السبت, 22 سبتمبر 2018

الأديب.. ذلك الخادم اللغوي.

الأحد 10 ديسمبر 2017 07:44 ص بتوقيت مسقط

الأديب.. ذلك الخادم اللغوي.

الناقد والروائي /عبد الجواد خفاجي - مصر

 

يختلف استخدام اللغة أدبيا عن غيره من الاستخدامات.. فمبدأ الدقة في استخدام اللغة، سمة إنسانية، يتأكد بها الوعي باللغة، كما تتأكد بها سمة الإنسانية نفسها.. وكل عاجز أمام الدقة في استخدام اللغة فإنه لا يؤكد عجزه أمام اللغة وحسب، وإنما ينتقص من إنسانيته في المقام الأول.
أما دور الأديب فإنه أوسع من ذلك بكثير .. فالدقة ليست قاصرة ـ في هذا المنحى أو ذاك ـ على الأديب وحده، إذ يتأكد بها حضور الإنسان صاحب اللسان والوعي والفهم، أما حضور الأديب فيعني بالإضافة إلى ذلك الذوق وخدمة اللغة، واكتشاف دلالات استخدام جديدة لها، لذلك يمكن توصيفه خادما للغة، وليس مجرد مستخدم لها.
كما أن الواجب على الأديب البعد عن مألوفات استخدام اللغة، وشيوعها، فالمشاع ليس للأديب، وإنما لغيره ممن يبحثون عن الفهم وحسب؛ لذلك من المهم أن يكون المتلقي للأدب على درجة من الحساسية المؤهلة لتذوق الأساليب الجديدة، والدلالات الجديدة التي أجهد الأديب نفسه لبلوغها.
في مثل هذه المقارنات البسيطة يبقى دور المتلقي للأدب كمستقبل للجديد من مكتشفات الأديب، كما يتحدد دوره إضافة لما سبق في مهمة التذوق.. وهي مهمة مهارية في المقام الأول. تحدد دور المتلقي كصاحب ذوق قبل أن يكون صاحب فهم.
ربما لذلك يتجنب نقاد الأدب مفردة "الفهم" في تعاملهم مع المنتج الأدبي.. وعندما نسمع من يقول: لم أفهم النص الأدبي، أو يتهم غيره بعدم فهم النص الأدبي.. فإنه في الحالتين يؤكد غربته عن الأدب، كما يؤكد عدم وعيه باستخدام اللغة واستثمارها أدبيا، كما أنه يؤكد عدم وعيه بمهمة الأديب، أو مفهوم الأدب على النحو الذي انشـغل به الشكلانيون الروس، الذين اشتغلوا على "الأدبية" وليس الأدب.
كل ما سبق يمكن أن ينسفه الأديب بذلة لسان أو بجرة قلم، عندما يعترف أن معلما للغة العربية يصحح له استخداماته للغة، ليس لأن معلم اللغة العربية سيفشل ـ تأكيدا ـ في تصويب لغة  الإبداع، وحسب؛ بل لأنه غير مؤهل للوصول إلى أغوار النص، فالنص الأدبي سيظل كالشجرة، التي ينشغل بها القارئ ومعلم اللغة العربية،  أما جذور الشجرة فستظل في مكمن عنهما، ولا يمكن لأحد الوصول إليها غير الناقد الحصيف، ومنهجه الذي يُخضِع النقد له.
 ومن الـمعـروف أن اللغويين العرب القدماء اعتمدوا على الإبداع الشعري والقرآن الكريم للتقعيدات اللغوية، والنحوية والصرفية، كما اعتمدوا على أهل البادية الخلّص، وفي هذا ما يؤكد أن الأدب دال في القاعدة وشذوذها وليس العكس، أو بالمعني: مصححو اللغة الأدبية من معلمي اللغة يقومون بوظيفة معكوسة، عندما ينصاعون لرغبة أدباء فاشلين. وأشرف للأديب أن يأتي بقصيدة فيها أخطاؤه، على أن يكلف معلم اللغة العربية بمهمة تصويب لغتها.. الأغرب أن شاعرا أصدر ديوانه، ولاحظنا أنه يحتوي على قدر كبير من أخطاء اللغة وقواعدها، واشتراطات صحتها، وما يستوجبه الأمر من استخدام علامات الترقيم.. ولما عاتبناه قال بكل صلافة وجهل: أنا لم أصحح النصوص التي احتواها الديوان، وإنما صححها (فلان) معلم اللغة العربية، فاذهبوا إليه وعاتبوه!! .. وهذا ما ناب معلم اللغة المصحح من فضيحة.
في إحدى مرات اجتماعنا الأدبي سمعت قصيدة من صديق لنا، يخاطب فيها فلسطين، جاء فيها: "عيناكِ تثير" .. كنا حوالي عشرين أديبا، قلنا في نفس واحد: "عيناكِ تثيران" .. فأعاد الشاعر البيت ولم يقل غير: "عيناك تثير" .. وكان عليه أن يفك إشكالية نحوية بدت لنا.
 بعد الانتهاء من إلقاء قصيدته، قال: يعز عليَّ أنكم لم تتفاعلوا مع النص كما ينبغي، وهذا ما يحزنني، ثم صمت.. وطالعنا القصيدة التي ألقاها، ولم نكتشف حلا للقاعدة النحوية، حتى صرح الشاعر بمقصوده، فهو يخاطب "صبرا وشاتيلا" بوصفهما قضية واحدة وإن تجسدت في مثنى.. منذ ذلك التاريخ بدأت أتهيب لغة الشعر، ولغة الأدب عموما، رغم اهتماماتي النقدية.