الخميس, 20 سبتمبر 2018

رفع شعار "أمريكا أولا".. والآن يرفع "درجة حرارة العالم" بانسحابه من اتفاقية المناخ

ترامب يلعب بـ"ترمومتر" 195 دولة تدعم اتفاقية باريس

الأحد 04 يونيو 2017 06:28 م بتوقيت مسقط

ترامب يلعب بـ"ترمومتر" 195 دولة تدعم اتفاقية باريس

 

يخدع المواطن الأمريكي بدعوى حماية الاقتصاد.. متجاهلًا أن التغير المناخي لن يستثني أحدًا

مخاوف من تأثير "الدومينو" وانسحاب المزيد من الدول لإضعاف الاتفاقية

الصين تجدد التزامها بالاتفاقية وتستثمر الفرصة لفرض نفوذها أوروبيًا

 

حكام 3 ولايات أمريكية يتحدّون قرار الرئيس

 

ساندرز: إدارة ظهورنا لجهود الحفاظ على مستقبل الكوكب عمل غير أخلاقي

 

 

 

الرؤية – هيثم الغيتاوي – الوكالات

 

يواصل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب "النظر تحت قدميه" في تعامله مع مختلف القرارات الاستراتيجية على المستويين المحلي والدولي، مستهدفا بالدرجة الأولى - وربما الأخيرة - مغازلة المواطن الأمريكي الذي انتخبه حين رفع الشعار الشعبوي الشهير "أمريكا أولا" خلال جولاته الانتخابية. وتحت الشعار نفسه، فاجأ ترامب العالم بإعلان انسحاب أمريكا من اتفاقية باريس للمناخ، تنفيذا لما ورد في تعهداته الانتخابية، مستخدما المبررات الشعبوية الخادعة ذاتها، بدعوى أن "الاتفاقية تهدف إلى إلحاق الضرر بالولايات المتحدة وإعاقتها وإفقارها"، مُدعيا أّنّ "الشعب الأمريكي سيدفع ثمنها، لأنّها تضر الاقتصاد بشدة، وتكلف الاقتصاد الأمريكي 3 تريليونات دولار في الناتج العام وتقضي على 6 ملايين وظيفة صناعية"، لكنّه تجاهل خطورة ذلك الانسحاب على الاقتصاد والمواطن الأمريكي نفسه على المدى البعيد، إذ أنّ فشل الاتفاقية في تحقيق أهدافها المناخية والبيئية لن يضر دول العالم باستثناء أمريكا، وإنّما سيشمل الضرر الجميع، ولن تنفع أمريكا حينها تريليونات ناتجها العام أو الوظائف الصناعية التي يتباكى عليها رئيس دولة يعمل بعقلية مندوبي المبيعات!

لم ينخدع الجميع بشعار ترامب، إنّما هناك من أدرك أن الرجل لا يخاطر بمستقبل الآخرين فحسب، وإنما يخاطر بمستقبل أمريكا نفسها، التي - ويا للبداهة - تقع على يابسة هذا الكوكب المنكوب! فقد أكد حكام 3 من أهم الولايات الأمريكية، واشنطن وكاليفورنيا ونيويورك، تمسكهم باتفاقية باريس للمناخ متحدين قرار الرئيس. وقال جيري براون، حاكم كاليفورنيا، إن رأي ترامب في أنّ "التغيرات المناخية مجرد خيال يعارض آراء جميع العلماء"، وإن كاليفورنيا وولايات أخرى ستشارك في اتفاقية باريس للمناخ. واتهم أندرو كوامو، حاكم ولاية نيويورك، إدارة ترامب بـ"التراجع عن الزعامة والجلوس في الصف الثاني مقارنة مع الدول الأخرى"، فيما أعلن جاي إينسلي حاكم ولاية واشنطن أن المدن والولايات الأمريكية تتحمل الآن جميع مسؤوليتها عن المناخ.

ووصف زعيم الديمقراطيين في مجلس الشيوخ، تشاك شومر القرار بأنّه "أحد أسوأ التحركات السياسية التي اتخذت في القرن الحادي والعشرين"، مضيفًا أنّه سيسبب أضرارًا كثيرة للاقتصاد الأمريكي والبيئة، بعكس ما صرّح به "ترامب". وأضاف السيناتور الأمريكي، بيرني ساندرز، أنّه في الوقت الذي يسبب فيه التغير المناخي أضرارًا مدمرة ليس من الحق "أخلاقيًا إدارة ظهورنا للجهود الرامية للحفاظ على مستقبل الكوكب للأجيال القادمة"، ونقلت صحيفة "إندبندنت" دموع السيناتور الذي اعتبر قرار ترامب "فضيحة".

