الثلاثاء, 25 سبتمبر 2018

خبر : خبراء: ترشيد الإنفاق الحكومي يستدعي عدم المساس بالمشاريع التنموية.. وتقليص عجز الموازنة العامة للدولة من خلال البحث عن البدائل الناجعة

الثلاثاء 26 يناير 2016 04:23 ص بتوقيت مسقط

دعوات إلى توسيع دائرة التشاور قبل اتخاذ القرارات "الصعبة" وتهيئة المواطن لها

الحارثي: ترشيد الإنفاق وزيادة الضرائب يتسببان في تراجع الأنشطة التجارية وانكماش الاقتصاد

عبداللطيف: مواصلة دعم المحروقات تزيد من الاختلالات المالية وتعمق عجز الميزانية

الصواعي: الحكومة مطالبة بإعادة هيكلة الاقتصاد لتخفيض العجز وزيادة الإيرادات

أكد مختصون بالشأن الاقتصادي ضرورة استمرار الحكومة في التوعية بالإجراءات المتخذة للحد من تأثيرات انخفاض أسعار النفط على الاقتصاد الوطني، وأهمية إجراء دراسات مستفيضة للتباحث حول مختلف الآثار والنتائج المتوقعة اقتصاديا واجتماعيا من هذه القرارات.

ودعوا إلى أهميّة التنسيق بين مؤسسات الدولة، مثل مجلس عمان وغرفة تجارة وصناعة عمان، وتهيئة المجتمع والتعامل بكل شفافية مع هذه الإجراءات، علاوة على العمل على مراقبة السوق وتفعيل أدوات التواصل مع المواطن والعمل على مراجعة وتعديل أي إجراء يتبيّن أنّ أضراره أكبر من منافعه.

الرؤية - أحمد الجهوري

وقال الكاتب سعود الحارثي إنّ هناك العديد من المطالب الخاصة بإنشاء وتطوير شركات للنقل العام في السلطنة بمختلف وسائله وأشكاله، من حافلات كبيرة ومترو أنفاق وقطارات، لاسيما في ظل تنامي عدد السيّارات الخاصة، وما تشكّله من ضغط على الشوارع والخدمات وازدحام مروري خانق في أوقات الذروة، علاوة على تعطيل المصالح واستمرار حوادث الطرق.

ثقافة مجتمعية

وأضاف أنّ ترسيخ ثقافة ضرورة وجود سيّارة خاصة لكل مواطن يستنزف جزءاً كبيراً من الراتب الشهري للموظفين، لاسيما أولئك من ذوي الدخول المحدودة، بما في ذلك قيمة الوقود في مقابل ثقافة النقل العام غير المنتشرة في المجتمع. وتابع أنّه في مثل هذه الحالات يتعرّض الاقتصاد الوطني للخسارة ليس بسبب الازدحام المروري فحسب، وهي خسارة اقتصاديّة واجتماعية، لكن أيضا بسبب متوسط استهلاك الفرد المتنقل من البترول وقطع غيار السيّارات وتكلفة صيانة الطرق والجسور، والتي تعني خسارة للاقتصاد الوطني. وبيّن أنّه في المقابل أدرك الكثير من دول العالم ضرورة تبني مبادئ اقتصاد السوق (الاقتصاد الحر)، وكذلك التعرّف على سلبيات الاعتماد في التنقل بالمدن الكبرى على التدبيرات الشخصيّة، والسلبيات التي أدركوها ليست من وجهة النظر الاجتماعية فحسب باعتبار أنّ مثل هذه المبادرات تؤذي مصالح الفقراء ومحدودي الدخل، وإنّما أيضاً من وجهة نظر الاقتصاد الوطني والمجتمع ككل. وأكّد الحارثي أهميّة أن تكون المواصلات جماعيّة، وإذا ما تحققت فسوف تخدم طلاب الجامعات والكليّات الحكوميّة والخاصة الذين ينتقلون من وإلى السكن إما بوسائل النقل التي توفرها هذه المؤسسات التعليميّة والتي لا تتوافق في معظم الأحيان مع مواعيد محاضراتهم في بدايتها أو انتهائها، وإمّا بسيارات يوفرها أولياء أمورهم، أو بالتاكسي العادي وفي كل وسيلة من تلك الوسائل مشكلات وعيوب عديدة. وتابع الحارثي: "لقد كانت تلك المقالات والمطالبات والدراسات التي أعدت ونشرت قبل سنوات ومنها مقال نشر لي قبل عدة سنوات بعنوان "النقل العام معلم من معالم المدينة الحديثة وعلاج لمشكلات كبيرة"، تستشرف أحداث المستقبل وظروفه وتحدياته التي نعايشها الآن مع التراجع الحاد في أسعار النفط واضطرار الحكومة إلى اتخاذ إجراءات متعددة للحد من تأثيرات هذا الانخفاض ومن بين تلك الإجراءات تحرير أسعار النفط واعتماد آلية التسعير وفقا للأسعار العالمية".

