الخميس, 15 نوفمبر 2018

مقال : "المجالس البلدية".. ملاحظات على الفترة الأولى

الأربعاء 21 ديسمبر 2016 05:25 م بتوقيت مسقط

 

 

د. صالح المسكري

 

حدَّد فقهاء السياسة الشرعية أوصافاً لأهل الحل والعقد، أو أهل الشورى أو أهل الاختيار، كما كانوا يُسمونهم.. ومن ذلك قول الإمام النووي: "إنهم العلماء والرؤساء ووجوه الناس"، وقول أبي ذر الغفاري: "هم المؤتمنون أو أهل الرأى والتدبير"، وقول الماوردي بأنَّ الشروط المعتبرة في أهل الحل والعقد هي "العدالة والرأي والحكمة"، وقول حسين غباش في كتابه "عُمان الديمقراطية الإسلامية": "هم القضاة والمؤرخون والعلماء، وهم المرجع الروحي والأخلاقي للمجتمع وضميره"، كما يقول عبدالله الطريقي في كتابه "أهل الحل والعقد.. صفاتهم ووظائفهم": "إنَّهم المتبعون في الأمة، الحائزون على ثقتها ورضاها لما عرفوا به من تقوى وعدالة وحُسن رأي ومعرفة الأمور، والحرص على مصالح الأمة".

ويتَّضح مما سبق أن صفات العدل والأمانة والحنكة السياسية والخبرة العملية إضافة إلى الإلمام بجوانب من الدراسات العلمية والإنسانية شروطا عامة يجب أن تتوافر فيمن يرشحون أنفسهم للمجالس النيابية اليوم، سواءً كانت مجالس برلمانية أم مجالس بلدية، وقد حدد قانون المجالس البلدية رقم 116/2011 وفق المادة الثامنة شروطاً للترشح للمجالس البلدية تتسم بالمرونة واليُسر وفي متناول جميع المواطنين، واكتفت هذه المادة بأن يكون المترشح من ذوي المكانة والسمعة الحسنة ولديه مستوى مقبول من الثقافة والخبرة العملية، وأن لا يكون موظفاً في الحكومة أو عضواً في الهيئة البرلمانية المتمثلة في مجلسي الدولة والشورى.

ويقع على الناخببين دور مهم في اختيار الأشخاص الثقات الذين يتحملون المسؤولية الأمناء على مقدرات وسمعة البلاد، ويسعون مع الحكومة لتوفير الحاجات المناسبة لمعيشة المواطنين وفق الإمكانيات المتاحة؛ فالناخبون هم الذين يحددون باختيارهم شكل المجالس البلدية ومستوى أدائها، ويقررون نجاحها ومدى الحاجة اليها أو الاستغناء عنها، وأيضاً بيد الناخبين أو الأنصار الذين يمارسون حقهم الانتخابي أن يتجردوا من عواطفهم الشخصية، وأن يكونوا مُحايدين، ويقدموا المصلحة العامة على المصالح الخاصة ليرتقوا بوطنهم ومستوى معيشتهم، أو أنهم يتداعون الى اختيار الصديق والزميل وابن العائلة أو القبيلة، وأن كان دون المستوى ليسيئوا إلى أنفسهم وإلى مجتمعاتهم ويضروا بالمصلحة العامة.

وفي الخامس والعشرين من شهر ديسمبر الحالي، تفتح المجالس البلدية صفحة أخرى في سجل نشاطها وعملها الوطني ببدء الانتخابات البلدية للفترة المقبلة 2017-2020 في كافة محافظات السلطنة، بعد فترة أولى بدأت في العام 2012م، واستمرت أربع سنوات شاركت خلالها المجالس البلدية في وضع ومتابعة أغلب البرامج الحكومية وخططها ومشاريعها والخدمات المختلفة المقدمة للجمهور، وكانت هذه المجالس عوناً للجهاز الإداري للدولة، وعيناً له، وقناة اتصال فاعلة سهَّلتْ الطريق لتنفيذ المشاريع والخدمات البلدية وإيصالها لمُستحقيها في مُختلف المدن والقرى من محافظات السلطنة.

