الجمعة, 16 نوفمبر 2018

مقال : ربع قرن على أطروحة نهاية التاريخ عند الليبرالية

السبت 22 أبريل 2017 06:27 م بتوقيت مسقط

 

عبدالله العليان

يمر هذا العام ربع قرن على أطروحة نهاية التاريخ وخاتمة البشر للمفكر الأمريكي/ الياباني والتي تحولت إلى كتاب بهذا العنوان، والذي تنبأ فيه بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، في أواخر الثمانينيات من القرن الماضي، وقال إن التاريخ توقف عند الليبرالية الرأسمالية الغربية وأغلق تماما عند هذه النظرية، فهي النموذج النهائي للتطور البشري الإيديولوجي للإنسانية، وبالتالي تمثل نهاية التاريخ بحيث إنّ كل الفلسفات والأيديولوجيات الفكرية، لن يكون لها نصيب في الحياة بعد ذلك، وقال ما نصّه في خلاصة تطور رؤيته للتطور البشري في انتهاء الأفكار وتوقفها عند النموذج الأمثل، ووصف ذلك "كما لو كان قطاراً طويلاً من العربات الخشبية التي تجرها الجياد متجهة إلى مدينة بعينها عبر طريق طويلة، بعضها حددت رؤيتها بدقة، والبعض الآخر تعرض لهجوم من (الأوباش)، والبعض الأخر أنهكته الرحلة الطويلة، فقرر اختيار مكان وسط الصحراء للإقامة فيه، وتنازل عن فكرة الوصول إلى المدينة، بينما من ضلوا الطريق راحوا يبحثون عن طرق بديلة للوصول إلى المدينة، وفي النهاية يجد الجميع أنفسهم مجبرين على استعمال نفس الطريق- ولو عبر طرق مختلفة- للوصول إلى غايتهم. وفعلاً تصل أغلب العربات إلى المدينة في النهاية. وهذه العربات - كما يقول فرانسيس فوكوياما - عندما تصل لا تختلف عن بعضها البعض إلا في شيء واحد، هو توقيت وصولها إلى المدينة، سرعة أو بطء وصولها.. إلى الديمقراطية الليبرالية.. ومن ثمّ نهاية رحلتها الطويلة.. نهاية التاريخ". ومن أبرز الكتاب الذين ناقضوا نظرية (نهاية التاريخ) بانتصار الليبرالية الغربية المؤرخ الأمريكي جاك بارزن الذي نشر مقالاً بعنوان (مقولة الديمقراطية) نفى فيها نفياً  قاطعاً وجود نظرية موحدة للديمقراطية وأكّد وجود العديد من الأفكار الديمقراطية التي لا يربطها نسق فكري واحد، وذهب إلى أبعد من ذلك حين أكد أنّ الديمقراطية الأمريكية مثلها في ذلك مثل الديمقراطية الإنجليزية لا يمكن تصديرها للخارج لأنّ فهم ما في الديمقراطية ليس في مقولاتها التي تقوم عليها أيا كانت، ولكن في طريقة تطبيقها وفي المؤسسات التي تقوم على آلية التطبيق، وهذه مسألة لصيقة بالتاريخ الاجتماعي الفريد لكل مجتمع وهي الحاسمة في موضوع الممارسة الديمقراطية.

لكن الأصح أن انتصار الليبرالية الغربية كما صورها بعض الكتاب أن الصراع الذي قام بين القطبين العالميين (الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفييتي سابقاً) كان صراعا على المصالح والغنائم من خلال التسابق على التسلح والحرب الخفية الباردة بأشكالها المختلفة من أجل إضعاف الآخر وهزيمته، وانتهى طبعاً بسقوط الاتحاد السوفييتي وانهيار نظامه.. هذا السقوط فاجأ الخصم الآخر - الولايات المتحدة - فسارع إلى استثمار هذا السقوط بالإعلان عن تفرده بقيادة العالم بل و (نهاية التاريخ) في الصراع الفكري والحضاري بهذا الانهيار. هذه التنبؤات والتخمينات موجودة في كل العصور. فقد انتقت الماركسية بعض مراحل التاريخ وصورته بـ (الحتمية التاريخية) فهم لم يأخذوا التاريخ كله كنموذج ليستنبطوا منه فنون حركته، كما د. مصطفى محمود، "وإنما أخذوا بعض مراحل التاريخ وفقرات هي التي وجدوا فيها مصداقية كلامهم وأغفلوا الباقي.. وما كان لأحد أن يحيط بالتاريخ كله ولو أراد، وما وصلنا من التاريخ ربما بعضه خضع للأهواء والميول، فالمادة التاريخية مادة خادعة وهي بطبيعتها متعددة المصادر ومتناقضة ومتضاربة ولا يمكن استيفاؤها كلها ولا جمعها كلها بيقين كاف كي يقول فيلسوف التاريخ إلى القول بنظرياته، أو أنه استنبط منها قانون مطلقاً وقول هذا الكلام هو السذاجة بعينها.

ولكن الفكرة الموضوعية العلمية الأمينة - كما يقول - لا تقول بأكثر من الترجيح والاحتمال، فالقوانين الإحصائية كلها قوانين احتمالية وكلها ترجيحات لا ترتفع للمستوى أو على الأصح إلى مرتبة الحتمية أو الإطلاق، ثم إنّ الإنسانيات لا تجوز فيها الحتمية لأنّ الناس ليسوا كرات (بلياردو) تتحرك بقوانين فيزيائية، لكنهم مجموعة إرادات حرة تدخل في علاقات معقدة يستحيل فيها التنبؤ بقوانين مادية.. وهذا ما وقع فيه فوكوياما". وقبل سنوات صدر كتاب حمل عنوان (الإسلام والحداثة والربيع العربي)، وهو عبارة عن حوارات أجراها الباحث السوري د. رضوان زيادة، تحدث فيها صاحب أطروحة نهاية التاريخ عن رأيه في القضايا التي استجدت بعد هذه الأطروحة، وأصبح معتدلا في أفكاره التي قال فيها بنهاية التاريخ عن الليبرالية الرأسمالية، وانتقد بعض السياسات الأمريكية في تعاطيها مع القضايا العربية. ويعترف أنّ هذه الأطروحة جاءت في سياق انهيار المعسكر الاشتراكي والنظم الشمولية في أوروبا الشرقية، ولم تأت نتيجة طرح موضوعي هادئ بعيدا عن الزهو بانهيار الكتلة الشيوعية الذي يقودها الاتحاد السوفيتي آنذاك.

ولاشك أنّ لاندفاعه -فوكوياما- في جعل الرأسمالية الغربية هي أقصى ما تصل إليه البشرية، تخمينات لا ترقى إلى علم المستقبليات التي تتوقع أشياء بناء على استقراءات واقعية ورؤى لما يأتي في المستقبل. لكن ما قاله فوكوياما هو عبارة زهو بما حصل للفكر الاشتراكي من انهيار من خلال النظم الشمولية في المعسكر الشرقي، وهذا الانهيار لا يعبر عن انتصار الليبرالية الرأسمالية بقدر ما يكشف عن سوء الإدارة في النظم الاشتراكية والقمع والقهر والاستبداد الذي صاحب هذه النظم مما جعلها تتراجع وتنهار بالصورة التي تمّت في أواخر الثمانينيات من القرن الماضي.