آثار مختلفة

ومضى الحارثي قائلا إنّ العديد من الباحثين نشروا دراسات متخصصة توصي بأهمية اعتماد نظام الجمعيات التعاونية والبطاقات التموينية وغيرها من الخطوات العملية على غرار ما هو معمول به في العديد من الدول، بما يضمن توفير خيارات متعددة أمام المستهلك تخفف من أعباء المعيشة وتحدياتها، وتقليل التكلفة وتحجيم ارتفاع الأسعار. وأوضح أنّ رفع الدعم عن الوقود وتحرير أسعاره واعتماد آلية التسعير وفقا للأسعار العالمية، ستكون له العديد من الآثار الاجتماعية والاقتصادية على المواطن، منها أنّ الحكومة لم تأخذ بالكثير من الرؤى والمطالب التي طرحت لكي تضع أمام المواطن خيارات متعددة تتناسب مع قدراته الاستهلاكية وإمكاناته الماديّة كالنقل العام والجمعيات التعاونية والبطاقات التموينية، والآن ومع تحرير أسعار النفط وتوقع ارتفاع أسعار بعض السلع، فإنّ الآثار الاجتماعية والاقتصادية على حياة المواطن البسيط ستكون واضحة وستحد من حركته ونشاطه، مع غياب الخيارات المشار إليها سابقا. وأضاف أنّ النهضة العمانية أولت البعد الاجتماعي ممثلا في ازدهار ورخاء المواطن وتيسير الحياة المعيشية أمامه، ودعم بعض الخدمات الأساسية، مع وضع المواطن في مقدمة أهداف وغايات التنمية والبناء، وكانت السياسات والقرارات والمشاريع والبرامج والخطط والقوانين المتخذة تسعى لتحقيق رخاء المواطن والحرص على عدم المساس بأي من الحقوق والامتيازات التي يحصل عليها المواطن، لكن مع بدء تحرير أسعار النفط فإن ذلك سيمس جزءا من تلك الامتيازات. وأشار إلى أن حالة القلق التي يشعر بها المواطن بسبب تراجع أسعار النفط عالميا وتأثيراتها على الاقتصاد الوطني وما يقابلها من إجراءات متخذة من قبل الحكومة برفع الدعم عن بعض الخدمات ومنها أسعار الوقود وزيادة الرسوم والضرائب بدون التنسيق والتشاور مع مجلس عمان أو غرفة تجارة وصناعة عمان، والخوف من اتخاذ إجراءات أخرى قادمة تمس حياته المعيشية وحقوقه وامتيازاته التي حصل عليها، كل ذلك يمثل آثارا سلبية لها تداعياتها على الحياة الاجتماعية والاقتصادية للمجتمع.

القطاع الخاص

ومضى قائلا إنه بدلا من العمل على تحفيز القطاع الخاص والشركات والمؤسسات الكبيرة والصغيرة والمتوسطة والقطاعات الصناعية والتجارية والسياحية التي يؤمل أن تساهم في تعزيز الاقتصاد الوطني ورفع قيمته، فإن هناك مخاوف من أن تؤدي هذه الإجراءات إلى خنق الاقتصاد وتراجع أدائه، وهو ما سيؤدي دون شك إلى تقليص فرص العمل المتاحة وتسريح أعداد من العمالة الوطنية والأجنبية، علاوة على تكبد الشركات لاسيما المتوسطة والصغيرة لخسائر كبيرة، والتي يديرها ويعمل فيها الكثير من العمانيين التي تعيل أسرا. وبين أن هناك الكثير من المشاريع الحكومية تتكبد خسائر بسبب تراجع أسعار النفط وتراجع الإنفاق الحكومي. واستطرد الحارثي بالقول إن هذه الإجراءات المتخذة والمتمثلة في ترشيد الإنفاق ورفع الرسوم والضرائب على بعض الخدمات وتقليص المشاريع وتحرير أسعار الوقود، سيقابلها تراجع في العديد من الأنشطة والقطاعات التجارية والعقارية وفي سوق المال وفي أرباح الشركات، وتحرير أسعار النفط في ظل تراجع قيمته الكبيرة عالميا جميعها قد تقلص الإيرادات المتوقعة على الخزينة العامة للدولة بدلا من تقدم إضافات كبيرة تسهم في الحد من آثار انهيار الأسعار العالمية للنفط.

