الخميس, 20 سبتمبر 2018

الاستراتيجية الأمريكية الدفاعيّة للقرن الحادي والعشرين (احتواء روسيا والصين)

الخميس 07 ديسمبر 2017 09:11 ص بتوقيت مسقط

الاستراتيجية الأمريكية الدفاعيّة للقرن الحادي والعشرين (احتواء روسيا والصين)

ماهر القصير - السعودية
باحث في السِّياسة الدُّوليّة


كانت تصريحات (روبرت غايتس) وزير الدفاع الأميركي في  7/2/2007 أمام الكونغرس وهو يعرض ميزانية البنتاغون العسكرية لعام 2008، تؤكد استمرار الولايات المتحدة في اعتبار الصين وروسيا كعدوين محتملين، فضلاً عن إيران. لقد أعلن غايتس أن "روسيا والصين تمثلان تهديداً للولايات المتحدة علاوة على الحرب الشاملة على الإرهاب، علينا أيضاً مواجهة ما تقوم به الصين وروسيا اللتان تنفذان برامج بالغة التطور للتحديث العسكري".
ويزداد تعبير الروس عن قلقهم بقدر إدراكهم أنهم مطوقون. ولن يطول الأمر حتى تصبح روسيا والصين وحلفاؤهما مطوقين شيئاً فشيئاً. فالصين اليوم في مواجهة حدود شرقية معسكرة في آسيا، بينما إيران مطوقة عملياً، والحدود الغربية لروسيا تغلغل فيها حلف الأطلسي.
إن توسع حلف الأطلسي مستمر على الرغم من نهاية الحرب الباردة، وعلى الرغم من الوعود بعدم توسعه. فالقواعد العسكرية ومنصَّات الصواريخ تطوق الصين وإيران والاتحاد الروسي.
فقد أعلن الرئيس بوتين في مؤتمر ميونيخ حول الأمن في 27 شباط 2007 أن "حلف الأطلسي يستهدف الاتحاد الروسي"، وذكَّرَ أنّ هذا الحلف "كان تعهد بعدم التوسع نحو الشرق". وكان سبق لبوريس يلتسين أن عبر عن نفس القلق من توسع حلف الأطلسي مع انضمام دول البلطيق إلى هذه المحالفة. ولكن خطاب بوتين يشكل التصريح الروسي الأكثر أهمية حتى الآن، ويبين أن روسيا بدأت استشعار الخطر على حدودها، من أقصى الشرق الروسي حتى الحدود مع جورجيا وأوروبا الغربية.
وبحضور كبار قادة المؤسسة العسكرية الأمريكية، على رأسهم وزير الدفاع ليون بانيتا، ورئيس هيئة أركان القوات المشتركة وقادة صنوف الأسلحة المختلفة، و من على منصة مؤتمر صحفي عقده في مقر وزارة الدفاع، كشف الرئيس الأمريكي عن أهم ملامح المراجعة الاستراتيجية، أو ما أاصطلح على تسميته بالاستراتيجية الدفاعية الأمريكية الجديدة. الوثيقة الرسمية وردت في 8 صفحات، وحملت عنوانا فيه كثير من الرمزية والإيحاء: “تعزيز – استدامة - قيادة الولايات المتحدة للعالم: أولويات دفاع القرن الحادي والعشرين، Sustaining U.S. Global Leadership: Priorities for 21st Century Defense “، في إشارة واضحة للمعنيين بأمر منافستها أو الطامحين لإرساء نظام عالمي يقطع مع هيمنة القطب الواحد. رصدها التنين الصيني بشكل عميق، الموقف الرسمي الصيني عبّرت عنه صحيفة “غلوبل تايمز، Global Times”، التي يشرف عليها الحزب الشيوعي الصيني، بتعليقها: “إن الاستراتيجية الأمريكية الجديدة تمثّل تغيّرا كبيرا يبدو القصد منه استهداف الصين، في إشارة إلى أن الولايات المتحدة "ولا تفهم العقيدة العسكرية الصينية".
هذه الاستراتيجية تعتبر نقطة مفصلية في تاريخ العسكرية الأمريكية، لأنها تتكيّف مع واقع جيواستراتيجي متقلّب، وتستجيب للتحوّلات الجوهرية في طبيعة الحروب ومسرحها وأدواتها، وتستشعر بمجموعة تهديدات تتوالد داخل مناخ أمني وفضاء سيبيري محفوفين بالخطر،و تدرك أن عصر الحروب التقليدية الثقيلة انتهى وما كان يُعرف ببناء الأمم، ومكافحة التمرّد،  لتؤسّس لنوع جديد من الحروب يسمّيه وزير الدفاع ليون بانيتا بالـ”تحوّل التاريخي إلى المستقبل”، الحروب”الذكية، Smart Wars”. هذا عن طبيعة الحرب، أما عن أساليبها فجمع بين "القصف المنظّم" و"دقيق التصويب"، و"القوة الجوية والبحرية الضاربة"، و"التفوّق الإلكتروني والمعلوماتي"، في استحضار لنموذج التدخّل بليبيا.
باختصار هو تحوّل جوهري من "عقيدة الحرب على جبهتين" أو بمسرحي عمليات إلى "عقيدة القيادة من الخلف، Leading From Behind" أو الحرب الخاطفة ذات العمليات الجوية والبحرية المحدودة، بفرق خاصة خفيفة، وتوظيف لمنظومة مُعقّدة ومتكاملة لأحدث تقنيات التشويش والتجسس والاختراق والتنصت، وتكنولوجيا المعلوماتية والحرب السيبرانيّة واستخدام الطائرات دون طيار.