ونعلم أنَّ لعُمان تجارب سابقة في عمل المجالس البلدية بدأتْ في العام 1939م بتشكيل أوَّل مجلس بلدي في العاصمة مسقط، يتبع ناظر الداخلية في ذاك الزمان، ثم تشكل مجلس آخر عام 1972م في مسقط تبعه مجلس أمهات المناطق عام 1973م، ولجان البلديات عام 1986م، وهكذا تطورت الفكرة لتصل إلى ما نحن عليه اليوم من مجالس بلدية مُنتخبة، مع تعيين مُمثلين للوزارات الخدمية السبع الرئيسة في الحكومة وممثل عن شرطة عُمان السلطانية في كل مجلس من مجالس المحافظة.

وللأمانة، فإنَّ الفترة الأولى للمجالس البلدية كانت ناجحة ومُنتجة، ساعدها في ذلك الاهتمام الرسمي والشعبي والظروف اقتصادية المناسبة، إلا أنَّ الفترة المقبلة الثانية ستكون محفوفة بالتحديات والمتاعب لما تواجهه البلاد والمنطقة الإقليمية عموماً من صعوبات اقتصادية نتيجة لانخفاض عائدات النفط، وتراجع مستوى الدخل العام، وعلى الجميع سواء الحكومة أو المجالس البلدية أن يعملوا على إيجاد الشراكة المناسبة بينهما، والبحث عن الحلول والبدائل الكفيلة باستمرار عملية البناء والتنمية في البلاد ووضع الأولويات عند تحديد المشاريع والخدمات التي تحتاجها كل محافظة من محافظات السلطنة.

ومن خلال متابعتي للأعمال المجالس البلدية في الفترة السابقة، لاحظت بعض النقاط التي تحتاج إلى متابعة وإلى قرار من الجهات المختصة من أجل تطوير أعمال هذه المجالس وتسهيل مهمتها وتحسين أدائها في المستقبل. من هذه النقاط مثلاً: عدم وجود جهات أو دوائر متخصصة في مكاتب المحافظات تتولى إدارة أعمال المجالس البلدية وإجراءات التنسيق والمتابعة بينها وبين مختلف الوحدات الحكومية الخدمية، وبينها وبين المجالس الأخرى في المحافظات أو المجالس النظيرة في العالم لكسب الخبرة والمعرفة؛ فمجرد وجود موظفين عموميين بمكاتب المحافظين والولاة لا يكفي.

وعدم وجود ميزانيات مستقلة للمجالس البلدية تعينها على عمل الدراسات والبرامج الاجتماعية؛ فالمجالس البلدية دورها ليس خدميًّا فقط، وإنما من المهم أيضاً أن يكون لها دور فكري وثقافي وتوعوي حسبما أشارت إلى ذلك الفقرة 22 من المادة 16 من قانون المجالس البلدية، والتي نصت على: "دراسة القضايا الاجتماعية والظواهر السلبية بالمحافظة، واقتراح الحلول المناسبة لها بالتعاون مع الجهات المختصة"؛ فالمجالس البلدية عملها مهم في تكوين الثقافة الوطنية التي تحصن أبناء المجتمع من الإحباطات والأفكار السلبية، وتشكيل الراي العام االسليم، وبناء ثقافة الانتماء والمواطنة على أسس قوية.

وضعف التواصل وبطء التنسيق بين مقار المجالس البلدية في المحافظات وبين الدائرة الصغيرة التي تتولى شؤون المجالس البلدية في وزارة البلديات الإقليمية وموارد المياه؛ الأمر الذي يُؤدِّي إلى تأخر الردود على توصيات هذه المجالس لأكثر من عام في بعض الأحيان، وفي أوضاع أخرى قد لا تأتي ردود، وهذا ليس تقليلًا من شأن الوزارة ومن الدور الذي تقوم به الدائرة المعنية، إنما هو إشارة إلى الحمل الثقيل الذي يقع على كاهلها لإدارة شؤون العدد الأكبر من المجالس البلدية في المحافظات التابعة لوزارة الداخلية، وأصبح من الأهمية بمكان تأسيس مركز في وزارة الداخلية أو أمانة عامة مستقلة تتولى شؤون المجالس البلدية، أو أنْ تمنح المحافظات صلاحيات التنسيق والمتابعة مباشرة مع وزارات الخدمات المعنية في الحكومة ومع القطاع الخاص الداعم للمشاريع الخدمية.