وأشار الحارثي إلى أنه ونظرا لما سبق ذكره من معطيات، ينبغي على الحكومة إخضاع كل إجراء من الإجراءات الرامية إلى خفض تأثيرات تراجع النفط وتداعياته على الاقتصاد الوطني، إلى دراسة مستفيضة تأخذ في الاعتبار مختلف الآثار والنتائج المتوقعة اقتصاديا واجتماعيا والتنسيق مع المؤسسات الأخرى في الدولة مثل مجلس عمان وغرفة تجارة وصناعة عمان، وتهيئة المجتمع والتعامل بكل شفافية حيال تلك الإجراءات، والعمل على مراقبة السوق وتفعيل أدوات التواصل مع المواطن والحرص على تعديل أو تطوير أو الغاء أي إجراء تبين أن أضراره أكبر من منافعه.

اقتصاد الرفاه

وقال لبنى عبد اللطيف الخبيرة المُقيمة لدى البنك الدولي بوزارة المالية إنّ قيام الوزارة بالتعاون مع البنك الدولي من خلال تحديث عمليات إعداد وتنفيذ الموازنة، يأتي بهدف رفع كفاءة الإنفاق العام وتقليل المخاطر الاحتمالية المالية إضافة إلى تأكيد الاستدامة المالية. وفي تصريحات لها مؤخرا، أضافت عبداللطيف أنّ مراجعة سياسات الإنفاق العام تعتبر أمرًا هامًا يؤدي إلى إعطاء أهمية كبيرة للسياسات التي من شأنها رفع رفاه الأسر العمانية إضافة إلى حفز التنويع الاقتصادي وتنمية القطاع الخاص وتوفير الفرص الوظيفية، مشيرة إلى أن مراجعة دعم الطاقة ورفع الدعم عن المحروقات يشكلان أهمية كبيرة. وتابعت أن البعض يرى أن فلسفة اقتصاد الرفاه، هي التي توفر الإطار المفاهيمي للإعانة للطاقة، ولكن الخبرات أثبتت أن مساندة التعليم والصحة والتنوع الاقتصادي يُسهم في رفع رفاه المجتمع بشكل أعلى مما لو تم تخصيص هذه المبالغ لقطاعات أخرى.

وأشارت إلى أن دعم الطاقة بشكل واسع له آثار اقتصادية واجتماعية غير مرغوب فيها كما أن هذه السياسة تؤدي على المديين المتوسط والطويل إلى تفاقم الاختلالات المالية ومزاحمة أولوية الإنفاق العام وتشويه تخصيص الموارد عن طريق تشجيع الاستهلاك المفرط، وتشجيع الصناعات كثيفة رأس المال، وتسريع استنفاد الموارد الطبيعية. وتابعت أن الدراسات التي أجريت من قبل البنك الدولي (2012، 2014) ، تشير إلى أن دعم الطاقة سياسة تحتاج إلى مراجعة وأن الفائدة من رفعها هو جيد بالنسبة للمجتمع ككل. وأضافت الخبيرة المقيمة لدى البنك الدولي بوزارة المالية أن دراسات البنك الدولي تشير إلى أن دعم الطاقة في منطقة الشرق الأوسط سجل 237 مليار دولار أي ما يعادل (25ر91 مليار ريال عماني) ووصل إلى 48 بالمائة من إجمالي ذلك الدعم على مستوى العالم وأن دول المنطقة دفعت ما يوازي 6ر8 بالمائة من ناتجها المحلي في ذلك الشأن وهو ما يشكل 22 بالمائة من إيرادات هذه الدول، وهي نسب تفوق بمراحل المتوسطات العالمية وتتراوح حول 7ر0 بالمائة و1ر2 بالمائة على التوالي. وأوضحت أنّ الحقائق تشير إلى أن الدول المصدرة للنفط في منطقة الشرق الأوسط هي التي تحملت النصيب الأكبر من هذه التكلفة، مما أثر على قدراتها على الاستدامة المالية وحملها مخاطر مالية كبيرة؛ حيث يقدر سعر النفط التعادلي لعام 2015 من قبل صندوق النقد الدولي بأكثر من 100 دولار للبرميل في السلطنة والبحرين. وأوضحت أن الإعانات (الدعم) تشوه أسعار السوق، وبالتالي تؤثر على سلامة تخصيص الموارد، كما أنها تشجع التهريب الذي يمكن أن يؤدي إلى نقص في المنتجات المدعومة، فمن الموثق عالمياً أن الإعانات تؤدي إلى الإفراط في الاستهلاك، وتحويل الموارد بعيدا عن الاستخدامات البديلة، وبالتالي مزاحمة الإنفاق العام على التعليم والصحة والبنية الأساسية، كما أنها تؤدي إلى انخفاض كفاءة الطاقة، وتدفع إلى تكنولوجيا كثيفة رأس المال مؤثرة بذلك على فرص النمو في التوظيف.

