الخميس, 20 سبتمبر 2018

خبر : "التراث والثقافة" تدشن 5 دراسات توثيقية لحارات عمانية قديمة بمختلف محافظات السلطنة

الإثنين 11 أبريل 2016 02:39 ص بتوقيت مسقط

في إطار المشروع الوطني لحصر وتسجيل أكثر من 1100 حارة وتجمع لمبان تاريخية

 

الرُّؤية- مدرين المكتوميَّة

دشَّنتْ وزارة التراث والثقافة عددًا من الدراسات التوثيقية المتكاملة لحارات عمانية قديمة في مختلف محافظات السلطنة؛ حفاظًا عليها من الاندثار؛ في إطار جهود حصر وتوثيق وحماية تجمعات المباني التاريخية.

وتستعرض "الرُّؤية" 5 حارات عمانية؛ هي: حارة السيباني ببركة الموز، وحارة اليمن بولاية إزكي، وحارة العقر بولاية بهلا، وحارة السليف بولاية عبري، وحارة فنجاء بولاية بدبد.

وتشكِّل الحارات الخمس الدفعة الأولى من مشروع كبير تتبناه السلطنة لحصر وتوثيق وحماية تجمعات المباني التاريخية. وكان الجزء الأول من المشروع قد استكمل حصر وتسجيل أكثر من 1100 حارة في مختلف محافظات السلطنة كان أغلبها في المنطقة الداخلية. ويجري العمل على توثيق 9 حارات إضافية؛ هي: حارة المضيرب بولاية القابل، وحارة الجيلة بنيابة طيوي، وحارتا الصواوفة وآل براشد بنيابة سناو، وحارة سيجاء بولاية سمائل، وحجرة مسلمات بولاية وادي المعاول، وحارة الخبت بولاية الخابورة، وحارة قصرى بولاية الرستاق؛ وذلك بالتعاون مع جامعة السلطان قابوس وجامعة نزوى وجامعة نوتنجهام ترنت البريطانية. ويُشكِّل التوثيق مادة ثرية ومهمة للدارسين والباحثين في مجال الهندسة المعمارية العمانية.

وشملتْ الدراسات الخمس -التي دشَّنتها الوزارة- مخطَّطات دقيقة للحارات وفق آلية البناء الهندسي والدفاعي الذي يتمتَّع به المعمار العماني، ويتشابه فيه إلى حدٍّ كبير. وقد كشفت الدراسات عن تباينات جوهرية بين مختلف الحارات؛ سواء من حيث الهندسة العامة، أو من حيث النقوش والتجهيزات الدفاعية التي تميِّز كلَّ حارة عن الأخرى، إلى جانب كشف الدراسات بنية الحارات العمانية من حيث أشكالها الهندسية والاستحكامات الحربية.

حارة فنجاء في بدبد.. موقع يعكس منهجية متطورة في التعامل مع التضاريس المعقدة

 

لا تزال حارة فنجاء تحتفظ بمعالمها العامة، ويواصل الأهالي ممارسة تقليد "العزوة" في الأعياد. ومن الملامح التي تميِّز حارة فنجاء موقعها على الهضبه الجيرية التي تشرف على واحة فنجاء، وهذا الموقع يجعل من الممكن رؤية جدرانها وأبراجها الدفاعية من مسافة بعيدة، كما يشكل علامه محددة للحارة. ويعكس الموقع منهجية متطورة في التعامل مع التضاريس المعقدة، لا من الناحية المعمارية المتعلقة بمخطط المساكن والأبنية الأخرى فحسب، بل في إتاحة الدخول إلى الحارة دون المخاطرة بالقدرة على حمايتها. وتحقَّق ذلك بفضل الطرق الملتوية حول سفح الضبة؛ مما يجبر أي معتدٍ على كشف جانبه لحراس الحارة لأطول وقت ممكن قبل أن يتمكنوا من الوصول إلى أي من البوابتين.

وقد لعبت حارة فنجاء دورًا مُهمًّا في العلاقة بين الساحل والمنطقة الداخلية، ودخلت فنجاء وبدبد في العديد من المشاروات والمداولات التي أجرتها أسرة اليعاربة ثم أسرة آل سعيد لتعزيز سيطرتها على الداخل. وتمكنت فنجاء بسب موقعها البارز والمحمي من الدخول في عدد من المواجهات القتالية الموثقة في كتب تاريخية.

