الجمعة, 24 يناير 2020
22 °c

خبر : ناشئة الخروصية: "الطيور المهاجرة" عادت إلى الوطن لتحلق في آفاق النهضة.. وعملي بمجلس الدولة إضافة كبيرة لمسيرتي

السبت 19 ديسمبر 2015 11:58 م بتوقيت مسقط

مهندسة الاتصالات تفتح دفتر الذكريات وتكشف عن أحداث غيَّرت حياتها

◄ درستُ مع بنات عبدالناصر في المدرسة القومية المصرية

◄ لحظة العودة إلى عُمان "لا يمكن تصورها"

◄ وجود امرأة مهندسة في بداية عصر النهضة كان أمرا مستغربا

في فترة ما قبل السبعين، كان عددٌ لا بأس به من أبناء السلطنة يجوبون العالم شرقًا وغربًا بحثاً عن العلم والعمل؛ فهناك من ذهب شرقًا وآخرون رحلوا إلى الغرب، والبعض اتَّجه جنوباً نحو القارة السمراء.. البعض عاش في "حضن العروبة" إبان ستينيات القرن الماضي، عصفتْ بهم الظروف والمحن، غيَّرت مجريات التاريخ والجغرافيا أحوالهم، ودفعتهم إلى مسارات مُغايرة عن تلك التي "كان من الطبيعي" أن يسلكوها.

ومن بَيْن هؤلاء المكرَّمة المهندسة ناشئة بنت سعود الخروصية عضو مجلس الدولة، والتي عادتْ مع عائلتها بعد السبعين؛ للمشاركة في بناء صَرْح النهضة المباركة، ووضع اللبنات الخاصة بمنظومة الاتصالات في السلطنة، بعد أن نهلت من العلوم الكثير، إلى أن استقرَّت بها الحال في دور وطني أكبر، بعيدًا عن العمل التنفيذي؛ فكانت من بين النساء القلائل اللائي نلن شرف التعيين في مجلس الدولة، كي يَمْنحن عُصارة تجاربهن الحياتية والوظيفية لهذا المجلس المهم، عبر أدوار تشريعية لا تقل أهمية عن العمل التنفيذي.. الخروصية فتحتْ مع "الرُّؤية" دفتر الذكريات، وتحدَّثتْ عن مراحل عُمرية مختلفة في حياتها، ومسارات متنوعة رسمت مسيرتها في لحظات "لا يُمكن تصوُّرها"، وأيام وليال لن تمحوها الذاكرة، مهما طال الزمن.

الرُّؤية - مدرين المكتوميَّة

تتذكَّر الخروصية طفولتها في سنوات مضت؛ حيث تقول إنها غادرت أسرتها وذهبت إلى مصر لتلقي التعليم، وكانت آنذاك في الصف الأول الإعدادي، وانتقلت في مصر إلى الصف الثاني الإعدادي؛ حيث التحقت بالمدرسة القومية، وهي مدرسة داخلية للفتيات بنظام التعليم الداخلي، أي أنَّ المدرسة هي نفسها البيت؛ حيث يُوجد سكن خاص للتلميذات، ومن بين من درسن معها بنات الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر. وتتحدَّث الخروصية عن أنَّ تلك الفترة من الزمن شهدت معاناة كبيرة في مسألة التعليم؛ حيث لم يكن من السهل الحصول على قسط وافر من التعليم، أو الالتحاق بأي مدرسة، علاوة على صعوبة الحياة خارج الوطن بعيدًا عن الأهل، وكان الجميع يَسْعى للنهل من بحور العلم المتفرعة في مختلف أرجاء الدنيا، كل على قدر استطاعته. وتشير إلى أنَّ هذه المصاعب كانت قوية لدرجة كبيرة جدًّا؛ فتوضِّح أنها ظلت لفترة سنتين لا ترى عائلتها، في عصر لم يكن فيه هواتف ذكية، أو حتى هواتف عادية سهلة الوصول إليها. لكنها تَرَى في هذه الفترة وتلك المصاعب، فرصة لم تُتَح للجيل الحالي؛ حيث صقلت الخبرات في تلك الفترة شخصيتها، وزادت من استقلاليتها وقدرتها على التأقلم مع أصعب الظروف؛ مما منحها ميزة التحلي بالمسؤولية منذ سن مبكرة جدًّا، في وقت كانت قريناتها يمرحن ويلعبن في دفء الأسرة والوطن.

