المصدر السابق ج2ص266.
(8)    الديناني، حسين الإبراهيمي: القواعد الفلسفية العامة في الفلسفة الإسلامية ج2ص129.
(9)    حنفي، حسن: الإلحاد. ضمن: الموسوعة الفلسفية العربية ص90. إعداد: معن زيادة.
(10)    الطباطبائي، محمد حسين: نهاية الحكمة ج1ص110. صححها وعلق عليها عباس
          علي الزارعي.
(11)    مطهري، مرتضى: بحوث معمقة في شرح المنظومة. ج3ص59. ترجمة: عمار أبو
          رغيف.
(12)    الطباطبائي، محمد حسين: نهاية الحكمة ج2ص267. صححها وعلق عليها عباس
         علي الزارعي.
(13)    الطباطبائي، محمد حسين: نهاية الحكمة ج2ص269. صححها وعلق عليها عباس
         علي الزارعي.
(14)    الطباطبائي، محمد حسين: نهاية الحكمة ج2ص347. علق عليها محمد تقي
          المصباح.
(15)    هوميروس: الإلياذة. ص26. ترجمة: دريني خشبة.
(16)    الطباطبائي، محمد حسين: الميزان في تفسير القرآن ج1ص101
(17)    الكناني، علي: الفلسفة وعلم الكلام في مدرسة الحكمة المتعالية: آراء الفيض الكاشاني
          الفلسفية والكلامية ص263

 

 

 

تعليق عبر الفيس بوك