الأربعاء, 21 نوفمبر 2018

مقال : القيادة والروح والفكر

الأحد 23 يوليو 2017 07:15 م بتوقيت مسقط

القيادة والروح والفكر

 

إيمان الحريبيَّة

في مثل هذه الأيام الخالدة، انطلقتْ مسيرة الخير، وكسب القلوب من ظفار حتى مسندم شمالا، وبدأ معها العهد الجديد الذي نجني ثماره اليوم، حصاد سبعة وأربعين عاما من العمل الجاد، والجهد المثمر، والعطاء البناء، في مسيرة هذا الوطن الغالي؛ حيث تكوَّنت الأفكار والرؤى لمستقبل عُمان ليكون هذا الوقت وفي هذا التزامن مرآة عاكسة لرؤية مولاي حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم -حفظه الله ورعاه- المستقبلية لعُمان خلال المرحلة المقبلة.

وقامتْ تلكم الرُّؤية المستقبلية على أسس متينة تقول إنَّ "أرض عُمان وأهلها في القلب والخاطر"، أهمها الإيمان أيُّما إيمان بأنَّ العنصرَ البشريَّ هو الركيزة الأساسية في تحويل هذه الرؤية والأحلام التي رسمها جلالته من شرفة جناحه في صلالة، قبل توليه مقاليد الحكم في البلاد، إلى واقع نعيشة، وهاجس قامت عليه خطط التنمية مساراتها، خاصة وأنَّ في تلك الفترة كانت البلاد تستنهض همتها، فنادى الوطن بأنَّ صوتًا للنهضة نادى فهلموا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم، ودعوة لأبناء الوطن ليعودوا ويشمروا عن سواعد الجد، فاصطف الجميع، لتشرق تلك الشمس التي يراها مشرقة ولا يريدها أن تغيب. هذه هي اللبنة الأولى في عملية البناء، وتمثلت في لمِّ الشمل، ووحدة الصف، والتهيئة النفسية، والثقة المتبادلة ما بين الشعب والقائد. ولم يكن بناء الإنسان العُماني بمعزل عن بناء داخلي للوطن، فالشأن الداخلي هو البناء الذي ولدت من رحمه دولة عصرية متينة مترامية الأطراف، أساسها الإنسان والوئام بين الشعب، والانسجام التام بين الشعب والقيادة.

وبدأتْ بعدها المرحلة الثانية؛ فهذا الإنسان العُماني الذي آمنت القيادة الحكيمة بأنه هو أمل الغد والمستقبل، غدا ركيزة رئيسية للفلسفة الحكيمة لجلالة السلطان المعظم -أبقاه الله- فهذه الرؤية ترى أنه من المهم الاهتمام بالبناء البشري والذي يتمثل في التعليم الجيد والتدريب والإعداد اللازم؛ وذلك ليكون جاهزا لمواصلة المسير؛ ففي ذلك الحين كان فالدرب طويل وشاق -كما يقول جلالته في خطاباته ولقاءته- ولكنَّ الثقة المتبادلة والأسس المتينة التي شحذت الهمم للانطلاق نحو نهضة عمرانية واسعة وتنمية شاملة تتوخى الاستدامة، قرَّبت المسافات بلوغ الأهداف والغايات. ليأتى بناء الحجر بعد بناء البشر بعد أنْ اطمأنَّ باني هذه النهضة أن شعبه استوعب الرسالة، ويسير على خطى تلك الحضارة العُمانية، وإرثها المتين، ويشهد على ذلك البحر وأساطيله، والقلاع وتاريخها، ووديان.. كلها تغذينا وتذكرنا دائما بأنْ نكون واعين ومثابرين واثقين بما لدينا، وأننا أبناء اولئك الأجداد الذين نستمدُّ منهم الروح للمثابرة ومواصلة العمل الجاد؛ ففلسفة جلالته ترى أنه "كلما ازداد الشعب تدريبا ووعياً وثقافة، تعامل مع التطور المادي والعمراني على النحو المنشود".

ويؤكِّد الفكرُ المستنيرُ لجلالته -أبقاه الله- أنَّ القوة الخارجية لا تأتي إلا عندما تكتمل عناصر القوة الداخلية؛ فهذا ما يفسر اهتمام جلالته في مطلع النهضة العُمانية المباركة ببناء الإنسان قبل أي شيء، والتأكيد على كسب القلوب ووحدة الصف للانطلاق خارجا، وتكوين سلسة متينة من العلاقات الخارجية والصداقات بين الدول في كافة أرجاء العالم، توثَّقت عبر ما يزيد على أربعة عقود متواصلة، جعلت عُمان وقائدها بوصلة يسترشد بها العالم في مذاهب السلام والحكمة؛ فلم تكن هذه الرؤية تلهو "بالزبد الذي يذهب جفاء"، وإنما تهتم وتمضي فيما ينفع الناس ويمكث في الأرض.

ولم تغفل هذه الرُّؤية الحكيمة مُشاركة المرأة، بل رأت هذه الفلسفة أنَّ المرأة العُمانية شريك فاعل ومؤثر، يجب أن يكون حاضرا في مسيرة البناء في مراحل مبكرة من عمر هذه النهضة، -ولله الحمد- تشرَّفتُ بانْ أحظى بشرف القبول في جامعة السلطان قابوس لأرى بعيني شغف المرأة العُمانية بالتعليم والمشاركة وتلبية نداء الأب؛ فهناك حيث ذلك الصرح التعليمي الشامخ ومبانيه التي تعزِّز فينا معاني الجد والاجتهاد، كنا وزميلاتي من كل المحافظات نمضي على وقع كلمات جلالته التي غُرِست في مَسَامعنا بأنَّ جناح التنمية ينتظرنا وأجنحته ستحلق بنا لنسهم في البناء والإنجاز.

... إنَّ ما تحقَّق من نهضة وعُمران هو نتاج عمل صادق ورؤية واعية من صاحب هذه الرؤية، فكانت عمله وشغله الشاغل، وكرس نفسه ووقته لأجلها ولأجل هذا البلد؛ لذلك فما تحقق من منجزات ومكتسبات تاج فخر، علينا أن نحافظ عليه، وأن نمضي قدما لبلورته لنهج عمل، فكل كلمة قالها جلالته منذ أن تولى الحكم في البلاد هي رؤية ورسالة لكل عُماني بأنَّ العمل الجاد والثقة المتبادلة بين القيادة والشعب، والتلاحم، والتدرج، والانفتاح المحسوب، والمواءمة ما بين التاريخ وروح العصر، والتمسك بالموروث الأصيل، وتأصيل قيم التسامح والسلام، واستنهاض طاقات المجتمع، هي الطريق الصحيح لترجمة وجني ثمار هذه الرؤية السامية الصادقة التي اهتمت بالإنسان منذ انطلاقتها.. وكل عام وعُمان وقائدها بخير.

[email protected]