تباين المراحل

ومن حُسن حظ المهندسة ناشئة الخروصية أنّها لم تكن العمانية الوحيدة في تلك الفترة في مصر، فقد قابلت العديد من العُمانيات اللائي سعين إلى الذهاب إلى مصر للحصول على التعليم، وتذكر منهم رحيلة الريامية.

وتقول: "قبل أن أذهب إلى مصر، كانت دراستي باللغة العربية في مدرسة أنشأتها الجمعية العمانية في زنجبار، وكنّا أول دفعة يتم افتتاح روضة وابتدائي تدرس فيها جميع المواد بالعربية؛ إذ كانت زنجبار في تلك الفترة تحت حكم المحميات البريطانية، لكن فجأة تقرَّر أن تدرس جميع المناهج باللغة الإنجليزية من الصف السابع، وكان شرطًا على الجميع الخضوع لاختبار القبول للمرحلة الثانوية، حتى يتسنى الانتقال إلى الصف التالي، إلا أنّ الكثير من الأهالي، ومنهم أسرتي، خافوا على أبنائهم من فقدان اللغة العربية، لسانهم الأم، لذلك غادرت مجموعة من التلاميذ من هناك، ولم يكن في وسعي إلا مغادرة البلد، وطلبت من أهلي ذلك، ورغم أنّهم لم يقبلوا بالأمر في البداية، إلا أنهم وافقوا بعدها، ولا أظن أني نادمة على مثل هذه الخطوة، فقد كنت أفكر أنني سأعود يومًا إلى الوطن، وأنا حاملة شعلة العلم في يدي، لأنهض بوطني وأبنائه".

الطير المهاجر

وتَمْضِي الخروصية في حديثها عن تلك الفترة وما شهدته من مراحل تكوين ونشأة، وتنقل من بلد لآخر، ومن أرض لأخرى، كالطير المهاجر الذي يتنقل من موقع لآخر بحثاً عن مستقر آمن، يجد فيه البيئة المناسبة التي تساعده على مواصلة الرحلة للمحطة التالية، حتى يعود في نهاية رحلته إلى وطنه الأم.

وتقول: "على الرغم من دراستي في مدرسة داخلية، لكنَّ الحياة لم تكن سهلة كما يتوقعها الآخرون، فقد انتقلت من محيط العائلة إلى بيت طالبات، وهو أمر ليس بالهين، فعلى سبيل المثال وأنا في ذلك العمر الصغير، كانت عائلتي ترسل لي مصروفي إلى مصر، وكان يتعيَّن علي الذهاب إلى البنك لاستلام المبلغ، ولم يكن هناك أجهزة صراف آلي أو شركات تحويل الأموال التي تعمل بآليات سهلة وسريعة، وكانت الحوالة المالية تتطلب أسابيع وقد تصل إلى شهر، وينبغي مراجعة البنك كل فترة". وتضيف الخروصية عن معاناتها مع الغربة، أنّها كانت تصل إلى مراحل من البكاء، عندما كانت في الثالثة عشرة من عمرها، فلم يكن هناك من يُساعدها مثلاً على تجديد إقامتها في القاهرة، وكان يتعيَّن عليها إنهاء كافة الإجراءات بنفسها، وأن تتعامل بمفردها مع الآخرين وموظفي الجهات الحكومية هناك؛ إذ تشير إلى أنَّ دور المشرفات العمانيات في السكن الطلابي كُنَّ يولين اهتماما أساسيا الجوانب الخلقية والقيمية، حيث كن كبارًا في السن، يولين اهتمامًا بتنمية الأخلاق في نفوسنا وتعزيز القيم الحميدة والعادات الأصيلة، وهو جانب بالغ الأهمية لا ريب كما يقدمون لنا الدعم في حدود قدراتهن ودون مقابل مالي؛ فلقد كانوا بالفعل متطوعات في رعايتهن لنا.