رفع الدعم

وأكدت أن رفع الدعم يحقق على المدى المتوسط والطويل الأثر الإيجابي على النمو والكفاءة بما يمتص تأثيراتها المحتملة على التضخم في المدى القصير؛ حيث إنّ ارتفاع أسعار الطاقة يشجع المزيد من الشركات على إيجاد فرص العمل للشباب ويشجع نمو المنشآت الصغيرة والمتوسطة، وعلاوة على ذلك، فإنّ الشركات ستتوجه إلى الاعتماد على تكنولوجيات أكثر كفاءة في مواجهة ارتفاع أسعار الطاقة. وبينت أن البحوث التجريبية تشير إلى وجود علاقة إيجابية ذات دلالة إحصائية بين أسعار الوقود ونمو دخل الفرد في كل من المدى القصير والطويل، ووفقاً لمحاكاة النموذج العام- التوازن لمصر (البنك الدولي 2014)، فإن الحد من إعانات الطاقة بنسبة 25 بالمائة من شأنه أن يؤدي إلى زيادة بنسبة 1 بالمائة في فرص العمل والأجور. واستطردت قائلة إن تجارب الدول تشير إلى أن الإعانات ليست آلية فعّالة لتوزيع الدخل في المجتمع، فدعم الطاقة يستفيد منه الأغنياء وكبار المستهلكين بنسب تفوق بشكل ملحوظ الأقل دخلاً وصغار المنتجين، مما يعنى أنها تمثل دعمًا للأكثر قدرة، وبالتالي فان التوقف عن سياسة الدعم المفتوح للجميع والتحول إلى استخدام عوائد رفع دعم الطاقة في المتطلبات الاجتماعية يعد أكثر تأثيرًا على المجتمع، إضافة إلى ترشيد الاستهلاك من الطاقة ومنتجاتها بما يؤثر إيجابا على الحد من التلوث والازدحام، واستنزاف المياه.

وأكدت لبنى عبد اللطيف أن التوجه الذي قامت به الحكومة في السلطنة من مراجعة لدعم الطاقة واستحداث آليات تسعير تلقائية مهم لتحرير الموارد العامة لتوجيهها إلى تحقيق مكاسب أكبر للقطاعات العريضة من المجتمع العماني، خاصة وأنّ هذه المراجعة تأتي في وقت تراجعت فيه بشدة أسعار النفط مما يجعل من التأثيرات الاحتمالية لرفع دعم الطاقة محدودة على التضخم المحلي وعلى الدخل الحقيقي للقطاع العائلي وعلى قطاع الأعمال.

تقليص العجز

وقال الكاتب حمد بن سعيد الصواعي إن المرحلة المقبلة تحمل في طياتها تحديا كبيرا من حيث القدرة على معادلة الإنفاق المرتفع وتقليص العجز التي تعاني منه ميزانية الدولة، لذلك توجهت الحكومة مؤخرا إلى العمل على تخفيض هذا العجز، من خلال إطلاق حزمة من الإصلاحات الاقتصادية لإيجاد منابع أخرى تضخ الإيرادات في الميزانية العامة، بما يضمن معالجة هذا العجز. وأوضح أن الجميع يدرك قيمة هذه الإصلاحات الاقتصادية من حيث رفع الدعم عن المحروقات وتعديل بعض رسوم الخدمات الحكومية. ولفت الصواعي إلى أن هناك عوامل عديدة شكلت عوائق حقيقية في تنويع مصادر الدخل خلال الفترة الماضية، مثل بيروقراطية الإدارة والهدر في الموارد، وغيرها من العوامل التي تسببت في خلخلة الاقتصاد، وهو ما يحتم أهمية إعادة النظر في طريقة إدارة الملفات الاقتصادية والحد من البيروقراطية وتوفير عناصر المسائلة والمحاسبة بعيدا عن لغة الشعارات والنظريات والوعود، لاسيما وأن الاقتصاد الوطني يمر بمنعطف حاد يحتم على الجميع التكاتف والأمانة في العمل، علاوة على الحاجة إلى توفير اعتمادات مالية بصورة لا تؤثر على مصلحة العمل في أي من المؤسسات. وبين الصواعي أن البدائل متوافرة لكنها تحتاج فقط إلى مزيد من التفكير بجدية في آلية المعالجة، مشيرا في هذا السياق إلى ضرورة إلغاء بعض المؤسسات والمجالس المتخصصة أو دمجها في هيئات أخرى. كما دعا الصواعي إلى تأسيس هيئة عامة مستقلة لتقييم ومراقبة أداء الوزارات والمؤسسات الحكومية، بهدف ضمان الجودة والقضاء على الفساد من أجل بيئة عمل صحية ومنتجة.