الثلاثاء, 18 سبتمبر 2018

خبر : العثمانية: سقط الحكم وبقيت اللغة

الثلاثاء 27 أكتوبر 2015 10:30 م بتوقيت مسقط

نادية اللمكي

قبل مُدة غرّد أحد أساتذة اللغة على موقع تويتر قائلاً: " نحن نهوي في مآزق التاريخ؛ فالضاد تضيع بين حروفٍ أجنبية!" إنك للوهلة الأولى حين تقرأ هذه الجملة من أستاذ جامعي عربي تشعر بمأزقنا التاريخي حقًّا، لكنه ليس في الخوف من ضياع اللغة بل في حالة الخوف التي تعتري بعضنا من غياب الحضور العربي المُؤثر في هذا العالم المتسارع، إنها حالة الفقد الحضاري المرتبط بزمنٍ "كان" للعرب فيه السلطة والكلمة، والتي تترجم في الاستنجاد بكل معالم الماضي، والتشبث بأدواته ووسائله، والتي منها التعصب للعربية، وهم بين خوفهم على اللغة وبين حالة الفقد التي يعيشونها يُريدون من العربية أن تبقى كما هي أصيلة لا متأثرة، وهو أمر يتعذّر واقعًا،"فمن المتعذّر أن تظلّ لغةٌ بمأمنٍ من الاحتاك بلغةٍ أخرى"، وكذا قال ابن جني: " ألا تراهم كيف ذكروا في الشذوذ ما جاء على فَعل يَفعل نحو نعم ينعم...واعلم أن ذلك وعامته هو لغات تداخلت وتركبت".

وعلى مرّ الأيام كان لعوامل الجغرافيا والسياسة والعوامل الحضارية والثقافية الأثر في اقتراض الألفاظ والتأثر الصوتي وتداخل التراكيب بين لغات البشر، ومن بين تلك الصور الاقتراض اللغوي من اللغة العثمانية التركية، وهي موضوع دراسة الكاتب والأكاديمي نادر سراج في مقاله "الحضور العثماني التركي في اللغة العربية: تجدد الجاذبية أم تواصل ثقافي ووظيفي"، والذي تناول فيه واحدًا من أوائل القواميس التي درست تأثر العربية بالعثمانية التركية، راسمًا بالشرح منهج المؤلف، وأبواب مؤلفه وفصوله، ونماذج متبعوةٍ بالتوضيح لصيغ الاقتراض.

وقد اتبع الكاتب الأسلوب الأكاديمي في مقاله؛ فقد بدت كتابته متسلسلة الأفكار، واضحة المنهج، مُتْبعًا أشهر الأسماء بسيرة وجيزة لإفادة القارئ بها، ومرتبًا خلاصته على طريق القاعدة ومثالها، وإضافة إلى ذلك فقد عمِد الكاتب إلى جعل موضوع المقال أكثر حيوية عبر تقديمه له بوقائع وشخصيات عصرية ارتبطت بألقابٍ تركية الأصل، وعبر ألفاظٍ يومية قريبة من القارئ العربي ليوصله في نهاية الحديث إلى استنتاج أنها مفردات عثمانية.

إذن فمن المسلَّم أن ينتج التفاعل السياسي بين الدولة العثمانية الحاكمة قبل أكثر من 500 عام وبين الدول العربية المحكومة تواصلا حضاريًا وثقافيًّا، فمع التزاوج والرئاسة والعمل وحتى تبادل الحوار تناقل الناس في المدن العربية ألفاظًا ووحدات معجمية أو حتى تراكيب عثمانية، وبغض النظر عن كونها تركية الأصل أم أنّها من جذور يونانية وفارسية فقد اعتاد الناس تداولها مع طول فترة الاحتكاك بالعثمانيين، خصوصًا في الدول القريبة مثل بلاد الشام ومصر، كما أشار الكاتب إلى أنّ المحيط الإداري والسياسي المتأثر بالمعجم العسكري العثماني ما يزال حاضرًا حتى اليوم في ألقاب السياسيين، وتلك إشارة إلى كون هذا الإرث اللغوي تناقلته الأجيال حتى أصبح الناس لا يشعرون بأنّه أجنبي الأصل.