وتعود الخروصية للحديث عن ذكريات زنجبار، بالقول إنّه في أعقاب تغير السلطة الحاكمة هناك بعد انقلاب عسكري، انتقلت أمي من زنجبار إلى مصر، وكان إخوة لها يدرسون في بريطانيا آنذاك، لكن أمي لم تفضل الهجرة إلى بريطانيا، بسبب الطقس المختلف تمامًا، والذي لم أعتد عليه يومًا ما، وكانت الترجيحات تصب في كفة البقاء في مصر. وتضيف: "في تلك الأثناء تمكن والدي من الخروج من زنجبار ووصل إلى القاهرة، ومن ثم انتقلت العائلة إلى عدن في اليمن، واستقرت الأسرة هناك".

وتروي الخروصية أيضًا أنه بعد عودة أسرتها إلى عدن في اليمن، عادت مجدداً إلى سكن الطالبات لمواصلة التعليم في مصر، ومرت السنون وأنهت دراستها، والتحقت بها خالتها خلال إقامتها في مصر قادمة من دبي، وعاشتا سويًا في القاهرة، ومكثت معها بصحبة أبنائها الصغار الايتام؛ حيث كان زوجها قد اغتيل في أحداث زنجبار، واستمرت في الإقامة مع خالتها ما يقارب سبع سنوات ليصل إجمالي السنوات إلى 12 عاما.

دراسة الهندسة

ومع الالتحاق بالجامعة، اختارت الخروصية دراسة جديدة، ومجال عمل مستقبلي ربما لم يكن الكثير يعرف مآلاته آنذاك؛ حيث تخصَّصت في هندسة الاتصالات. وتتحدَّث الخروصية عن طبيعة وكيفية اختيار المقرر الدراسي والتخصص.. قائلة: "لم نكن نعرف التخصصات الجامعية، كانت أشبه بالموضة، فلم تكن هناك توعية، وكان من يحصل على تقدير ممتاز يدخل الهندسة، لكن في المقابل لم تقتنع العائلة بمجال الهندسة، بيد أنَّ أبي لم يشجعنا على دخول كلية الطب؛ إذ أقنعني والدي بالالتحاق بكلية العلوم والرياضيات، ومن ثم أحصل بعدها على درجة الدكتوراه وأصير معلمة لمادة الرياضيات". وتضيف الخروصية: "بالفعل عقدت النية على التحويل إلى كلية العلوم، لكنَّ القدر لم يشأ أن يتحقَّق مطلب والدي؛ فقد طلبت مني الجامعة الانتظار للعام التالي، حتى يتوفَّر مقعد دراسي، وشعرت آنذاك بأنَّه يتعين عليَّ العودة إلى كلية الهندسة، رغم تردُّد العائلة الكبير في مسألة التحاقي بها، فلم يكن يدرك أحد في أيِّ عمل سألتحق بعد التخرج، وما هي طبيعة هذا العمل؛ فحتى دول الغرب المتقدمة لم تكن تعمل بها مهندسات في تلك الفترة".

بداية العودة

مرَّت السنوات في لمح البصر، بعد جدٍّ واجتهادٍ تحلت بهما الخروصية في تحصيل العلم والتسلح بأدوات العصر الحديث، الذي لم يكن قد بزغ فجره في تلك اللحظة، وتخرجت الخروصية وهي تحمل الشهادة العليا، وعادت إلى عدن في اليمن للالتحاق بأسرتها التي استقرت هناك منذ منذ 1965، واضطرت للذهاب هناك انتظارا لعودة أسرتها للوطن، وكان ذلك بين عامي 1971 و1972. وتقول إنّها سعت للحصول على فرصة عمل في عدن، لكن تلك الفترة شهدت مصاعب عدة واجهتها، ولم تجد فرصة عمل مناسبة، إلا وظيفة بدون مقابل، وكان ذلك مساعها بعدما أدركت أنها لن تحصل على الوظيفة المطلوبة؛ إذ تؤكد أنها لم تكن ترغب في البقاء بالمنزل دون عمل بعد سنوات الدراسة والاجتهاد الطويلة، وطلبت من والدها مساعدتها في هذه المسألة على الأقل حتى تحصل على الخبرات الكافية التي تؤهلها فيما بعد للحصول على وظيفة بمقابل مادي مستقبلا.

