الأحد, 18 نوفمبر 2018

مقال : منظومة القوى الناعمة

السبت 06 مايو 2017 11:53 م بتوقيت مسقط

 

حاتم الطائي

رسمت البشرية منذ القدم سياسات عديدة لإدارة علاقات أفرادها ببعضهم البعض، وتباينت أدوات التعاطي مع المشكلات، سواء بالقوى العسكرية أم بغيرها، لكن هناك قوى أخرى لم يتقنها إلا القليل، ولم يمسك بأهدابها سوى الماهرين، أحرزت نجاحًا مثاليًا في ضبط بوصلة العلاقات بين مختلف الأطراف؛ إنّها القوى الناعمة، تلك العناصر المؤثرة بصورة لا مثيل لها في صياغة الوشائج بين بني البشر، سواء كانوا أفرادًا أم دولا.

هذه المنظومة من السياسات المتنوعة والمتداخلة تجتمع تحت مظلة واحدة، وتستمد قوّتها ووقود تحرّكها من الأفكار الإنسانيّة القائمة على حل المشكلات بالطرق السلميّة، عبر الحوار والمصالح المشتركة والشراكات البناءة.

هي مصفوفة رياضيّة متى ما تمّ تطبيقها أفرزت النتائج التي لا تقبل الجدل، تمزج قيم السلام مع مبادئ التسامح وأسس العدل، فتشكل قاعدة راسخة لكيان حضاري سامق، ينشر أشعة التنوير والتآخي في العالم أجمع. وعادة ما تتألف هذه المصفوفة من الفنون بأنواعها والآداب بصنوفها والدبلوماسيّة بحنكتها، لتكون اليد السحرية التي تجمع الأضداد على مائدة السلام، والبوتقة التي تتقولب في داخلها السياسات الخارجية للدول، فتستحيل منهاج عمل وخارطة طريق؛ ترسم ملامح المستقبل أيًا كانت الظروف والمعطيات. وهذه القوى الناعمة لم تفكر يوما في الاعتماد على السلاح والمال بقدر ما تستند على الرؤى النبيلة والتوجهات المخلصة الرامية لنشر الفنون والعلوم والرياضات.

لقد أصبحت القوى الناعمة، في عصرنا الآن، نمطًا أساسيًا في كسب العقول وتطويع العواطف وتحييد الأنظمة؛ عن طريق التسامح وقبول الآخر. ومما يزيد من أهمية هذه القوى؛ تنوّع أنماطها، وتعدد أشكالها، وابتعادها عن الأنماط التقليدية في إدارة دفة العلاقات.

الدبلوماسيّة المرنة أحد أبرز أشكال هذه القوى الناعمة؛ هذه الدبلوماسية التي تنتهج مبدأ الحوار وتبادل الآراء لحل المشكلات، دون تفريط في ثوابت أو انتهاك لحقوق..

وإذا عدنا بالوراء قليلا إلى مطلع العقد الأخير من القرن الماضي، نجد أنّ هذا المصطلح الفريد "القوى الناعمة" قد صكّه أستاذ العلوم السياسية الأمريكي جوزيف ناي، فوصفها بأنّها القدرة على كسب الدعم والتأييد دون إكراه، والضغط بأدوات الدبلوماسية لتحقيق الأهداف. وهذا التعريف يكاد يكون الأكثر دقة والمعبر الأفضل عن هاتين المفردتين.

إنّ أمثلة الدول التي استطاعت أن تبلور هذا المفهوم إلى سياسة ودور عالمي متنوعة، فمن يطبق هذا المفهوم يرتكز على أسس حضارية متينة، ويسير على درب قويم لا يحيد عن قيم الحق والخير والجمال، فقد اعتمدت اليابان- مثلا- في قوتها على مخزون تكنولوجي هائل يقوم عموده الفقري على قاعدة الفرد المنتج لهذه التكنولوجيا، فاليابان واحدة من الدول القلائل التي أدركت مبكراً أهمية الاستثمار في الإنسان، وبدأت ببناء فكره قبل صناعة الآلة، وهذا ما انعكس على الفرد الياباني وعاد بالنفع عليه، وانتقل الأمر بعد ذلك إلى المحيط الأسري، ثمّ المجموعة فالمجتمع بأسره.. ذلك المخزون الثقافي هو الذي دفع اليابان إلى احتلال المقدمة بين الدول في العديد من الصناعات، وباتت التقنيّات اليابانية تغزو دول العالم، وفي كل منزل على وجه البسيطة.

إننا نعيش عصرًا يشهد تطوّرات تقنية متسارعة، وانفتاحا للحدود أمام تدفق المعلومات والمعارف، فباتت القوة تتخذ أشكالا غير تقليدية عمّا كانت عليه في السابق.. ففي الماضي ارتبطت القوة بالجيوش ومتانة الاقتصاد والثروات البشرية وغيرها من عوامل، لكن عالم اليوم بصدد نمذجة سياسات أخرى مغايرة، تستند في جوهرها على الإبداع الثقافي والفنّي، والمصالح المشتركة القائمة على المنفعة الثنائية..

وهنا في عمان الحبيبة، تمثل سياسات السلطنة الخارجية واحدة من أبرز النماذج لمفهوم القوى الناعمة، فالجميع حول العالم يشيد بسياساتنا الحكيمة التي أرسى دعائمها حضرة صاحب الجلالة السلطان المعظم- أيّده الله- تلك السياسات هي التي صنعت من عمان المجد أنموذجًا فريداً يضرب به المثل في التسامح وتميّز العلاقات الدولية، فباتت مسقط واحة للسلام العالمي، لما احتضنته من مؤتمرات ومشاورات سياسية بين أطراف ظنّ العالم أنّها لن تجتمع على مائدة واحدة!

القوى العمانيّة الناعمة تبدأ من حضارتنا الضاربة في القدم، من أقصى شرق آسيا؛ حيث ثقافة السلام والمودة والإسلام التي نشرها التجار والبحارة العمانيون في رحلاتهم، وحتى دول الشرق الإفريقي.. القوى الناعمة تتجسد في التنوّع الثقافي على هذه الأرض الطيبة، فالمؤشرات العالمية تؤكد أنّ السلطنة أكثر دول العالم ترحيبا بالأجانب، والجميع يسعى ليعيش بيننا، وهناك من ترك بلاده وراء ظهره لينعم بجمال طبيعتنا وثقافتنا الأصيلة.

إنّ نافذيّة القوى الناعمة قادرة على اختراق أشد الموانع حصانة، لتنشر المحبة والإخاء، وتتفاعل مع محيطها الإقليمي على أسس عادلة من حسن الجوار والعلاقات القائمة على المصالح المشتركة، لتنطلق إلى العالم أجمع برسالة حب ووئام تقول بأعلى صوت: "هنا عمان الخير والسلام".