الثلاثاء, 21 أغسطس 2018

الخَالق وسِعة القُدرة:

تأملات فلسفية في الأسماء الحُسنى والصفات العُليا(8)

الأربعاء 13 يونيو 2018 09:31 ص بتوقيت مسقط

تأملات فلسفية في الأسماء الحُسنى والصفات العُليا(8)




محمد بن رضا اللواتي - مسقط

"إن بومة منيرفا لا تبدأ بالطيران إلا بعد أن يرخي الليل سدوله"! بهذه العبارة صدر "هيجل" كتابه "فلسفة الحق"، وهو يعني بالبومة "الحِكمة"، وكذلك "منيرفا" التي كانت آلهة الحِكمة عند الرومان، ويكاد شراحه أن يجمعوا أنه أراد بهذا الترميز أن يقول أنه وعندما تشتد الحلكة ونفتقد إلى بصيص نور، عندها لندع الحكمة، أي الفلسفة، تتحرك، فإنها سوف تكفل لنا إدارة الأزمة بنجاح.
لندع إذن "منيرفا" تُحلق، وما أشبه هذه الأيام بأيام "هيجل" التي أطلق فيها "بومة الحكمة" لأول مرة، متمثلة في الرؤى الفلسفية التي اعتنقها، فلقد كانت تُخيم عليها أجواء الحروب، كما هو الحال هاهنا هذه الأيام، فمجالس الحرب كثيرا ما تُعقد، والولايات المتحدة منهمكة في الاعداد "لصفقة القرن" المشبوهة، حيث أعداء جُدد يُخلقون، وبلدانا تُهتك وتُباع، وبلدا أعزل يُدمر، وشعبا بكامله يُشرد!
وأولى محطات "منيرفا" لا بد وأن تكون محطة "وجوب الوجود"، نعيد التأمل الفلسفي في طبيعته بالاتكاء على قاعدة "أصالة الوجود" التي أوقعت –بحسب "هاني" – إنقلابا في تاريخ الانطولوجيا برمته من الماهية إلى الوجود(1)، مؤدية –بحسب "الشلبي" – إلى ثورة فلسفية عميقة، قلبت القاعدة الماهوية المتمكنة بعمق في التراث الفلسفي السابق محدثة بذلك تغييرا في العديد من المخاضات الفلسفية (2).
ومن تلك المخاضات، المعضلات الفلسفية التي ظلت عالقة فترة طويلة من الزمن بلا أجوبة، يقول "حلباوي": "تظهر أهمية القول بأصالة الوجود من خلال الدور الذي اضطلعت به على صعيد الفلسفة والآثار التي تركتها على بنية المسائل الفلسفية وفي دفع الاشكالات وحل المعضلات الفلسفية الكُبرى"(3).
ويضيف أن الانطلاق من قاعدة "أصالة الوجود" خروج من الكثرة التي تقبع فيها كل المشاكل والتي عجز العقل عن حلها، "ما أوقع الكثير من الفلاسفة في شبهات(4)".
بهذه الأداة، أعني أداة "أصالة الوجود"، عندما نعيد قراءة "وجوب الوجود" فلسفيا، فسوف نُقرر في البدأ ومنذ اللحظة الأولى، أن حقيقة الوجود تساوي الكمال والاطلاق والغنى والشدة والفعلية والجلال والنورية(5)، ذلك لأن "الوجود بذاته يناقض العدم ويطارده فهو بذاته غير قابل لطرو العدم وحمله عليه فهو – الوجود - حقيقة واجب الوجود بالذات ومن جميع الجهات مستجمع لجميع صفات الكمال، منزه عن جميع صفات النقص"(6).
إذن، بدأنا رحلة التأمل الفلسفي على ضوء قاعدة "أصالة الوجود"، بدأناها من "الموجود"، الذي هو موضوع الفلسفة، وأقررنا "بواقعية الوجود" في الخطوة الأولى، نتج عنه أن "حقيقة الوجود أصيلة، وهي واجب الوجود، وإلا لكانت رهن غيرها، بينما ليس وراء الوجود شيء لكي ترتهن به حقيقته. حقيقة الوجود إذن تعادل الوجوب الذاتي، فهي عين الواقعية والاستقلال، ممتنعة عن العدم، فهي أزلية"(7).
المُعطى الذي خرجنا به من التأمل الفلسفي المار، يلغي تماما محاولة وضع حدود على إطلاقية القدرة الإلهية، مما يتضح فقدان الدقة في الرؤية التي قطعت أوصال الرابطة بين عالم المخلوقات وخالقها، في محاولة منها لفك نسبة الأفعال المشينة عن الساحة الإلهية، وأيضا لأجل إطلاق حرية الإنسان عن قيود هيمنة الفعل الإلهي عليها. لقد جانبت تلك الرؤية الصواب بتصورها أن فعل الإنسان بإمكانه أن "ينعزل" عن فعل "وجوب الوجود". وهذا المُعطى نفسه سوف يُحل لنا أزمة الحرية البشرية في حينه، ولكن الآن لنبقى مع ما يفرزه من نتيجة تتعلق بسقوط الحدود عن وجوب الوجود.