وتستطرد الخروصية: حصلت على فرصة عمل في التليفزيون بمجال الهندسة، لكني واجهت متاعب عدة وصعوبات مختلفة، نظرًا لطبيعة الظرف السياسي في اليمن آنذاك، وانقسام البلاد.

وبعدها في النصف الأول من العام 1972، عادت الخروصية مع أسرتها إلى الوطن الأم عُمان، بعد رحلة طويلة من التنقل بين الأقطار المختلفة؛ حيث تقول إنها وصلت إلى السلطنة عبر مطار بيت الفلج، وتصف شعورها آنذاك حين العودة إلى الوطن بأنه "لا يُمكن تصوره". وتضيف: "هبطت بنا الطائرة على أرض المطار، وعندما خرجنا، كان الواقع مغايرًا تمامًا لما وجدته في بلدان أخرى؛ إذ كانت الشوارع ترابية ولم يكن هناك طرق أسفلتية، وعندما وصلت إلى البيت وجدتني مغطاة بالتراب؛ فالسيارة التي أقلتنا من نوع جيب؛ إذ لم تكن الشوارع مؤهلة لأن تسير عليها سيارات صغيرة مغلقة، نظراً لوعورة الطرق". وتتابع: "كنا محظوظين لدى وصولنا، فقد حصلنا على شقة سكنية من مساكن الحكومة مباشرة دون عناء؛ إذ كان من العسير أن يحصل أحدهم على منزل بهذه السهولة، لكن ما يُميِّز الحياة في تلك الفترة بساطتها، وقلة عدد السكان".

العمل في السلطنة

وبعد فترة من الاستقرار وترتيب الأوضاع، سعت الخروصية للبحث عن عمل، لكنها لم تكن تتوقع أن توافق الحكومة على تعيينها؛ فكانت مسألة أن هناك امرأة مهندسة "غريبة جدًّا"، وهو وضع واجهته قبل أن تصل عُمان، عندما كانت في دبي، إذ سعت للحصول على وظيفة في شركة "كبل آند وايلس"، حتى تتلقى الخبرات المناسبة التي ستؤهلها فيما بعد للعمل في عُمان، "لكن لم ترق لي طريقتهم في التعامل وطبيعة الحديث خلال المُقابلة، فكانت الأسئلة الموجهة لي وكأني طالبة في مدرسة، متناسين تماماً أني جامعية وحاصلة على بكالوريوس في الهندسة، مما غرس في نفسي شعوراً بأن هؤلاء لا يلقون بالاً لما لدي من مؤهلات".

وتمضي قائلة: "ولما عدت إلى عُمان كان الجميع يتسابق للعمل في شركة تنمية نفط عُمان "بي.دي.أو"، وفي اليوم الذي ذهبت فيه إلى هذه الشركة للتقدم إلى عمل، كان يومًا مليئاً بالمقابلات الشخصية، والتنقل من غرفة لأخرى، ومن لجنة إلى لجنة، ولم أجد ردًا منهم في ذلك اليوم، وأخبروني أنهم سيتواصلون معي لاحقا".

وتستطرد أن أحد أقاربها في هذه الأثناء اقترح عليها الذهاب إلى الحكومة والبحث عن عمل هناك، وبالفعل ذهبت لمقابلة كريم الحرمي، وهو مدير البريد والبرق الهاتف آنذاك، الذي رحب بها، وبعد أن تعرف على مؤهلاتها طلب منها بدء العمل في اليوم التالي من المقابلة، والتحقت بالعمل في بداية الأمر دون مقابل، ومن ثم وبعد اسبوعين، تم تعيينها براتب شهري.