وكان المدير التنفيذي لـ"تسلا"، إيلون ماسك، أعلن استقالته من المجلس الاستشاري بالبيت الأبيض، احتجاجًا على القرار. وشدد ماسك أنّه بذل كل جهده لإقناع الرئيس بضرورة الاستمرار في الاتفاقية، واتبعه رئيس "ديزني لاند"، روبرت إيجر الذي يشغل نفس المنصب الاستشاري بمقر الرئاسة الأمريكية، حيث كتب على "تويتر"، إن قراره بالاستقالة "مسألة مبدأ".

وسبق وهاجم باراك أوباما، قرار ترامب قائلًا إنّ "الإدارة الأمريكية ترفض المستقبل"، مشيرًا إلى أنّ الدول المتبقية في الاتفاقية هي التي ستحصد فوائدها على صعيد الوظائف والقطاعات ذات الأنشطة التي تم إحداثها. وأضاف أوباما: "حتى مع غياب القيادة الأمريكية، حتى لو انضمت الإدارة الحالية للدول القليلة الرافضة للاتفاقية، فأنا أثق في الولايات المتحدة بمدنها وشركاتها ستكون على قدر المسؤولية وتساعد في حماية مستقبل الأجيال القادمة على سطح كوكب الأرض".

ويأتي انسحاب أمريكا من الاتفاقية بعد توقيع الرئيس السابق باراك أوباما عليها في عام 2015، فاعتبره الجميع قائدا لمواجهة الاحتباس الحراري وتغير المناخ في العالم.  وكان أوباما قد تعهّد بتخفيض الولايات المتحدة الأمريكية للانبعاثات الضارة المسببة لتغير المناخ بنسبة من 26% إلى 28% مقارنة بانبعاثات 2005 وذلك بحلول عام 2025.

 

أمريكا تُسقِط "الدومينو"

ويعد اتفاق باريس للمناخ أول اتفاق دولي شامل حول حماية المناخ، تم التوصل إليه في 12 ديسمبر عام 2015، في باريس، بعد مفاوضات طويلة بين ممثلين عن 195 دولة وقد دخل حيز التنفيذ في 4 نوفمبر عام 2016، بعد موافقة كل الدول عليه وضمنها الولايات المتحدة في عهد الرئيس السابق باراك أوباما. وبانسحاب أمريكا من الاتفاقية، تنضم إلى دولتين أخرتين لم توقعا على الاتفاقية هما سوريا ونيكاراجوا، حيث ظلت فترة التوقيع متاحة أمام الدول من 22 أبريل 2016 حتى يوم 21 من أبريل 2017. وكانت آخر الدول الموقعة هي أوزباكستان في 19 أبريل.

وتتزايد المخاوف من أن يشجع الانسحاب الأمريكي دولا أخرى على عدم الالتزام بالاتفاقية، وترى "بي بي سي"  أن هناك قيادة أخلاقية للاتفاقية كانت تقوم بها الولايات المتحدة الأمريكية وتخلت عنها، لذلك ينظر للانسحاب على أنه خطأ تاريخي سينظر إليه الأجيال القادمة وتشعر بالصدمة من كيفية تخلي الدول التي تقود العالم عن الواقع والأخلاق. كما أن التوصل لاتفاقية باريس للمناخ كان تحت مظلة أمريكية صينية، واستطاع أوباما والرئيس الصيني شي جين بينج التوصل إلى أرضية مشتركة لبناء ما يسمى "تحالف بطموح كبير" بجانب دول صغيرة والاتحاد الأوروبي.

ومن جانبها، أعادت الصين مؤخرا التأكيد على التزامها بالاتفاقية ومن المفترض أن تصدر بيانا مع الاتحاد الأوروبي للتعهد بعمل أوسع لإيقاف انبعاثات الكربون. ويعتبر ذلك فرصة للصين لفرض نفوذها أوروبيًا. ومن جانب آخر، سيُغضب قرار ترامب الشركات الكبرى في الولايات المتحدة والتي أعلنت تأييدها لاتفاقية باريس، من بينهم شركة جوجل وأبل، ومئات الشركات الأخرى التي تشمل عاملين في مجالات الطاقة مثل إكسون موبيل، والذين طالبوا ترامب صراحة بالالتزام بالاتفاقية.