ولقد تعدت الظاهرة كونها طبيعية نتيجة العوامل السابقة إلى ظاهرة عنيت بدراسة المتقدمين والمتأخرين؛ فألفوا فيها القواميس المعجمية، يذكر لنا الكاتب منها قاموس الشيخ محمد علي الأنسي، الذي ولد في بيروت وعمل قاضيًا ومؤلفًا متنقلا بين علم الحديث والتأليف الأدبي ووضع القواميس، وحتى يكون اختيار الكاتب على أسس علمية واضحة عمد إلى تعليل اختياره قاموس الشيخ الأنسي "الدراري اللامعات في منتخبات اللغات"؛ لكونه أولاً سبّاقًا في جعل الجانب المعجمي أبلغ اهتمامه، ولكون ألفاظ القاموس ملحقةً بشروح عربية تسهّل على القارئ الوصول إلى المعنى الدقيق، وثالثًا لجمعه المختار والصحيح من اللغة العثمانية.

ثم انتقل بنا الكاتب بعد الحديث عن المنهج إلى الحديث عن الأبواب والفصول، وقد اشتبه علي إن كان هذا التقسيم هو تقسيم الشيخ الأسني في قاموسه أم هو اختيار الكاتب، فهو يقول إثر حديثه عن توزيع مواد القاموس: "وتسهيلاً لفهم هذا الاقتراض...وجدنا من المفيد الاستناد إلى تقسيم اصطلاحي للمجالات لذا اعتمدنا ستة عشر مجالا أو بابًا." فلست أدري هل "نا" المتكلمين تعود إليه أم لمؤلف القاموس! ومهما يكن من أمر فهذا التقسيم مبني على النوع وليس على أول حروف الكلمة كما اعتدنا في معاجم العربية؛ ولعل ذلك لكون المفردات الواردة غير كثيرة فلا يصعب معها البحث، ولكونها أسهل لمن يبحث عن الكلمة في قسمها أو مجالها.

وقد لاحظتُ من الكلمات العثمانية التي أوردها الكاتب مشفوعة بمرادها في العربية أن أكثرها لم تقترض كما هي، بل لحقها تغييرٌ في بعض حروفها من نحو: يأنسون (أناصون)، بابونج (بابونه)، الطازج (طازه). بل إنّ بعضها لا يوافق مشفوعه مطلقًا من نحو: حلو (طاتلي)، سليم (صاغ)، المستقيم (دوغري). فربما هي كلمات مستخدمة في لهجات أهل الشام وبعيدة عن استعمالاتنا نحن أهل الخليج. كما أنّ هناك ملاحظة ثالثة هي تقارب بعض الألفاظ التركية من اللفظ العربي الفصيح، حتى ليشتبه على القارئ من اقترض ممن، من نحو: الضعيف (ضعيف)، المائدة (سفرة)، الليمون الحلو (ليمون)، الفستق (فستق).

ومع وجود قاموس ذي منهجية سهلة وواضحة يأخذنا الكاتب إلى استنتاجاته حول منهجية الاقتراض؛ فقد لاحظ رواج صيغة اشتقاق الاسم المنسوب من التركية في كلمات عربية الأصل ولا مرادف لها في التركية، من نحو إضافة لاحقة "جي" إلى ألفاظ المهن، كما صيغت أسماء النسبة لإظهار الاستخفاف والتحقير من نحو: "إسلمجي" للدلالة على التشكيك والاستخفاف في مدعي الإسلام. كما أشار الكاتب إلى ملاحظات أخرى ختم بها حديثه عن منهج الاقتراض منها وجود تعابير يومية تدل على النفي أو الاستحسان، وتعابير متداولة في مجال السياسة والإعلام تُشير إلى معانٍ إيجابية أو سلبية بحسب وجه الاستخدام.

وكما أشار الكاتب فلوسائل الإعلام والمسلسلات الشعبية تحديدًا دورٌ بارزٌ في إظهار هذه الألفاظ، غيرَ أنني أرى بأن ظهورها تنقصه معرفة المشاهد بأصلها ومعناها، فلطالما كنت أردد كلمة "شاويش" دون أن أعلم أنها لفظ تركي يعني "الأصفاد".

إن هذا الحضور الثقافي المتمثل في الاقتراض اللغوي يشكل -كما يقول الكاتب- جانبًا مضيئًا من جوانب احتكاك الألسن بعضها ببعض، ولطالما كانت اللغات المستقبلة للألفاظ والمتسعة لتراكيب وحدات معجمية جديدة هي اللغة الأكثر حيوية، والأقدر على التفاعل مع غيرها من اللغات، فلماذا كل هذا النحيب من المثقفين اليوم على كلمات تدخل لغتنا ويعاد صياغتها لتستخدم من جديدٍ معربة!