ويعكسُ المجمع السكني الأساسي في الحارة -شأنه شأن العديد من الحارات السكنية في محافظة الداخلية- تنوعا قبليا يحمل انتماءات ساسية متحالفة أو متعارضة، وهذا التنوع قد اكتسب تماسكا مضافا بسبب موقع الحارة البارز والمسور. وبخلاف مركز المنطقة الداخلية، تحتوي حارة فنجاء على مزيج أكبر من القبائل التي لها تاريخ طويل في عمان، وتلك التي وصلت إلى عمان لاحقا واستقرت على طول السواحل. ولقرب الحارة من نقطة الوصول الرئيسية من المنطقة الشرقية فإن هناك حضورًا بارزًا لقبائل من تلك المنطقة.

وكانت فنجاء فيما مَضَى مركزًا معروفًا للعلوم الإسلامية وتنعكس القيم الأباضية -التي لها تأثيرات في أجزاء من العالم العربي- في نسيج الحارة عبر بساطة مسجدها ووقاره الهادئ. وتعد احتفالات العزوة التي تقام في حارة فنجاء سنويًّا دليلًا على ارتباط عمان بتقاليد الأسلاف.

حارة السليف بعبري.. موقع محصن جعلها البوابة الغربية لواحة عبري

 

 

تتمتَّع حارة السليف بولاية عبري بأهمية معمارية وتاريخية كبيرة، وهي تقع فوق نتوء صخري شاهق يعلو الوادي، واستلزمتْ توسعة الحارة قدرا كبيرا من الحكمة حتى يمكن استخدام التضاريس الموجودة أفضل استخدام. وليس في هذا الأمر استثناء، وإذ إنَّ هناك عددا غير يسير من المستوطنات العمانية التقليدية التي تتبع أسلوبًا مرنًا في تطورها الحضري.

وفي ظلِّ غياب الإرشاد المؤسساتي الفاعل، فإنَّ نمو المستوطنات العمانية التقليدية يتأثر بتوفير المياه والموقع والتضاريس وحجم الجماعات القبلية والعلاقات بينها، والعلاقات السياسية بين مختلف الحارات التي تكوِّن الواحة. وفي حارة السليف، فإنَّ أغلب المساكن تتركز على طول القسم السفلي من المنطقه المسورة، بالقرب من مصادر المياة والمسجد والسوق.

ومن أهم الخصائص الأساسية لواحة عبري قربها من صحراء الربع الخالي؛ مما يعني قربها من التأثير غير الأباضي على معمار المنطقة، ويمكن ملاحظة ذلك مثلا في الفجوة العميقة في جدار المحراب لمسجد حصن السليف، وهو معلم لا يلاحظ عادة في المساجد الأباضية.

ونظراً لموقع الحارة المحصن، فقد كانت بمثابة البوابة الغربية إلى واحة عبري، ولكن في السياق الأكبر كانت تتوسط الطريق الرئيسية باتجاه شرق-غرب بين الداخلية والظاهرة؛ مما أضاف إليها أهمية كبيرة. ويجعل القدم النسبي للحارة المكان المرجح لعدد من الأحداث المهمة في تاريخ واحة عبري وفي تاريخ سلطنة عمان ككل. كما أنَّ القدم المفترض لفلج شنبوه يجعل حارة السليف ممثلا رئيسيا لنظام الري بالافلاج الذي تشتهر به عمان، وسيكون ذا قيمة عظيمة لإعادة تطوير الحارة إن تم ترميمه.

وتُثير حارة السليف الاهتمام بما أنها كانت من عدة وجوه عبارة عن "بلد" لقبيلة المناذرة والمجموعات المرتبطة بها، ويبدو أنها كانت واقعة في منطقة قبلية متجانسة نسبيًّا. وبعكس ما هي الحال في إزكي مثلا، لا يبدو أن واحة عبري شهدت انقسامات قبلية حادة. والانتشار الكبير للمناذرة بالقادة البوسعيديين وتعاونهم المتكرر قد يكون جزءًا من السبب في ثروة الحارة النسبية ونموها السريع في القرون الماضية.

