الأربعاء, 21 نوفمبر 2018

خبر : على عتبات عام هجري جديد

الأربعاء 14 أكتوبر 2015 12:12 ص بتوقيت مسقط



عيسى بن علي الرواحي

تتوالى اﻷيام يوماً بعد يوم، وتنقضي اﻷعوام عامًا بعد عام، ومسيرة الزمن وعجلة الحياة ماضية دون توقف منذ أن خلق الله الدنيا ومن عليها إلى أن تقوم الساعة، وما بين حلول عام هجري وانقضائه تمر اﻷيام سريعًا، ولا يكاد يُصدق المرء سرعة تواليها وانقضائها، ولكنه يوقن أنها من رصيد عمره المحدود وتقريب ﻷجله المحتوم، وبما أنّ اﻷمر كذلك فحري بالمُسلم الفطن وهو يودع عامًا هجرياً ويستقبل عاماً هجريًا آخر أن يقف مع نفسه وقفات يكون جادًا في مراجعة سجل أيامه ولياليه الماضيات بإشراقاتها وإخفاقاتها، فيقيل عثراتها ويصوب أخطاءها ويسدد عجزها ويكمل بناءها، ويسعى بإيمانه وواجباته إلى الارتقاء ومواصلة البناء والعطاء.
وتلك الوقفة مع النفس ومراجعة الذات والنظر بتمعن في سجل اﻷيام الماضيات أمر لابد منه لمن أراد تصويب أخطائه وتلافيها، وتعزيز محامده والرقي بها، واغتنام أوقاته واستغلالها، وهو أمر يهيء صاحبه لحساب قادم لا محالة ولا مفر منهسيقف فيه أمام رب اﻷرض والسماوات في يوم يشيب لهوله الولدان فيحاسب حينها على النقير والقطمير، ويحاسب عن كل لحظة من لحظات حياته، ويحاسب عن كل مثقال ذرة من أعماله، وكل لفظة من أقوال لسانه، فيتقرر على ضوء الحساب مصيره، فإما إلى نعيم وإما إلى جحيم فريق في الجنة وفريق في السعير يقول تعالى: (وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَىٰ وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ ۚ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ) [سورة الشورى : 7]
حريٌ بالمسلم أن يراجع علاقته مع جملة التوحيد ( لا إله إلا الله) وينظر تطبيقها في تعاملاته، وأثرها في واقع حياته، فليس اﻹيمان بها مقتصراً على اعتقادها بالجنان وترديدها باللسان، وإنّما هي جملة تقتضي بعد اعتقادها وترديدها ترجمة على أرض الواقع كخشية الله بالغيب، ومراقبته في السر والعلن، وعدم الخوف إلا منه، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وعدم تقديس البشر ووضعهم فوق مراتب العصمة والكمالات.

وحريٌ به أن يراجع علاقته مع لفظة الشهادة (وأشهد أنّ محمدًا رسول الله) فينظر إلى مدى مطابقة سلوكه وأفعاله وأقواله ﻷوامر المصطفى _ صلى الله عليه والسلام_ متذكراً قوله تعالى:(وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) [سورة آل عمران : 132] وقوله تعالى: (...وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) [سورة الحشر : 7]وليُوقن جيدًا أنّ سعادته وراحته ومحبته في قلوب العباد إنّما بامتثال أوامر الله ورسوله.

وجديرٌ به أن يُراجع علاقته مع كتاب ربه دستور الحياة ومعجزتها الخالدة تلاوة وتدبرًا وحفظًا وعملاً وتطبيقًا، وينظر إلى ورده اليومي من التلاوة أم أنّه من أولئك الذين لا حظّ لهم في ذلك؟ وينظر إلى علاقته مع هذا الكتاب الهادي إلى سواء السبيل عملاً وتطبيقاً وامتثالاً وهذا يقتضي منه أن يُراجع سلوكاته وتعاملاته مع اﻵخرين، وإلى علاقته مع أهله وأبنائه وأقاربه وجيرانه، وإلى أدائه واجباته الوظيفية وأماناته العملية؛ فهذه كلها امتثال لما جاء في الكتاب العزيز وليس اﻷمر مقتصرًا على أداء الشعائر التعبدية.

وواجب عليه أن يراجع علاقته مع عمود الدين وركن اﻹسلام القويم وأول ما يُحاسب عنه يوم القيامه، وما يترتب عليه من قبول أعماله أو فسادها، وينظر إلى واقعه أهو ممن يقيمون الصلاة أم لا؟ أيؤدي الصلوات في وقتها أم لا؟ أيؤديها جماعة أم لا؟ وليُراجع نفسه أكثر في علاقته مع صلاة الفجر أين ومتى؟ فواقع حال المساجد في صلاة الفجر يصور لنا واقعاً يجب أن نراجع فيه أنفسنا.

وعليه كذلك إن كان ممن أسبغ الله عليه نعمة المال وسعة الرزق أن ينظر إلى تأديته حقوق هذا المال من زكاة وصدقة وحج بيت الله الحرام إن كان ممن توفرت فيه شروط الاستطاعة، وعليه أن يُوقن أنّ زكاة ماله أمر واجب عليه، وحق من حقوق مستحقيها لا تفضلا عليهم.

ولا بد أيضًا أن يُراجع علاقته مع سيد الشهور وأعظم اﻷوقات مع شهر النفحات والبركات شهر رمضان المُبارك، هل صامه حق الصيام وقامه حق القيام؟ هل اغتنم لياليه وأيامه كما ينبغي؟ أخرج من صيامه برحمة ومغفرة وعتق من النّار أم كان حظه من رمضان الجوع والنصب فحسب؟.

إنّ المحسن في هذه الحياة من كان يومه خيرًا من أمسه، وغده خيرًا من يومه، والمسيء من كان يومه شرًا من أمسه، وغده شرًا من يومه، ومن أراد أن يُحقق قاعدة اﻹحسان، ويجتنب طريق اﻹساءة والخسران، فليحاسب نفسه قبل أن يُحاسب، يقول سيدنا عمر الفاروق _ رضي الله عنه_ : (حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أنّ ملك الموت قد تخطاكم إلى غيركم، وسيتخطى غيركم إليكم؛ فخذوا حذركم) وجدير بكل من قصر وأساء وأخطأ أن يتدارك نفسه قبل فوات اﻷوان؛ فالكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله اﻷماني، فباب التوبة مفتوح على مصراعيه ما لم تغرغر النفس أو تطلع الشمس من مغربها، ويندم حينها المرء حيث لا ينفع الندم... والله المستعان.

[email protected]