الإثنين, 19 نوفمبر 2018

مقال : "وفي أنفسكم أفلا تبصرون"

الأربعاء 02 مايو 2018 07:08 م بتوقيت مسقط

 

حمد العلوي

قارئي العزيز..

أيُّها الحبيب، أنت مبارك حيثما كُنت وحللت؛ فطيَّب الله تعالى ذكرك بين الخلق أجمعين، إنسهم وجنهم، ذكورهم وإناثهم، صغيرهم وكبيرهم، شبابهم وشيبانهم.

ألم تعلم أن الله تعالى وَهَب لك عقلا نيِّرا راجحا، فيه حُجرات تحوي على أوردة تتغذى بأطيب الثمار، وأحلاها وأنقاها وأصفاها حجرات واسعة تستطيع أن تُخزِّن فيها أمورا كثيرة، وبهذا لابد أن يكون عقلا نيِّرا مستنيرا بما سخَّر له، وعليه أن يشكر الإنسان ربه بما أوتي من نعمةٍ تهديه وتبصره إلى كلِّ خير وصلاح، تُوصله إلى أفضل السبل والطرق، وأكرمها فيها الفلاح والنجاح.. "وفي أنفسكم أفلا تبصرون"، بَيْد أنَّ الله تعالى أوجَد للإنسان عينين تفيض منهما الدمع خشية ورهبة من الله تعالى، وينظر من خلالها إلى ما حوله من نعم سُخِّرت له تبيِّن دلائل قدرته.

قارئي العزيز..

قرأتُ يومًا أنَّ مَلكا من ملوك زمن مضى أصدر قانونا بأنه من يأتي بصورة بريء من الأبرياء على هيئة صورة جميلة تسرُّ الناظرين؛ فجاء الفنانون من كل صوب ليظفروا بالجائزة العظيمة التي أُعِدت لهذا الشأن، وإذ أحدهم طاف الأراض طولا وعرضا، سهولها وصحاريها وجبالها وفيافيها؛ ليأتي بشخص بريء خال من الهموم والأحزان، مرتاح البال والقلب والفؤاد، وفي النقيض من ذلك أن يأتي بصورة شخص على هيئة شيطان مُخيف يخاف ويرتجف كل من يراه.

واجتهد كل فنان ليظفر بالجائزة التي أعدها الحاكم لهم، ومرت الأيام، وإذا بفنان تشكيلي مبدع رأى طفلا حَسِن الهيئة والمنظر، يلبس ثيابا جميلة، استأذن أهل الطفل بأن يأتون به أو يأتي هو إليهم ليرسمه مقابل دراهم معدودة، أو عدد من المال، فوافقوا نظير ذلك بأن يأتي هو إليهم لأنهم لا يملكون دراهم أو نقودا يذهبون بها إليه.

فمكث الفنان ليلَ نهار حتى انتهى من لوحته، وقدم الصورة المزعومة للحاكم، فلما رأى الحاكم اللوحة سُر بالصورة كثيرا، وفرح فرحا شديدا، حتى قهقه بصوت عال، وعلى الفور استلم الفنان جائزته نظير عمله، لكن بقي شيء آخر، عليه أن يأتي بشخص هيئته صورة شيطان رجيم يخاف ويرتعد كل من يراه.

فاجتهد الفنان أيامًا وشهورًا، بل سنين، تقارب أربعين عاما، حتى ينفذ اللوحة التي طلبها الحاكم منه، لتكون أحسن من سابقتها فصار يطوف البلدان ويمر على الفيافي والغفار، وإذ به يحصل على بغيته، إذ رأى رجلا رث الثياب كئيب المنظر، رائحته نتنة، تُشم من بعيد، فاستأذنه مقابل عدد من الدراهم، فقَبِل بذلك لحاجته الشديدة للمال؛ لأنه لا صنعة له، عاطل عن العمل، لعل بالمال يشتري شيئا يسد رمقه، أو شيئا يأكله، أو لباسا يغطي بها سوأته.

فمكَثَ الفنان التشكيلي أيامًا وهو على هذه الحال، تارة واقف، وتارة أخرى جالس، حتى انتهي من لوحته، ليقدمها إلى الحاكم لعل يرضى بها، ويكافئه بمال أكثر من السابق.

قارئي العزيز..

وبينما هو غارق في الرسم؛ إذ رأى الفنان التشكيلي دمعةً تنزلُ من عيني الرجل، وبسرعة وبغير إنذار توقف عن العمل، فاقترب إليه مسرعَ الخطى، ليسأله عمَّا يُبكيه، فهل هو جائع ليأكل؟ أم عطشان ليشرب؟ أم ماذا؟ فتكلم الرجل بعد أن أخذ قسطًا من الراحة؛ فقال: أتذكُر الطفلَ بملامحه البريئة، ذا الوسامة، والمنظر الحلو، الثياب الحسنة، ورائحة الطيب تُشمُّ من بعيد؛ وذلك قبل أربعين عاما، ردَّ الفنان بالتأكيد بـ"لا، بالتأكيد أذكر ذلك اليوم، ولا أنساه"، فقال الرجل: أنا ذاك الطفل البريء يا سيدي، أخذتني الأيام والسنون، ولم أستفد منها شيئا، بل ضِعت وضاعت سنين عمري حتى رأيتني اليوم على هذه الحال، يشمئزُّ كل من يراني، ويهرب كل من رأى شكلي المخيف، الكبير قبل الصغير، رث الثياب، ولحية كثيفة، حافي القدمين، فصار يبكي بكاء ونحيبًا.. فتعانقا وتباكيا معا، كلٌّ يبكي على ما مر من ساعات يومهم التي ضاعت سُدى، بل من سنين خلت.

------------------------------

همسة:

"اتق الله حيثما كنت، وأقبل على الله تعالى في كل وقت وحين، واعلم -رحمك الله- أن الله تعالى لا يظلم الناس، ولكن الناس أنفسهم يظلمون، ومن يتق الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره، واعلم أن التدبُّر والتفكُّر أمرٌ لابد للناس فعله، إذا أرادوا الفوز والنجاح في الدنيا والآخرة، وأن التيسير في كل الأمور بيد لله".

[email protected]