وتستند الإستراتيجية العسكرية الجديدة، أو المراجعة التي فرضها قانون الرقابة على الميزانية الذي أقرّه الكونغرس عام 2012، والتي أشرف عليها ليون بانيتا المتخصّص بشؤون الموازنة، على أربعة محاور رئيسة، يمكن إيجازها كالتالي: (نهج سياسة تقشّف في إنفاق وزارة الدفاع، والحفاظ على التفوق النوعي في الوسائل والقدرات، لا سيما في مجال الحرب الإلكترونية والسيبرانيّة، بما في ذلك أنظمة القتال المتطورة كالطائرات بدون طيار، خفض عدد القوات الأمريكية المتمركزة بأوروبا، والتوجّه نحو تعزيز الوجود الأميركي في آسيا والمحيط الهادي.
المراجعة التي استغرقت حوالي 9 أشهر، قضت بضرورة أن يتولّى البنتاغون خفض الإنفاق بنسبة 450 مليار دولار خلال العشر سنوات المقبلة، خصوصا أن الولايات المتحدة الأمريكية تنوء تحت عبء الدين العام البالغ: 15.033 تريليون دولار، حسب تقديرات وزارة الخزانة الأميركية. وعليه فإن الموازنة الأمريكية وإن خُفّضت، بمعدّل متراوح بين 10 و15 بالمائة، أي حوالي 500 مليار دولار ، خلال السنوات القادمة، ستظلّ أعلى من مجموع موازنات العشر بلدان التي تليها. مجموع لا يتجاوز 519.8 مليار دولار!حيث تُقدّر موازنة دفاعها برقم فلكي مرعب بلغ 689 مليار دولار. للتذكير فحسب فإن الصين، منافسها المباشر على عرش القيادة العالمية لا تخصّص للدفاع سوى 119 مليار دولار، لتأتي بريطانيا بعدهما برقم خجول هو 59.6، ففرنسا 59.3، فالعربية السعودية التي ترد بالمرتبة السابعة بعد اليابان مباشرة بمبلغ 45.2 مليار دولار. وعليه وجب الحذر من استخلاص الاستنتاجات المتسرّعة، خصوصا إذا أخذنا بعين الاعتبار كيف زادت ميزانية الدفاع الأمريكية بنسبة 81 بالمائة، قافزة من 281 مليار دولار فقط سنة 2000 إلى 571 مليار دولار سنة 2010.
ما يجدر بالاهتمام هو تحوّل الإستراتيجية الدفاعية الجوهري من اعتماد أسلوب الحرب الثقيلة والنزول بالقوات البرية في عمليات مكلفة وطويلة الأمد، كما كان الشأن بأفغانستان والعراق إلى أسلوب حرب تزاوج بين العمليات البحرية والجوية في رصد واختيار لما يسمّيه الإستراتيجيون محور الصراع، أو “النقطة المركزية للصراع” ، وتكيّف مع المسارح الجديدة كالباسيفيكي والمحيط الهندي، مع اعتماد مبدأ “القيادة من الخلف” وتوظيف الشراكة الإستراتيجية، كلّما اقتضت الضرورة. وللتعويض عن عدد القوات المخفّض، خصوصا البرية منها، توصي الوثيقة بضرورة دعم المجال الاستخباراتي والتصنّت والمراقبة وفرض الهيمنة الأمريكية على الفضاء السيبيري والتصدي لانتشار أسلحة الدمار الشامل، ومكافحة ما تسمّيه الولايات المتحدة “إرهابا”. كما تحثّ العسكريين على تطوير التكنولوجيات الحديثة وأنظمة الدفاع المعقّدة لزيادة قدرات القوات البحرية والجوية “استعراضا للقوة” و”ردعا” للقوى الصاعدة أو المنافسين المحتملين، خصوصا في منطقة آسيا والمحيط الهادي، كما يصرّح بانيتا. الإستراتيجية الجديدة ألمحت أيضا إلى “إمكانية” تقليص الترسانة النووية الأمريكية، وذلك “دون تعريض الأمن القومي الأميركي للخطر”، قارعة في ذات الوقت جرس إنذار بخصوص تنامي القوة العسكرية الصينية، البحرية منها بالخصوص، ونشرها أجيالا جديدة من الأسلحة فائقة التطوّر، ممّا استدعى حث الجيش الأمريكي على “إعادة التوازن” العسكري داخل منطقة آسيا والمحيط الهادي. ذلك ما يفسّر تأكيد واضعي الإستراتيجية الجديدة على عصر أمريكا الباسيفيكي (America’s Pacific Century ) ، على ضرورة الاحتفاظ بقواعد عسكرية كبيرة في اليابان وكوريا الجنوبية، ونشر قوات من مشاة البحرية، وقطع من السفن الحربية وسرب من الطائرات بشمال أستراليا، إضافة إلى سفن حربية في سنغافورة، وربما بالفلبين. هذه ما يعزّزه تصريح رئيس هيئة الأركان المشتركة في الجيش الأمريكي، الجنرال مارتين ديمبسي، القائل: “إن الاتجاهات الديموغرافية والجيو-سياسية والاقتصادية والعسكرية تتحوّل نحو المحيط الهادئ… نحن قوة عالمية وعلينا أن نكون قادرين على إجراء أنشطة وعمليات عسكرية على نطاق كامل”......
يتبع.... (بداية نهوض .. الحلم الإمبراطوري القيصريّ.. لروسيا الاتحادية)