وتتذكر الخروصية كريم الحرمي، وتقول إنه كان شخصية تحب تقديم المساعدة لمن حوله، حيث قدم لها كافة وسائل المساعدة التي تعينها على إدارة عملها وتأسيس قسم جديد في الدائرة، للعلاقات الدولية وإدارة الطيف الراديوي والتراخيص المصاحبة، فضلا عن إدارة مشروع البنية الاساسية الأولى لشبكة الاتصالات الوطنية، الذي كان في طور التحضير وإعداد الدراسات في ذلك الوقت.

كانت من أولى مهام العمل التي تلقتها الخروصية في وظيفتها الجديدة، تكليفها بإعداد تقييم لعروض المناقصة التي تقدمت بها شركات عالمية في مجال توريد أنظمة الاتصالات وتركيبها، وكانت شركة "كبل آند وايلس" البريطانية -ذراعها الاستشاري- عينت من قبل الحكومة استشارياً لهذا المشروع، وكان يتعيَّن على الخروصية إعداد تقرير وافٍ عن العروض الذي تقدمت به الشركات المتناقصة، لكن المفاجأة بالنسبة للخروصية كانت أنها لم تخض هذا العمل من قبل، إلا أنها في المقابل حصلت على الدعم والتشجيع من المدير المُباشر لها الذي شرح لها كيفية إعداد مثل هذه التقارير؛ وبالفعل انتهت من التقرير ونالت ثقة المسؤولين في تلك الفترة عن هذا العمل.

مجال الاتصالات

وتواصل الخروصية الحديث عن عملها في مطلع السبعينيات، وتقول: "جاءنا خبير دولي بالانتداب للعمل كمستشار لمساعدة الحكومة في تحديد احتياجاتها في تطوير قطاع الاتصالات، وتم ابتعاثه من قبل الاتحاد الدولي للاتصالات كمساعدة لنا، وبتمويل من صندوق برنامج منظمة الأمم المتحدة للتنمية، وتمَّ ابتعاثي أثناء وجوده إلى الخارج، عبر نفس البرنامج؛ حيث تمَّ إعداد برنامج تدريب خاص لي لمدة 6 أشهر تحت ما يسمي بـ"الزمالة" للاتحاد الدولي للاتصالات لتدريبي في مجال العمل، وهي الدورة التي استفدت منها بشكل كبير، وهدفت البعثة إلى تأهيلي للعودة وشغل وظيفتي والعمل كنظير لرئيس فريق الخبراء الدوليين الذين ابتعثوا تحت نفس برنامج مساعدات صندوق الامم المتحدة للتنمية الى السلطنة، على أن أواصل ما بدأه المستشار المبعوث الاول، وقد تضمنت الدورة جدول زيارات إلى السويد وكانت درجة الحرارة في الوقت الذي ذهبت فيه تحت الصفر وهي تجربة فريدة لم أخضها من قبل، ومن ثم ذهبت إلى ألمانيا وبريطانيا وإيطاليا وسويسرا، فلم تكن دورة عادية، بل كانت دورة مكثفة جدًا وكنت أتلقى معلومة جديدة في كل لحظة واكتسب خبرات واسعة يومًا بعد الآخر".

وتضيف: "كان يتعين عليَّ تقديم تقرير مفصل عما تعلمته شهريا وبعد انتهاء الدورة، وكيف سأطبقه في بلدي، وقد استفدت بشكل كبير من الدورة، إذ كانت الدورة خاصة بي وحدي، وتمحور دور الخبير الدولي في تحديد ما ينبغي علي تعلمه والتعرف عليه خلال فترة التدريب في أوروبا".

ومن الأحداث المهمة التي عاصرتها الخروصية خلال فترة إقامتها في أوروبا، أنها تلقت تكليفات بحضور اجتماع دولي للجمعية العمومية لقطاع المواصفات والتقييس لاجهزة الاتصالات في الاتحاد الدولي للاتصالات بجنيف، ثم بعد ذلك في العام 1973 كنت ضمن وفد السلطنة برئاسة معالي وزير المواصلات لمؤتمر المفوضين على مستوى الوزراء بالاتحاد الدولي للاتصالات؛ بهدف مراجعة دستور الاتحاد والاتفاقية الدولية.

