الأربعاء, 17 أكتوبر 2018

مقال : نحو تكريس ثقافة السلام

الإثنين 16 يناير 2017 06:22 م بتوقيت مسقط

 

د.يحيى أبوزكريا

لا يختلفُ عاقلان في أنَّ ما يجري اليوم في العالم العربي والإسلامي سيُرخي بظلاله على أجيال مُقبلة قد يصعُب أن تتخلص من تعقيدات الراهن وإرباكاته في كل المُستويات.. وفي خضم فورة الدَّم والهيجان الأمني والزلازل الأمنية أصبح العقل مهمشاً وحلّ محلّه العنف والعنف المضاد الذي أعاد الأمة الإسلامية إلى درجة ما قبل الصفر، فالتراجع سيد الموقف في كل المجالات الإستراتيجية والثقافية والعسكرية والأمنية والتنموية والاقتصادية والسياسية.

ويجب أن يعرف الجميع مهما كانت مشاربهم السياسية والآيديولوجية والعقدية أنَّ الإسلام الذي هو دين الجميع يأمر بالصُلح والمحبة والتشاور والتناصح، ويحرّم القتل والقتل المضاد، ويدعوإلى السلم والتلاقي. وهذه بعض آيات السلم والسلام الموجودة في كتاب الله تعالى المرجع الذي يؤمن به كل المُسلمين بمختلف طوائفهم ومذاهبهم (وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمْ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ...) (1) النساء: 94. و(قَدْ جَاءَكُمْ مِنْ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنْ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ...) (2) المائدة: 15 ـ 16. و(وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ) (3) الأنعام: 54. و(لَهُمْ دَارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُو وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (4) الأنعام: 127. و(وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ) (5) الأعراف: 46. و(دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنْ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) (6) يونس: 10. و(وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ) (7) يونس: 25. و(قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ) (8) هود: 48. و(وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلاماً قَالَ سَلامٌ) (9) هود: 69. و(وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ * سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ) (10) الرعد: 23 ـ 24. وغيرها الكثير من الآيات.

فالسلام بين المُسلمين وغيرهم فريضة إسلامية، يجب أن ينصاع لها الجميع، وبعيدًا عن الانفعال يجب أن تتجه النخب العربية والإسلامية إلى فعل النقاش الحضاري إنقاذاً للراهن والمستقبل. ومن الأولويات المطروحة اليوم مسألة حقن الدماء وحفظ الأنفس والأرواح والأعراض والخروج من دائرة التَّكفير والتكفير المضاد وحصر الخلافات المذهبية والفقهية في الإطار العلماني وعدم الزج بالخلافات إلى الشعوب العربية والإسلامية أو الفضائيات الإعلامية، ليتم نبذ كل ما من شأنه تكريس الكراهية والبغضاء بين المُسلمين.

المُسلمون كل المسلمين في الراهن ليسوا مسؤولين عن مجريات التاريخ الإسلامي وهم ملزمون شرعًا بالالتزام بالنص القرآني والنبوي، وكل ما من شأنه أن يُعكِّر صفو تلاقي المُسلمين يجب أن يطرح جانبًا وعد استثماره في الأدبيات السياسية والمنابر وغيرها.. الفرد مسؤول والمجموع مسؤولون في العالم الإسلامي وأول ما يقضى في الدماء، وليعتبر كل مسلم نفسه مسؤولاً عن وقف شلال الدم المفتوح في العالم الإسلامي.

وعلى الصعيد السياسي الرسمي على النُّظم العربية والإسلامية أن تنهج مبدأ العدل الذي هو أساس الملك، فالعدل في الحكم يورث الطمأنينة والسلام وتتيح الحرية ضمن الثوابت الإسلامية أن يكون النقاش أي نقاش في إطاره النظري. وقبل الشروع في تقويم النُّظم والجماعات يجب أن نُقرر كمسلمين نبذ الشتائم والسُّباب والتكفير واللعن وكل ما نهانا عنه الإسلام الحنيف، وسيؤدي تنقية الأجواء والفضاء الإعلامي والسياسي والحركي من خطاب الانفعال والحقد والشتم والتخوين إلى تهيئة المناخ العام لمصالحة شاملة في العالم الإسلامي.

وهذه الأهداف الكبرى المنشودة لا يُمكن أن تتأتى فجأة بل يجب أن تصبح قناعة فكرية للجميع، وإرادة التلاقي والمصالحة أقوى من إرادة التفتيت، حفاظًا على إرث الإسلام ووصية الرسول عليه الصلاة والسلام: "لا تعودوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض".

[email protected]