أّما فرنسا التي شهدت الزخم المصاحب للاتفاقية ذاتها، فقد انتقدت انسحاب الولايات المتحدة من اتفاق باريس للمناخ، وأعاد مسؤولون فرنسيون صنع مقطع فيديو للبيت الأبيض من خلال تعديل الجُمل التي توضح لماذا كان اتفاق باريس للمناخ "صفقة سيئة" لأمريكا.

ويعد هذا الفيديو الذي نشرته وزارة الشؤون الخارجية الفرنسية على "تويتر" أحدث رد فرنسي على قرار الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، بالانسحاب من اتفاق باريس للمناخ الذي توسط الأمم المتحدة لإبرامه. وفي مقطع الفيديو الأصلي الذي تبلغ مدته 40 ثانية، ونشرته أمريكا تفيد الجملة الأولى: "اتفاق باريس صفقة سيئة لأمريكا". أما النسخة الفرنسية الجديدة، فتفيد: "ترك اتفاق باريس هو صفقة سيئة لأمريكا والعالم".

ويدحض الفيديو الفرنسي الحجج الرئيسية في الفيديو الأمريكي باستخدام جمل جديدة تحتوي على تعديلات نصية. على سبيل المثال، تؤكد النسخة الأمريكية أن الصفقة المناخية "تقوض القدرة التنافسية والوظائف الأمريكية". وفي حين يضيف الفيديو الفرنسي: "لا تتفق الشركات الأمريكية الكبرى من جميع القطاعات مثل إكسون موبيل وشنايدر إلكتريك أو ميكروسوفت" (مع ذلك التصريح). وعندما يزعم فيديو البيت الأبيض بأن الولايات المتحدة أنشأت صندوقاً طموحاً بقيمة 3 مليارات دولار، فإن الفيديو الفرنسي يشير إلى أن الالتزام المالي الأمريكي لصندوق "المناخ الأخضر" أقل من التزامات بلدان كثيرة أخرى، بما فيها ألمانيا وفرنسا. وتشمل التعديلات الأخرى مبادلة "التفاوض بشكل سيء" بـ"التفاوض الشامل".

ويأتي ذلك بعد تصريح الرئيس الفرنسي، المنتخب حديثاً، إيمانويل ماكرون، مستخدماً شعار حملة ترامب الانتخابية "لنجعل أمريكا عظيمة مجدداً"، للدعوة إلى الالتزام باتفاق باريس للمناخ، عبر قوله: "لنجعل كوكبنا عظيماً مجدداً".

وقد أجمعت ردود الفعل الدولية على التعبير عن خيبة أمل إزاء هذا الإعلان، الذي اعتبرته الأمم المتحدة بمثابة "خيبة أمل كبرى"، وذلك في ظل توقعات منظمة الأرصاد العالمية التابعة للأمم المتحدة بأن يؤدي قرار انسحاب الولايات المتحدة من اتفاقية باريس للمناخ إلى زيادة درجات الحرارة العالمية بحلول نهاية القرن في أسوأ سيناريو محتمل. وقال ديون تربلانش، مدير إدارة أبحاث الغلاف الجوي والبيئة بمنظمة الأرصاد العالمية، في بيان، إن هذا مجرد تقدير لأنه لم يتم تشغيل أي نماذج مناخية لقياس التأثير المحتمل للقرار.

وقال الإثيوبي جيبرو جيمبر إندالو الذي يقود مجموعة الدول النامية وعددها 48 في مفاوضات الأمم المتحدة بشأن المناخ عن قرار ترامب "سيكون الأمر أصعب بالنسبة لنا".  لكنه أضاف أن الدول الأفقر من أفغانستان إلى زامبيا ليست لديها خطط للانسحاب من اتفاقية باريس. وقالت كلير شاكيا وهي مديرة تغير المناخ في المعهد الدولي للبيئة والتنمية وهو منظمة بحثية مقرها لندن "تمويل المناخ هو أكبر مشكلة (من قرار ترامب) وهو الأهم من الناحية الجغرافية السياسية".

 

اقتصاد أكبر.. انبعاثات أكثر

وتنص الاتفاقية على أن الدول المتقدمة مثل الولايات المتحدة الأمريكية ستساعد في تحول الدول النامية نحو مصادر أنظف للطاقة، وعليها تقديم 100 مليار دولار بحسب الاتفاقية (إذ يتسبب اقتصادها في صدور انبعاثات ضارة بدرجة أكبر على مدار التاريخ). وتهدف الاتفاقية إلى منع التدخلات البشرية الخطيرة في النظام المناخي والتي تشمل انبعاثات الغازات الدفيئة، وتسعى أيضًا إلى حشد عالمي لمواجهة تهديد التغير المناخي.  كما تنص الاتفاقية التي تسعى لتحويل الاقتصاد العالمي عن الوقود الأحفوري خلال هذا القرن، على ضرورة انتظار واشنطن رسميا حتى نوفمبر 2020 قبل الانسحاب من الاتفاقية. ومن المقرر أن تساعد الاتفاقية على خفض الانتاج في قطاعات الورق بنسبة 12% والأسمنت بنسبة 23%، والحديد والصلب بنسبة 38 % بحلول عام 2040.