وتروي الخروصية مشهدا لن تنساه عن هذا الاجتماع، حينما حان الوقت لكل وفد أن يُقدم نبذة عن بلده التي يمثلها، ومن ثمَّ تولت هي مسؤولية التعريف بعُمان أمام هذا المؤتمر الدولي، وكان من اللافت جدًّا للنظر أن الخروصية كانت المرأة الوحيدة التي القت كلمة بالنيابة عن وفد في هذا الاجتماع، ولم تكن ضمن الوفود البلدان الأخرى امرأة، فيما عدا ممثلة فرنسا.

التدرُّج الوظيفي

وتوضِّح الخروصية أنه بعد عودتها من البرنامج التدريبي، توَّلت مسؤولية ادارة الترددات، وتطور الأمر لتعمل في نطاق اللجنة التنسيقية على مستوى دول الخليج العربية، باستثناء الكويت والسعودية، وهي أول لجنة تنسيق على مستوى دول المنطقة، وكانت عضوًا في هذه اللجنة التأسيسية، وتسلمت مسؤولية ترددات عُمان، في دائرة البريد والبرق والهاتف، وكانت شركة "كيبل آند واير لس" هي التي تتولي ذلك قبل استلام الحكومة بتلك المهام في اوائل فترة تعيينها، ومن ثم تحولت هذه اللجنة إلى "الأمانة الفنية لدول مجلس التعاون الخليجي في البحرين".

وتسلط الخروصية الضوء على تدرجها الوظيفي في الحكومة، فتقول: "في البداية تم تعييني مساعدة لمدير لشؤون الاتصالات، وترقيت بعدها إلى نائبة مدير، ومن ثم انتقلت لفترة قصيرة جدًا، إلى وزارة الإعلام التي كانت متعاقدة مع شركة ألمانية لصيانة شبكات الاتصالات". وتتابع: "بعدها اتجهت للبحث عن عمل في شركات أخرى، وحصلت على عرض عمل في شركة إريكسون، والتي طلبت مني رسالة من وزير المواصلات آنذاك بعدم ممانعة الوزارة في انتقالي، لكن الوزير رفض وأعادني للعمل في عملي الاصلي، وبعدها حصلت على ترقية مهندس أول؛ حيث كنت أعمل كنظير لرييس مهندسين المنتدب من الاتحاد الدولي للاتصالات لإدارة المشروع، وفي الوقت نفسه، كنت أدير الجوانب الأخرى الخاصة بالترددات والعلاقات الدولية".

وتمضي الخروضية قائلة: "وفي العام 1976، سافرت لمرافقة زوجي الذي كان قد انتدب الي وزارة الخارجية، وفي ذلك العام تم نقله للعمل في سفارتنا في الكويت، وخلال إقامتي هناك، ضرب الملل حياتي، وقررت البحث عن عمل لتفادي حالة الملل الناتجة عن مكوثي في المنزل دائماً، وبالفعل ذهبت إلى وزارة المواصلات في الكويت، وتقدمت للعمل فيها، وحصلت على موافقة مبدئية، إلا أنهم اشترطوا حصولي على موافقة من الحكومة العُمانية، كوني زوجة دبلوماسي ولا يحق لي العمل إلا بموافقة رسمية". وتضيف الخروصية أنها لم توفق في هذه الوظيفة، وقررت السفر للحصول على درجة الماجستير، وفي تلك الفترة أنشأت الحكومة الشركة العمانية للاتصالات "عمانتل"، فانتقلت للعمل فيها، بصحبة 3 زملاء مهندسين في الدائرة، وبعدها تم تعيينها عضو مجلس إدارة الشركة.