ووجود الأعضاء المعينين في المجالس البلدية "وهم أحد عشر عضوا؛ ثمانية أعضاء يمثلون الجهات الحكومية، واثنان من أهل المشورة والرأي، إضافة إلى المحافظ" هؤلاء الأعضاء يمارسون نفس الواجبات ويحصلون على ذات الحقوق المقررة للأعضاء المنتخبين من حيث المشاركة والتصويت على المقترحات والتوصيات المقدمة، واستلام المكافآت السنوية التي تقدَّر بخمسة آلاف ريال في العام "وهي كلفة مالية مُضاعفة خاصة في ظل الأزمة الحالية"، وهم مُعيَّنون في المجالس بحكم وظيفتهم.

في حين أنَّ هناك من يرى أهمية قصر التصويت على الأعضاء المنتخبين دون المعينين، خاصة وأنه في بعض المحافظات الصغيرة كشمال الشرقية والوسطى يتساوى فيها عدد الأعضاء المعينين مع أولئك الذين تم انتخابهم وحازوا ثقة المواطنين، واشترط عليهم القانون أن لا يكونوا موظفين في الحكومة، وبالتالي يمارس هؤلاء الأعضاء واجباتهم ومسؤولياتهم البلدية بوسائلهم الخاصة من نقل ومطبوعات واتصالات وغير ذلك، في حين يمارس الأعضاء المعينين مهامهم باستخدام الوسائل والتسهيلات التي توفرها جهاتهم الحكومية، وهنا تبرز أهمية أن تُوفر لأعضاء المجالس البلدية غير الحكوميين الوسائل والوسائط اللوجستية المناسبة ولو تحت إشراف مكاتب الولاة؛ بحيث يقلل العضو من استخدام سيارته الخاصة مثلاً في التنقل من ولايته إلى مقر المحافظة لحضور الاجتماعات أو متابعة موضوع خدمي ما داخل الولاية.

ومن الملاحظات المهمة التي نرجو مُعالجتها في المستقبل: تداخل المهام والاختصاصات والبرامج والأنشطة بين أعضاء مجلس الشورى وأعضاء المجالس البلدية.. صحيح أنَّ قوانين إنشاء المجلسيْن واضحة، وقد حُدِّدت الصلاحيات والاختصاصات لكليهما بما لا يدع مجالاً للخلط أو اللبس؛ فالاختصاصات التشريعية والرقابية والمالية لأعضاء مجلس الشورى، والاختصاصات الخدمية لأعضاء المجالس البلدية، إلا أنَّ الواقع العملي يُظهر غير ذلك؛ فأعضاء الشورى مثلاً وبحكم أسبقيتهم وتقدمهم البروتوكولي وقربهم من الحكومة، وأيضاً تعلق جمهور المواطنين بهم سعيًا وراء مصلحة معينة أو شفاعة أو حاجة ما، وصاحب الحاجة أعمى لا يرى إلا قضاءها، تجد أصحاب السعادة أعضاء الشورى حاضرين يتصدون لأغلب البرامج الخدمية والاجتماعية في الولايات دعماً للأنصار، وهم يعلمون يقيناً أنها لا تدخل في نطاق اختصاصهم؛ فتميل الكفة تماماً لمصلحة عضو الشورى في الولايات، ويعمل عضو المجلس البلدي في الظل وبإمكانياته المحدودة، وهنا حقيقة يجب التدخل لوضع ميثاق عمل أو بروتوكول ينظم العلاقة ويوقف هذا التدافع بين أعضاء المجلسين، وإلا فلا داعي لوجود مجلسيْن مُنتخبين، ومُكلِفين إداريًّا وماليًّا، وهما يكرران نفس الدور.

[email protected]