وقد بدأت درجة حرارة الأرض في الارتفاع منذ نهاية ستينيات القرن الماضي، وهي ظاهرة يرجعها مختصون إلى انبعاث الغازات المسببة لظاهرة الاحتباس الحراري.

ويشمل الاتفاق الذي تم إقراره بباريس في اختتام قمة المناخ 2015، تعهد المجتمع الدولي بحصر ارتفاع درجة حرارة الأرض وإبقائها "دون درجتين مئويتين"، قياسا بعصر ما قبل الثورة  الصناعية، وبـ "متابعة الجهود لوقف ارتفاع الحرارة عند 1,5 درجة مئوية". وهذا يفرض تقليصا شديدا لانبعاثات الغازات المسببة للاحتباس الحراري باتخاذ إجراءات للحد من استهلاك الطاقة والاستثمار في الطاقات البديلة واعادة تشجير الغابات. وتؤكد دول عديدة، خصوصا الواقعة على جزر والمهددة بارتفاع مستوى البحر، على أنها ستصبح في خطر في حال تجاوز ارتفاع حرارة الأرض 1,5 درجة مئوية.

وتتمثل أحد أهم إجراءات الاتفاق في وضع آلية مراجعة كل خمس سنوات للتعهدات الوطنية التي تبقى اختيارية. وستجري أول مراجعة إجبارية في 2025 ويتعين أن تشهد المراجعات التالية "إحراز تقدم". وفي 2018، تجري الدول المنضمة للاتفاقية أول تقييم لأنشطتها الجماعية وستدعى في 2020 على الأرجح لمراجعة مساهماتها. ويتعين أن تكون الدول المتقدمة "في الطليعة في مستوى اعتماد أهداف خفض الانبعاثات"، في حين يتعين على الدول النامية "مواصلة تحسين جهودها" في التصدي للاحتباس الحراري "في ضوء أوضاعها الوطنية".

وفي الوقت الذي كانت فيه الدول النامية حتى الآن خاضعة لقواعد أكثر تشددا في مجال التقييم والتثبت في المبادرات التي تقوم بها، نص اتفاق باريس على أن النظام ذاته ينطبق على الجميع. وكانت هذه النقطة شديدة الأهمية بالنسبة للولايات المتحدة. غير أنّه تمّ إقرار "مرونة" تأخذ في الاعتبار "القدرات المختلفة" لكل بلد.

وقد عدت الدول الغنية في 2009 بتقديم مئة مليار دولار سنويا بدءًا من 2020 لمساعدة الدول النامية على تمويل انتقالها إلى الطاقات النظيفة، ولتتلاءم مع انبعاثات الغازات المسببة للاحتباس الحراري التي تعتبر هي أولى ضحاياها. كما طالبت الدول النامية في نص الاتفاق على اعتبار مبلغ المئة مليار دولار سنويا ليس سوى "حد أدنى". وسيتم اقتراح هدف جديد في 2025. وترفض الدول المتقدمة أن تدفع وحدها المساعدة، وتطالب دولا مثل الصين وكوريا الجنوبية وسنغافورة والدول النفطية الغنية أن تساهم. ويعني ذلك مساعدة الدول التي تتأثر بالاحتباس الحراري، حين تصبح المواءمة غير ممكنة وتشمل الخسائر التي لا يمكن تعويضها المرتبطة بذوبان كتل الجليد أو ارتفاع مستوى المياه مثلا.

وتعزز قمة باريس 2015 الآلية الدولية المعروفة بآلية وارسو، والتي لا يزال يتعين تحديد إجراءاتها العملية. وهذه المسألة حساسة بالنسبة للدول المتقدمة خصوصا الولايات المتحدة، التي تخشى الوقوع في مساءلات قضائية بسبب "مسؤوليتها التاريخية" عن التسبب في الاحتباس الحراري. وتوصلت هذه الدول إلى إدراج بند يوضح أن الاتفاق "لن يشكل قاعدة" لتحميل "المسؤوليات أو (المطالبة) بتعويضات.