منحه دراسية

وفيما يتعلق بالدراسات العليا للخروصية، توضح أنها حصلت على منحة من القنصلية البريطانية في مسقط ممثلة في المجلس الثقافي البريطاني وذلك في العام 1977، وكان العرض بعد حصولها علي الماجستير في عام 1987 أن تواصل الدكتوراه، لكنها اعتذرت واكتفت بحصولها على الماجستير بسبب الالتزامات الاسرية ومن ثم عادت إلى السلطنة في عام 1980.

وتستطرد بالقول: "بعد عودتي من الدراسة ونيل درجة الماجستير، حصلت على ترقية إلى منصب مستشار، بجانب عملي كعضو مجلس إدارة شركة عمانتل، وزادت وقتها الأعباء الوظيفية، حيث كنت اعمل في اعمال ومهام خاصة في عمانتل، وكان العمل يتطلب الكثير من الجهد والمسؤولية، وكانت ظروف العمل تُجبرنا في كثير من الأحيان للدوام حتى الساعة الثانية صباحًا أحيانا، رغم وضعي العائلي، لكني لم أتذمر؛ فالجميع كان محبًا للعمل ويدرك جيدا حجم الإنجاز الذي يحققه خدمة للوطن".

وتشير الخروصية إلى أنها استمرت في هذا المنصب حتى فترة التسعينيات، وفي تلك الحقبة الزمنية تم تكليفها باعداد إعادة هيكلة قطاع الاتصالات، ثم في عام 2002 تكليفها بانشاء هيئة تنظيم الاتصالات، وفي العام 2011 تشرفت بتعيينها من قبل حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم -حفظه الله ورعاه- في مجلس الدولة.

وتؤكد الخروصية أن تجربتها في مجال الاتصالات كانت ناجحة بامتياز، رغم التحديات والعقبات التي واجهتها، إلا أنها استطاعت تجاوزها ومواصلة التقدم والعطاء. وتضيف الخروصية أنه من الضروري أن يُدرك الجميع أن تقديم خدمات الاتصالات أمر مرهق جدًا، ويتطلب تكاليف مرتفعة، على عكس بقية الخدمات الأخرى، لاسيما وأن البدايات شهدت فترة ضغوط هائلة، من حيث ندرة الخبرات أو ارتفاع التكلفة.

وتتابع أنه في كثير من المناطق والقرى خلال فترة السبعينيات، كان العمل جارياً على قدم وساق لإدخال الإرسال، رغم التكاليف الباهظة، ووعورة الكثير من المناطق في السلطنة نظرًا للطبيعة الجغرافية من تضاريس صعبة وأودية.

مجلس الدولة

وحول دورها في مجلس الدولة، تقول المكرمة المهندسة ناشئة الخروصية: "دورنا في مجلس الدولة مُشرعون، ورغم خلفيتي الهندسية إلا أنني قمت في أوقات سابقة بأعمال التشريع، فالعديد من جوانب عملي في مجال الاتصالات مرتبط بشكل وثيق بقانون الاتصالات، لكني مع تعييني بمجلس الدولة، طلبت التواصل المباشر مع المجتمع فيما يتعلق بالجوانب الاجتماعية، وبذلك ذهبت إلى اللجنة الاجتماعية بالمجلس، بغية المشاركة في تطوير الوضع الاجتماعي في السلطنة، ودراسة القوانين الاجتماعية التي تحتاج إلى تعديلات لمواكبة المتغيرات الحاصلة".

وتضيف: "دخلت كذلك إلى اللجنة الاقتصادية، وعرض علي العمل في اللجنة القانونية، وحرصت على العمل في أي موقع يُطلب مني العمل فيه، لاسيما وأن العمل في موقع كمجلس الدولة مختلف تمام الاختلاف عن أي عمل في أي قطاع آخر، علاوة على أن العمل التشريعي كلياً عن العمل التنفيذي، وهو ما ساعدني على العمل في الهيئة الاستشارية للمجلس الاعلى لدول مجلس التعاون الخليجي؛ حيث تم تعييني كعضو فيها في عام 2013".

اشترك في حسابنا على يوتيوب لمشاهدة فيديوهات لأهم الأحداث العالمية والإقليمية