الثلاثاء, 20 فبراير 2018

مقال : مفهومُ "الحياة السلبية"!

الإثنين 12 فبراير 2018 07:53 م بتوقيت مسقط

مفهومُ "الحياة السلبية"!

د. راشد البلوشي

* أستاذ اللغويات المساعد بجامعة السلطان قابوس

سوف نتطرَّق في هذا المقال لمفهوم "الحياة السلبية".. ورغم أنه مفهوم قديم، إلا أنه لزم طرحه ومناقشته، وذلك لأن مظاهر الحياة السلبية بدأت تتفشى في أماكن كثيرة من العالم، وهو ما يمثل تهديداً للحياة على هذا الكوكب. نعلم جميعاً أن "الحياة" تقتضي أن يعيش الإنسان من أجل خيرِ نفسه وخيرِ من يعول وخيرِ كل من يمكن أن يجعل حياتهم أفضل؛ لذلك فإنَّ "الحياة السلبية" هي أن يعيش الإنسان من أجل الشر.

وأحد مظاهر "الحياة السلبية" أن يعيش الإنسان من أجل أعدائه، فإن لم يجد أعداءً فإنه يتذمر ويشعر بالإحباط ويبدأ في البحث عن أعداء، وإن لم يجدهم، فسيقوم بإيجادهم أو توفير الظروف المناسبة لوجودهم. وإن فشل في ذلك، فإنه يقوم باستعداء الآخرين. وهذا بالضرورة يعني أن هذا الشخص غير معني بالحياة التي تعني بني البشر، فهو لا يشعر بها ولا يعرفها ولم يجربها. وحتى عندما تتوفر أسباب الحياة لهذا الشخص، فإنه ينفر منها، ويبحث عن مقومات الحياة السلبية من أعداء وخطط للإطاحة بهم، أو لإذلالهم، أو للتحزب ضدهم، أو للاستيلاء على ما عندهم، ومن ثم البحث عن أسلحة لتدميرهم.

ولتوضيح ما نقصده بالحياة السلبية، سنقدم المثال الأوضح والذي عرفه العالم بعد انتهاء الحرب الباردة.. باختصار هو ما أقدمت عليه الرأسمالية العالمية (المعسكر الغربي) بعد انهيار الاتحاد السوفييتي منذ ما يقرُب من ثلاثة عقود، عندما شعر المعسكر الغربي أنه بفقدان الشيوعية كعدو فإنه قد خسر كثيراً من نشاطه السياسي (إدخال الدول في المعسكر الغربي بكل الوسائل من ترغيب وترهيب ودعم ثورات وانقلابات)، والعسكري (تصنيع الاسلحة والانتشار العسكري في أرجاء الكرة الأرضية)، والاقتصادي (الترويج للرأسمالية والتحذير من الاشتراكية).

وعندها، قام المعسكر الغربي باتخاذ الإسلام عدوًّا، بعد أن تنبأ بذلك الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون في كتابه "نصر بلا حرب"، وهو الرئيس الذي قضى فترة من مدة رئاسته من أجل خصومه السياسيين من الحزب الديمقراطي؛ حيث اتُّهم خلال فترة رئاسته الثانية بالعلم بعمليات التجسس عليهم، مما اضطره للاستقالة. وحذر نيكسون في كتابه مما أسماه "الإسلام الأصولي"، وتوقع أن يكون العدو الجديد للغرب بعد التخلص من الشيوعية. وربما يكون هذا ما جعل الغرب يساعد المجاهدين في أفغانستان، مثلاً، ضد الاتحاد السوفييتي، حتى يتخلصوا من الشيوعية بإضعافها، ومن ثم يستعْدُون المسلمين لتنفيذ أجندات أخرى.

لذلك؛ فقد وجب التحذير من رواد الحياة السلبية لأنهم يبحثون عن الأعداء لا الأصدقاء، والتوترات لا التهدئة، والتنافس المدمر لا التعاون، والجشع لا القناعة، والشجار لا الحوار، والخصام لا الوئام؛ وبالتالي فهم يبحثون عن الحرب لا السلام، أو باختصار عن الموت لا الحياة. وذلك لأنهم، كما أسلفنا، لا يعرفون الحياة ولا يستمتعون بها، والدليل أنهم يعيشون من أجل أعدائهم، فإن وُجد الأعداء فقد توفرت لهم سُبل الحياة التي يعشقون، وإن لم يُوجد الأعداء، فإنهم يشعرون بالفراغ المميت؛ لذلك فإنهم يسعون لشغل وقت فراغهم بإثارة المشاكل والقلاقل وبالعبث بمصائر الخلق ومقدراتهم، مهما كلفهم ذلك من الأموال ومن دماء الآخرين. وما يدل على حقيقة جهل رواد الحياة السلبية بحقيقة الحياة والغرض منها هو حقيقة أنهم إذا أدركوا أنهم لا يستطيعون مقارعة العدو الحقيقي، فإنهم يقومون باستعداء أصدقائهم وجيرانهم من أجل تحقيق أي تفوق، مع علمهم بزيفه.

وهذا مظهر آخر من مظاهر الحياة السلبية، حيث إن هؤلاء الأشخاص يكتسبون شعورهم بالحياة وبالكون وبالعالم من خلال الآخرين، وليس من خلال قدرتهم على التنفس أو من حقيقة سريان الدم في عروقهم، أو من قدرتهم على التفكير والإحساس، فهم ربما لا يشعرون بكل هذا. فإن وُجد الآخرون فإنهم يشعرون بالحياة، وتكون رسالتهم هي إفساد الحياة للآخرين، وإن لم يُوجدوا، فإن رواد الحياة السلبية لا يهنأ لهم بال ولا تقر لهم عين، حيث إن وقود حياتهم، وهم الآخرون، ليسوا موجودين؛ وبالتالي فإنهم يلعنون كل ما تقع عليه أعينهم ويحاولون -كأي مارد غاضب يائس بائس يعاني من أمراض النقص وعقد الضعف- تدميره بشتَّى الوسائل. لذلك؛ وجب التحذير منهم قبل أن يتمكنوا من تدمير ما بقي من أمل على هذا الكوكب. يشير ما تقدم إلى أن رواد الحياة السلبية لا ينفعون أحداً ولا حتى أنفسهم، وإن بدوا نافعين. فنهايتهم كنهاية براقش، لا يقومون إلا بما يوردهم موارد الهلاك، وعذرهم هو أنهم لا يعرفون طيب العيش ورغد الحياة، وإنما يعرفون الخراب والهلاك، فهو زادهم وهدفهم ومآلهم، مصير يسيرون نحوه بكل رغبة واشتياق مثلما ينشد باقي البشر الحرية والأمن والسلام والتفاهم والوئام.