الأربعاء, 26 سبتمبر 2018

مقال : بناء المستقبل

السبت 26 أغسطس 2017 10:24 م بتوقيت مسقط

حاتم الطائي

في تمام السابعة مِن صَباح اليوم، تصدح في فناءات مَدَارسنا حناجرُ غَضَّة تشدو بكلماتِ نشيدنا الوطنيِّ، إيذانًا ببَدءِ عامٍ دراسيٍّ جديدٍ، يعُوْد مَعه أكثر من 588 ألفا من أبنائنا إلى مقاعد الدراسة، للانطلاق نحو غدٍ يأملون أنْ يشهد تحقيقًا لأمنياتهم وأحلامهم التي تُراودهم.. وجوهٌ وأرواحٌ مُفْعَمة بالأمل، تنتظر منا أن نكون على قدر المسؤوليَّة، في العناية والتخطيط والمتابعة والاهتمام، حتى لا يتحوَّل التعليم لدينا إلى عملية "روتينية" أبْعَد ما تكون عن الإبداع والابتكار والاستمتاع بالجديد من المعارف والعلوم، خاصة ونحن نعيش اليوم عَالَماً تديره التقنية الحديثة، وتُعلن فيه الأجيال الجديدة عن نفسها بصخب وقوَّة وعُنفوان، عبر وسائل تواصل أصبحتْ تعجُّ بالعديد من المشاعر المتباينة.

فالمدرسة كحاضنةٍ تربويةٍ تضطلع بعملية التعليم والتعلُّم، وتشكيل الوعي الثقافي والحضاري والبناء الفكري للطلاب، عليها أنْ تُدرك بأنَّ دورها الانضباطي لم يعُد يقتصر على مُجرد الإسهام في رَفع مستوى الطالب معرفيًّا؛ بل يتعدَّى ذلك إلى ما وراء المعرفة، كمؤسَّسة فاعلة تخطِّط لأن تمتدَّ أنشطتها إلى الطلاب خارج نطاق المفهوم الضيق والتقليدي للمنهج المدرسي، عبر إكسابهم الخبرات والمهارات الحياتية المختلفة، ووضعها موضع التطبيق. وذلك يتأتى من خلال استحداث برامج تربوية نوعية تُسهم في إعداد مُتعلمِين دائميِ التعلم مدى الحياة، مُستعدين للعمل وتحقيق الذات، مُتعايشين مع غيرهم على اختلافاتهم، مُواكبين لتطورات العصر من حَوْلهم؛ مُنفتحين على العالم، بمبادرات للالتقاء في منتصف الطريق ترسم خارطة مستقبل لأبنائنا الطلاب، وإيجاد مساحات التقاء مُشتركة معهم حتى يتمكنوا من تجاوز حالة الافتراض إلى طَوْر الاندماج المجتمعي البنَّاء.

وعلى الجانب الآخر، يتعين على أولياء الأمور وضع خطة واضحة للمتابعة والإرشاد لأبنائهم؛ فـ"اليد الواحدة لا تصفِّق"، وجهود مدرسية دون متابعة أسرية لن تُفيد، وهي مسؤولية أبوية لا يمكن بحال التخلِّي عنها لخادمة أو مدرِّسٍ خاص.. ومما يُؤسف له أن نجد بيننا بعض أولياء أمور لا يعرفون في أيِّ صفٍّ يدرس أبناؤهم، وما هي العلوم التي يتلقونها، وأي التحديات تعترض طريقهم، ومَوَاطن الضَّعف والقوَّة لديهم، بحجَّة أنَّ السَّعي وراء الرزق يلتهم أوقاتهم، ولا يُتيح لهم فرصة التلاقي على طاولة الاستذكار ولو ساعة واحدة في اليوم.. وعلى هؤلاء وغيرهم أن يعوا جيدًا أنَّ الموازنة هنا مطلوبة، والمتابعة واجبة؛ يتعاون فيها الأب والأم، يؤديان دورًا تربويًّا، ويعزفان على أوتار الأمل والتشجيع والتحفيز والمساعدة؛ بما يخلق أجواءً ملائِمة تُتيح التعلم والاستذكار دون قلاقل أو تأزُّمات.. جرِّبوا الجلوسَ مع أبنائكم وبناتكم، ناقشوا معهم كيفية استعدادهم للعام الدراسي الجديد، شجِّعوهم على الاجتهاد والتفوُّق، اغرسوا فيهم حب العلم والمعلم والمدرسة والوطن، حدِّثوهم عن مدرستهم ومُعلِّميهم، علِّموهم أنَّ احترامَ المعلم واجب عليهم، وأنَّ طلب العلم فريضة، علموهم كيفية الالتزام بدينهم والولاء والوفاء لوطنهم.