 

حارة العقر ببهلا.. شاهد على ثراء التراث المعماري العماني

 

حارة العقر بولاية بهلا مُدرجة على قائمة التراث العالمي ضمن مفردات واحة بهلا، ويعدُّ المعمار السكني في حارة العقر شاهدا على ما عرفته هذه الحارة العظيمة من أهمية وثراء في يوم من الأيام؛ فالغالبية العظمى من المساكن لها طابقان وبعضها له ثلاثة طوابق، مع سراديب ومخازن تحت الأرض يمكن الدخول إليها من مستوى الشارع.

وفيما يتعلق بالمواد المستخدمة؛ فجميع المباني التقليدية مبنية من الطوب الطيني الذي على الرغم من كونه غير مستدام ويتطلب صيانه مستمرة، إلا أنَّه منح المباني كتلة حرارية مدهشة حافظت على درجة حرارة معتدلة في الداخل طوال السنة وهناك أدلة على وجود أنظمة تهوية معقدة في معظم المباني.

وكشفت عملية التنقيب التي أجريت في مسجد الجمعة، أنَّ المراحل المبكرة من الاستيطان في حارة العقر يُرجَّح أنها تعود إلى الألفية الثانية والألفية الثالثه قبل الميلاد؛ مما يسوغ إجراء دراسة إضافية وحفريات أثرية في الحارة وحولها، كما يرجح أن التاريخ القديم للحارة كان مصحوبًا بقدم نظام الري بالافلاج الذي يحف أجزاء كبيرة من المساحة الحضرية مقابل جانب التلة.

ويشير التعقيد المدهش للفلج بفواصله وأحواضه وتفرعاته الجانبية إلى النمو التدريجي لنظام الفلج وتوسعه. وأشارت الحفريات التي أجريت في مسجد الجمعه إلى احتمال كون هذا الموقع واحدًا من أوائل المساجد في عمان، وربما في الجزيرة العربية بأكملها، ويعتقد أن هناك بقايا أثرية أخرى ربما تكون أقدم من المسجد ما تزال باقية في أنحاء مختلفة من الواحة.

وكشفتْ حارات المستوطنة عن معلومات كثيرة فيما يخص الطابع المعماري والحضري الذي نشأ في بهلا؛ مما يوفر إمكانية إجراء بحث عابرب للمستوطنات (يشمل: نزوى ومنح وإزكي وأدم)، يتيح فهما أفضل لبنية المستوطنات التقليدية والأنماط والعلاقات القبلية التي تشمل أنماط الهجرةوالعمارة واستخدام الماء.

وتمثِّل المستوطنات مصدرا جيدا للمعلومات فيما يتعلق بالأنظمة المائية المعقدة المستخدمة في مستوطنات وسط عمان التقليدية؛ إذ إنَّ هذه المستوطنات استطاعت الدمج بطريقة إبداعية بين نظام الأفلاج والآبار والتدفق السطحي للوادي. وفي حين يحاول مشروع التوثيق الحالي رصد المسار الذي يجري فيه الفلج في حارات المستوطنه، إلا هنالك حاجة إلى بحث عاجل في هذا الشأن.

في حارة اليمن بإزكي.. القبور تعود إلى عصور ما قبل الإسلام

 

تتميَّز حارة اليمن بولاية إزكي بتخطيطها مُستطيل الشكل والطرق الواسعة والمتقاطعة، ونظرا لخلو حارة اليمن من أي عوائق طوبوغرافية كبيرة، فقد أمكن تصميمها على هيئة نمط شبكي فريد يتميز عن الأنماط العمانية المألوفة؛ الأمر الذي سهَّل توزيع الحارات وفقا للجماعات القبلية. وفي حين تشير الروايات التاريخية الموجودة حول عمليات التدمير وإعادة الأعمار المتعاقبة التي شهدتها حارة اليمن، علاوة على التحليل الهندسي، إلا أنَّ للحارة هيكلا فوقيا معقدا للغاية، ويشير وضوح الوضع التشكيلي المورفولوجي الحالي وانتظامه إلى أنَّ هذا التمثل الأخير لحارة اليمن لم يصل قط إلى مستوى عال من التشبع العمراني. ويتجلى التضارب بين الشبكة التعامدية والأوضاع التشكيلية السابقة في عدد من المواقع في الحارة.

