الأربعاء, 14 نوفمبر 2018

مقال : تشويه صورة الوطن

السبت 07 يناير 2017 07:19 م بتوقيت مسقط

 

د. سليمان المحذوري

أطلّت علينا وسائل الاتصال والتواصل الحديثة بغثها وسمينها مثل: الفيس بوك، والتويتر والواتس أب الانستجرام وغيرها، والعاقل من يستثمرها لمصلحته وفائدته. وحتى فترة ليست ببعيدة لم أشأ شخصياً الولوج فيها سيما في فترة الدراسة لأني كنت متأكداً أنّها ستسحب مني جلّ الوقت وكان توقعي وحدسي في مكانه تماماً آنذاك. بيد أنّ الابتعاد عنها ومقاطعتها في هذا الوقت بالذات لم يعد خياراً مُناسباً وإلا لاكتشفتا أننا تأخرنا عن الركب، ولم يعد بمقدورنا مجاراة ما يدور حولنا، والتخاطب مع أبنائنا بذات اللغة التي يتحدثون بها حالياً.

وأجدني لا أذيع سراً إن قلت إنّ هذه الوسائل بها ما بها من الفوائد التي لا تُعد ولا تُحصى إن استخدمناها لأجل هذا الغرض؛ من حيث سرعة الوصول للمعلومة وتبادلها؛ بل إنّ الجيل الحالي يُعد جيلاً محظوظاً إذ توفر لديه ما لم يتوفر لغيره.

وفي المقابل فإن لهذه الأدوات جوانب سلبية- إن أسيء توظيفها- يُمكن أن تُدمر وطناً بأكمله والشواهد ماثلة أمامنا، كما يُمكن بواسطتها نشر إشاعات لا أساس لها من الصحة، وتشويه صورة مجتمعات كانت آمنة مطمئنة. ومن هذا المنطلق وإسقاطاً على مجتمعنا العُماني ومن خلال متابعتي لما يُنشر أجد أحياناً تداول صور ومقاطع تسخر من الرجل العُماني أو المرأة العُمانية بداعي تبادل النكات، وأحيانا إنتاج مقاطع مرئية أو مسموعة ساخرة تخص منطقة معينة أو قبيلة بعينها، مقاطع غير مألوفة لا تمت لعاداتنا وأخلاقنا وقيمنا العُمانية العربية الإسلامية بشيء. وهذه الصور والمقاطع بطبيعة الحال هي ليست حكراً على مجتمعنا، ولا تبقى حبيسة في حدودنا؛ خاصة مع ربط جميع دول العالم بفضاء إلكتروني رحب؛ إذ أضحى العالم كقرية صغيرة، وبالتالي كل ما يُنتج هنا أو هناك يصبح في بضع ثوان مُتاحاً ومُشاعاً للعالم بأسره.

ولأجل أن أقترب من لب الموضوع ويكون الكلام دقيقاً أضرب مثالاً لما تمّ تداوله مؤخراً عن ولاية الرستاق التي أتشرف بأنّي ولدت فيها وأنتمي لها؛ إذ انتشر مقطع ساخر عن هذه الولاية العريقة والعجيب أنّ هذا المقطع وصلني من خارج الحدود وهنا تكون المسألة أمرّ وأدهى من وجهة نظري. وصدقاً لم أستطع أن أكمل الاستماع إلى ما تضمنه المقطع من هراء وغُثاء مسّ جزءا من هذا الوطن العزيز. وجراء ذلك أصبت بالغثيان لما وصل إليه شبابنا من اللامسؤولية واللاوعي بخطورة هكذا أفعال، وعدم التعاطي مع التكنولوجيا وتوظيفها بحنكة وفطنة، وعدم تقدير الأمور ووضعها في ميزان العقل والحكمة.

وأنّا هنا لست بصدد تعديد مناقب هذه الولاية العريقة الضاربة بجذورها في عمق التاريخ بقادتها وعلمائها وأدبائها وشعرائها وتراثها؛ فشهادتي فيها مجروحة وكما قال ابن شيخان السالمي:

 

وما الرستاق إلا عرش ملك

عليه يستوي المسعود قهرا

ومع يقيني التام بأنّ هذا المقطع لا يهزّ شعرة من مكانة الرستاق وأهلها، كما إنني أُدرك تماماً أنّ هذا المقطع لا يُمثل إلا صاحبه الجاهل غير الواعي إلى أنّه أساء إلى الوطن برمته. وكما أننا لا نختلف على ضرورة أن تنال مثل هذه الفئه جزاءها فكما قيل "من أمن العقاب أساء الأدب"؛ بيد أنّ "الوقاية خير من العلاج " كذلك. وهذا يتمثل في تكثيف الجوانب التوعوية بكل أشكالها للجيل الحالي حول كيفية التعامل مع وسائل التواصل الحديثة وما لها وما عليها، وبالتالي تثقيف المجتمع بدءاً من الأسرة والمدرسة حتى لا يقع أبناؤه في هكذا انزلاقات قد لا تكون مقصودة ولكن في نهاية المطاف تؤدي إلى ما لا يُحمد عقباه. ولا بد من تضافر الجهود وتكاملها بين الجهات ذات العلاقة للتصدي إلى مثل هذه الظواهر واحتوائها. آخذين في الاعتبار ضرورة توعية النشء بأهمية التعامل مع التكنولوجيا الحديثة وتوظيفها ايجابياً، وأنّ عُمان هي نسيج واحد، وكل شبر من عُمان ومن يعيش عليه يمثل عُمان كلها، وبالتالي فإنّ الإساءة بقصد أو غير قصد لجزء من الوطن أو من ينتمي إليه هو إساءة للوطن بأسره، وأنّ كل ما يُنشر يُصبح مُتاحاً للجميع في عُمان وخارجها. فالحذر الحذر من التعامل مع الوسائل الحديثة؛ وينبغي علينا ألا نسمح بمرور الرسائل المستهجنة التي تمسّ سمعة هذا البلد الطيب؛ فعُمان فوق كل اعتبار، ورفقاً بهذا الوطن يا شباب.

[email protected]