كذلك، لم يحالف التوفيق بعض فلاسفة الغرب الذين تصوروا الإله بقدرة محدودة، فبحسب "حنفي"، ذهب "جون ستيورات مل" و "شارل رينوفيه" و "وليم جيمس" بأن الرب قد يقف بجانب الإنسان في وقت الحاجة، إلا أنه ليس قادرا على كل شيء! و"مل" من بينهم ذهب إلى أن التصميم في العالم لا يدل على القدرة المطلقة بل القدرة المحدودة(8).
لنعُد إلى ما أنتجه المُعطى المار حول صرافة الوجود الإلهي وإطلاقيته، فلقد منحنا قاعدة فلسفية ذهبية مفادها أن "واجب الوجود بالذات واجب الوجود من جميع الجهات"(9)، ومعنى ذلك أن الخالق واجب الخالقية، وليس ممكن الخالقية، وواجب الفياضية، وواجب القدرة، ولا يتسلل "العدم" في أي من صفاته العُليا، وإذا سقطت الحدود العدمية بالمرة، وأضحى وجوب الوجود إطلاقيا، فمن المحال فرض جهة "إمكان" في مقام وجوب الوجود، كما ولا تتوارد عليه حالات منتظرة.
ذلك لأن "الإمكان" حالة "عدم إقتضاء الوجود"، وأيضا عدم "إقتضاء العدم"، فالموجود الذي لا يتصف بالوجود من ذاته، تظل حاجته إلى من يوجده ثابتة لا تزول بتاتا. وهذه صفة لا تتعلق بمقام الوجود الإطلاقي. يشرح الرئيس ابن سينا ذلك بقوله : "لا يصح أن يوجد الموجود المحتاج غير محتاج، كما لا يصح أن يوجد الموجود المستغني محتاجا"(10).
وكما أن الوجود الاطلاقي يظل إطلاقيا أبدا، كذلك الوجود الإمكاني الذي لا يحوي وجودا في أعماقه، لن ترتفع عنه حالته تلك، وبالتالي لن تزول فيه حاجته إلى موجد "حدوثا وبقاء(11)"، ذلك لأن "المقتضى الطبيعي للشيء لا يفارقه بتاتا"(12)، فوجوب الوجود، إطلاقي الوجود من كل الجهات، فلا حد لتأثيره، ولا حدود لخالقيته، كما وأن ممكن الوجود محتاج بشكل دائم للعلة، فهو يظل في احتياج مستمر للسبب حدوثا وبقاء، ولا مجال لأن تتغير هويته فالذاتي لا يُعلل(13).
رسونا من التحليلات الفلسفية المارة، إلى أنه "لا مؤثر في الوجود إلا واجب الوجود(14)"، وهذه الحقيقة يمكن بلوغها أيضا عبر طريق التحليل الفلسفي لمسألة غاية في الأهمية ولها علاقة حميمة بصفة "الخالقية"(15) الإلهية، وهي سر الاحتياج إلى العلة، ولماذا تكون الكائنات في احتياج إلى خالق؟
في الحلقة القادمة نسلط ضوء أصالة الوجود لاكتشاف ملاك وسر الاحتياج، وتزول بإكتشافه معضلة سبب عدم احتياج الوجود الإلهي إلى علة، والتي عانى منها كبار فلاسفة أوروبا، وفي نفس الوقت ينبثق من أعماقه حلا لعُقدة صلة الأفعال البشرية بالفعل الإلهي.
...................
المصادر:
1)    هاني، إدريس: ما بعد الرشدية: ص56
2)    الشلبي، كمال عبدالكريم: أصالة الوجود عند الشيرازي من مركزية الفكر الماهوي إلى مركزية الفكر الوجودي ص14
3)    حلباوي، علي أسعد: أصالة الوجود عند صدر الدين الشيرازي ص476
4)    المصدر السابق ص530
5)    بدر، عادل محمود: برهان الامكان والوجوب بين إبن سينا وصدر الدين الشيرازي ص159.
6)    الطباطبائي، محمد حسين: الرسائل التوحيدية ص6.
7)    مطهري، مرتضى: شرح المنظومة: ص380. ترجمة عمار أبو رغيف.
8)    حنفي، حسن: الله: ضمن الموسوعة الفلسفية العربية ص100
9)    مطهري، مرتضى: بحوث موسعة في شرح المنظومة: ج1ص130، ترجمة: عبدالجبار الرفاعي
10)    ابن سينا: التعليقات: ص77
11)    مطهري، مرتضى: بحوث موسعة في شرح المنظومة: ج1ص130، ترجمة: عبدالجبار الرفاعي
12)    الديناني، حسين الابراهيمي: القواعد الفلسفية العامة في الفلسفة الاسلامية. ج2ص110