الإثنين, 19 نوفمبر 2018

مقال : يوميات عائد من حلب الشهباء

الثلاثاء 24 أبريل 2018 05:58 م بتوقيت مسقط

 

د. يحيى أبوزكريا

كانت الساعة الرابعة فجرًا عندما أقلتنا سيارة خاصة من بيروت إلى الأراضي السورية ثم باتجاه حلب، وقبل هذا التاريخ كان الطريق الرابط بين دمشق وحلب ومرورا بحمص وخناصر وأثريا محتلا من قبل كافة المجموعات المسلحة التي برعت في تدمير كافة المنشآت الوطنية وأعمدة الكهرباء.

وكان دليلنا وعلى امتداد الرحلة إلى حلب والتي استغرقت أزيد من 7 ساعات يُشير إلى طرفي الطريق ويقول: هنا كانت جبهة النصرة، وفي الطرف الآخر كانت داعش، وهنالك كان الجيش الحر، وعلى تلك التلة كان جيش الإسلام، وبناءً على قوله وكما تؤكده الحقائق كانت الجغرافيا السورية محتلة من قبل المجموعات الإرهابية والتي عبثت بكل المقدرات والمنجزات، فمئات البيوت على امتداد الطريق إلى حلب كانت مدمرة خاوية هجرها سكانها وأهلها إما إلى الداخل السوري أوإلى دول الجوار العربي..ومع بداية الدولة السورية في استرجاع أراضيها بدأت الحياة تعود إلى السكان، وهنا أشير إلى أن الدولة السورية بمجرد أن تسترجع منطقة جغرافية مُعينة تكلف كافة الوزارات بإعادة الحياة في المناطق المنكوبة، فتجتهد وزارة الكهرباء والنقل والمياه والزراعة والشؤون الاجتماعة في إعادة ضخ الحياة إلى هذه المناطق وهو ما يتم كما رأينا في زمن قياسي سريع.

وكم كانت فرحتي كبيرة بإعادة إضاءة الكثير من الشوارع بالطاقة الشمسية، كما كنت أشاهد شاحنات تنقل الزفت إلى الطرقات وتعيد تعبيد كل الطرقات المتضررة بصواريخ الإرهابيين الذين تقصدّوا تدمير كل البنى التحتية وفي زعمهم أن ذلك سيضعف الدولة السورية.

وعندما وصلنا إلى حلب أول مكان صادفناه هو مطار حلب الذي تم استرجاعه بعد تحرير حلب، حجم الأضرار كان كبيرا، فالعمارات الحلبية التي بنيت بحجارة أصيلة طبيعية طالها التفجير والتفخيخ، وحتى المحلات التراثية الحلبية طالها التفجير، وكان أصحاب هذه المحلات مصرين على إعادة ترميمها وفتحها، وهذا يشير إلى تمتع السوريين بحب الحياة وإرادة العيش.

في حلب كنت حريصًا على زيارة قلعة حلب التاريخية التي يعود تاريخها إلى العصور القديمة وأعاد إحياءها وبناءها الأيوبيون، وحرصت أن أقدم برنامجي ال م من قناة الميادين منها مع مفتي الجمهورية العربية السورية الدكتور أحمد بدر الدين حسون، والذي كان مكتبه مكتب الإفتاء العام في حلب محتلا وتعرض للتخريب والتفخيخ وأحرقت كتبه، وحتى الزاوية العرفانية الملحقة به زاوية الصيادي خربت بالكامل. خراباً لا مثيل له في حلب وتدميرا متواصلا، وحتى المسجد الأموي الذي كنت حريصاً على زيارته تحول إلى حجارة بالكامل، تم تحطيم المسجد الأموي ومأذنته، وحتى المنبر العريق والتاريخي الذي كان في الجامع الأموي في حلب والذي كان يعرف بمنبر نور الدين الزنكي والذي كان مكتوباً عليه بعد البسملة: أمر بعمله العبد الفقير إلى رحمته الشاكر لنعمته المجاهد في سبيله المُرابط لإعلاء دينه العادل نور الدين ركن الإسلام والمسلمين منصف المظلومين من الظالمين أبوالقاسم محمود بن زنكي بن أيوب ناصر أمير المؤمنين عز الله أنصاره وأدام اقتداره وأعلى مناره في الخافقين ألويته وأعلامه وأعز أولياء دولته وأذل كفار نعمته وفتح له وعلى يديه وأقر بالنصر والزلفى عيناه برحمتك يا رب العالمين وذلك في سنة أربعة وستين وخمسمئة.

وهذا المنبر التاريخي العريق الذي عمره مئات السنين تمت سرقته من قبل الإرهابيين وبيع لجهات تركية، وقيل للموساد الإسرائيلي الذي يجمع تراث المسلمين من العراق وسوريا ولبنان ومصر وغيرها في مكان خاص في تل أبيب..

وما لفت نظرنا أكثر في حلب هو إصرار الناس على إعادة الحياة إلى مدينتهم العريقة التي كانت عاصمة للثقافة الإسلامية وقدمت للعالم أكبر علماء الإسلام والفلسفة والفكر، وأنجبت رواد التنوير وعلى رأسهم العلامة عبد الرحمن الكواكبي صاحب كتاب طبائع الاستبداد.

بسرعة فائقة فتحت المدارس والثانويات والجامعات أبوابها، وعادت الكهرباء والمياه إلى حلب بعد أن قطعها الإرهابيون عن أهالي حلب، وازدحمت الأسواق بالمواد الغذائية والمنتوجات الزراعية، وقد أخبرني أحد المواطنين الحلبيين أنه في رمضان الماضي دخلت إلى حلب شاحنة تحمل بعض صناديق البطاطا فتقاتل عليها مئات المواطنين الذين كانوا يفتقدون كل شيء..

لسان حال الناس في حلب، الحمد لله على عودة الدولة، والجيش العربي السوري، وكلما دنوت من مكان رفع فيه العلم السوري تشعر بالطمأنينة والأمن والأمان، ويعد الحلبيون أنه في العام المقبل ستعود حلب أجمل مما كانت. وحلب التي كانت ومازالت أكبر مدينة في سوريا والتي تعتبر عاصمة الفن والقدود والموشحات والتصوف والجمال بدأت تسترجع رونقها. صحيح أن أسواقا كثيرة تاريخية تضررت سوق الحرير والياسمين وخان الجمرك والبنادقة والعطارين ووو.

حلب هي التي جعلت عمر أبوريشة شاعر الياسمين والجمال وهو القائل:

هي والدنيا وما بينهما// غصصي الحرى وأهوائي العنيدة. رحلة للشوق لم أبلغ بها// ما أردتني من فراديس بعيدة. طال دربي وانتهى زادي له// ومضى عمري على ظهر قصيدة.