وإلى جانب ذلك، فإنَّ واحدًا من أبرز الإشكالات التي نلمسها اليوم يُمثلها ضَعْف عُرى القِيَم والسُّلوكيات الحميدة والاتجاهات الإيجابية في نفوس طلابنا، ومسؤولية مواجهتها تَتَشارك فيها المدرسة والأسرة، ويُمكن تفعيلها- كما سبق وأشرتُ- بالحوار الأبوي الحاني بين الآباء والأبناء، وجلسات النقاش الخالية من التوجِّيه والإلزام بين المعلِّمين والطلاب، وتنمية دور مجالس الآباء والأمهات، وتجاوز الصُّورة النمطية لهذه المجالس، إلى فعاليّات ومشاركات تؤصِّل في نفوس الطلاب أنَّ المدرسة والبيت وجهان لعُملة واحدة؛ أدوارهما تتكامل وتتعاضد من أجل عملية تربوية وتعليميّة تتسم بالديناميكية والتفاعل من جميع الأطراف.

وتتكامَل مع دور المدرسة والأسرة، جُهود وزارة التربية والتعليم والمديريات المنتشِرَة على طول ولايات ومحافظات السلطنة، وما يُناط بها من مُسؤوليات التطوير الشامل والمستمر للمناهج الدراسية وأدوات تطبيقها- بعيدًا عن المفهوم الكلاسيكي لها- بما يسمح بتدارك وعلاج ضعف الدافعية للتّعلُم لدى الجيل الجديد، فضلاً عن الحاجة لإعادة النَّظر بشكل دوري في الخطط ومُراجعتها لمُواكبة قطار عصر السُّرعة، والتأثيرات المُتزايدة للسطوة الإلكترونية على الجيل الجديد، والتركيز بشكل أكبر على توظيف ثورة الإنترنت في التعليم بشكل منهجي ومدروس.

ولا يفوتنا هنا أن نشيد ببرنامج سلاسل العلوم والرياضيات، الذي تنطلق أولى حلقاته اليوم - بتنظيم من المديرية العامة لتطوير المناهج- لإيجاد قوالب تحديث جديدة؛ تستهدف عدَّة اتجاهات تطويرية فيما يخصُّ آليات العمل داخل المدارس، ونهج التعليم الاستقصائي، و"تفريد التعليم" كأحد نُظم التعليم الحديثة التي تحرصُ على مُراعاةِ الفروق الفرديَّة بين الطلاب، والتقويم بالاستقصاء، وإعداد الدروس باستخدام الكتب المختلفة للصف الواحد، ومبادئ تعلُّم الرّاشدين، ومواصفات الحقيبة التدريبية الجيدة، والتغذية الراجعة حول التدريب وتقييمه والخطوات اللاحقة، كمؤشر تحوُّل إيجابي يُحْسَب لوزارة التربية والتعليم في سياق مُواكبة مُتطلبات الارتقاء بالمنظومة التعليمية في السلطنة.

... إنَّ الجودة المنشودة في العملية التعليمية هي الركيزة الأساسية التي من خلالها ستُسهم مُخرجات مؤسساتنا في استكمال مسيرة التنمية الاقتصادية والاجتماعية المستدامة، ولن يستقيم رفعها والارتقاء بها دون تفعيل ثقافة التقييم الذاتي سواءً من الطلاب والأسَر والمدارس والمديريات التعليمية والمسؤولين في الوزارة، وتطوير آليات المقايسة الكاشفة للأداء الفعَّال لكافة الأطراف المعنية، من أجل توفير ضمانات وطنية لغدٍ مُشرق تصوغ مَلامحه أنامِل طُلابٍ مُتشبّعين بالإيجابيّة والأمل.. وهي مهمّة ليست سهلة، لكنّها أيضًا غير مُستحيلة، بل مُمكنة التحقّق بالإرادة والتخطيط السليم والعمل المشترك بروح وثَّابة يملؤها العزم لتعزيز ثقة الأجيال الجديدة بنفسها ومجتمعها ووطنها.