ومن المحتمل أن تكون واحة أزكي أقدم الواحات المأهولة في عُمان؛ حيث يعود تاريخها إلى الألفية الثالثة قبل الميلاد. وتنعكس أهمية الموقع في استمرار اتخاذ حارة اليمن مسكنا عدة مرات رغم عمليات الهدم والإخلاء المتعاقبة التي شهدتها الحارة. ويشير وجود عدد كبير من القبور التي تعود إلى عصور ما قبل الإسلام في المنطقة إلى وجود مجموعات سكانية كثيفة سكنت المنطقة منذ عصر ما قبل التاريخ؛ الأمر الذي يكسب منطقة الواحة أهمية عملية تمتد لكافة فترات النشاط البشري.

وتوفِّر حارة اليمن سجلًا حول سيطرة المجموعات القبلية الفردية مثل الدرامكة، التي يتجسد صعودها الاجتماعي في الهندسه المعمارية لحيهم السكني، إلى جانب الخصائص الحضرية للحارة. ويشير التاريخ الاجتماعي للحارة إلى الاستخدام المتنوع للساحات العامة والساحات المدنية والتي من ضمنها ساحة المدخل الشمالي التي كانت مكانا لإقامة احتفالات العيد...وغيرها من الاحتفالات. ويعد الدور المهم الذي لعبته المرأة في جلب الماء من قنوات الأفلاج الخارجية تذكيرا مهما بالكيفية الفريدة التي تجسدت بها مفاهيم الخصوصية في الحارات العمانية. ويشير وجود عدد قليل من الآبار في الحارة إلى توزيع متساو للموارد المائية لا سيما خلال فترات الصراعات.

حارة السيباني ببركة الموز.. موقع مميز في محيط فلج الخطمين التراثي

 

 

تتميَّز حارة السيباني بنيابة بركة الموز بطبوغرافيتها الجبلية، وموقعها في محيط فلج الخطمين المدرج ضمن قائمة التراث العالمي. وتحتوي الحارة على عدد من المرافق العامة التي تتركز على طول قناتي الفلج أو بالقرب منهما، واللتين ينقسم فيهما فلج الخطمين داخل الحارة. ومن بين تلك المباني: مسجد الولجة، وبقايا مدرسة القران.

وتعدُّ حارة السيباني نموذجًا من أعمال التطوير المتأخرة في الحارات في القرنين السابع عشر والثامن عشر الميلاديين، تزامنًا مع تطوير جرى في "الحمراء"، وإعادة بناء عدد من التجمعات السكانية في ذلك الوقت؛ مثل: حارة اليمن بإزكي. وإذ تتسم هذه التجمعات بسرعة تشييدها أو إعادة تشييدها؛ فإنها تشير إلى طرق التطوير المتبعه في عهد اليعاربة، والتي تأثرت بحركة انتقال واكتساب سلطة للتجمعات القبلية؛ مثل: بني ريام في هذه الحالة.

وبخصوص التطورات التاريخية الأحدث في خمسينيات القرن العشرين، فقد تركت أثرا ملموسا على الحارة، وسلطت الضوءَ على مكانتها في التاريخ العماني. ويعكس تطور الحارة الصعود الاجتماعي التدريجي لبعض العائلات؛ مما أدى لنشوء مساكن كبيرة جدًا في سفح التلة. وهذا التحرر الحديث نسبيًّا من العقبات الطوبوغرافية والذي نتج عن زيادة الثروة أدى لنشوء منطقة مدنية جديدة احتوت على مساحة واسعة مفتوحة طالما شغلها المسجد. كما أنَّ تطور هذه الحارة يعد وثيقة تشهد على زيادة نفوذ التجمع القبلي لبني ريام على مدى ثلاثة قرون، وعليه يمكن دراسته باستفاضه أكبر لفهم التمظهر المكاني للتغيرات الاجتماعية، إلى جانب أن هذه الدراسة ستكون لها قيمتها المنهجية الأعم.

ويتَّضح من التاريخ الاجتماعي والسياسي للحارة مدى تعقيد الحياة وتحلي السكان بالصبر، ويدل التنوع الكبير في المجالس -من شبه الخاصة إلى العامة- على اختلاف أراء الناس وتصوراتهم حول الاجتماع البشري وأنشطة المجتمع، وهذه بالذات ميزة متفردة عن التجمعات السكانية في الداخلية.