معسرون خلف القضبان.."حلم الثراء" يتبخر في سماء الديون

رَصَد التجربة- مدرين المكتوميَّة

بدأ (خ.م) حياته من الصفر، وعلى الرغم من قسوة الظروف اختار الرجل لحياته مسارا مغايرا غير الذي اختاره له الزمن وأبواه؛ فبعدما انفصل عن زوجته انتقل للعيش في مكان بعيد عن مسقط رأسه في إحدى القرى الصغيرة بولاية صُحار، عملموظفا بسيطا وتزوج بامرأة أحبها واختار أن تكون شريكة حياته، يبدآن سويا مسيرة العمل والكفاح لتوفير حياة كريمة لكليهما. لم يرفض (خ.م) الوظيفة التي عُرضت عليها بأجر شهري لا يتجاوز الـ122 ريالا، يذهب جزء غير بسيط منه لصاحب العقار الذي يقطن فيه في أحد الأحياء الفقيرة، علاوة على مصاريف سيارته القديمة والمصاريف المنزلية.. ظل يعمل ليل نهار لتحصيل أكبر قدر من الدخل ليسد به نفقاته، ويضع قدما على أول طريق تحقيق الأحلام، التي تحولت إلى كابوس فيما تلى ذلك من أيام.

رُويدا رُويدا.. بدأ الرجل يشعر بتحسُّن نسبي في دخله المعيشي، وتمكَّن من تغيير الواقع من حوله، ومع الزيادات المتتالية في راتبه، راودته فكرة تحقيق حلمه الأول، وهو بناء منزل، يؤيه هو وأبناءه، ويُنهي آلامه في المنزل البسيط الذي يقطُن فيه. أدْرَك الرجل أنَّه بات قادرا على الاقتراض من البنك، للحصول على أموال كافية لبناء المنزل. وبالفعل؛ ذهب إلى بنك الإسكان للحصول على قرض، يتم اقتطاع أقساطه من راتبه الشهري، وتم ما أراد له في سلاسة وهدوء.

أحلام تتحقَّق

ويقول (خ.م): استغرق بناء المنزل قرابة 4سنوات، حتى اكتمل البناء، ومن بعدها تجهيز المنزل بالأثاث اللازم، لننتقل بعدها إلى العيش في كنفه، واستقرَّت الحال بنا في هذا المنزل لمدة عامين؛ إذ كانت الأمور تسير بشكل جيد.

وكانتْ الأسرة البسيطة تنظُر كلَّ صباح من نافذة المنزل نحو الأفق، راضية بما قسمه الله لهم من نعم، ومع استمرار حالة الاستقرار، قرَّر الرجل أن يزيد من دخله وأن يستفيد من التنمية التي تنعم بها البلاد؛ فكان أن دخل في مشاريع مختلفة، واقترض على أساسها لزيادة رأس المال، ومضت المشاريع لفترة تحقق أرباحها ويواصل هو سداد ما تبقى من أقساط القروض إلى البنك.

لكن أتت الرياح بما لا تشتهي السفن.. فذات يوم أصاب الرجل حالة مرضية، وضعته طريح الفراش، لفترة من الزمن؛ مما تسبب في توقف أعماله. وفي غفلة من نفسه وواقعه، استقال من عمله الذي كان يُوفر دخلا ثابتا، إلا أن هذا القرار كان له ويلات على حياته؛ إذ قضى نحو عام خلف القضبان، فضلا عن تشتت أحوال العائلة، والتردد الدائم طوال هذه الفترة على المحاكم، يبحثون في أروقتها عن مخرج لأزمتي.

فلم يستطع (خ.م) سداد ديونه، وتخلى عنه القريب قبل الصديق، لأسباب شخصية، ليقف وحيدا يصارع أمواجا عاتية من الصدمات؛ ما بين تعثر في السداد وانهيار لمشاريعه وأحلامه واحدا تلو الآخر؛ فكان النتيجة انزلاق شديد نحو قاع الهموم.

أصعبالمراحل

ويقول (خ.م): في واقع الأمر، كانت أصعب مراحل حياتي عندما ارتديت ملابس السجن البيضاء، ومجاورة المتهمين والمدانين في جرائم السرقة والقتل والمخدرات...وغيرها، وكان أشد الأوقات وطأة على نفسي، عندما تأتي الأسرة لزيارتي، لم أكن أتحمل حبس الدمعة في عيني".

ويضيف (خ.م) أنه كان يتمنى خلال هذه الزيارات أن يحتضن ابنته ذات السنتين، إذ كان يشعر بالخجل منها، ويشفق على صغاره الذين سيرتبط اسمهم بأبيهم الذي باتت له سوابق جنائية.. ويمضي قائلا إنه كان في كل مرة يستقبل فيه أسرته، يستفسر عن آخر تطورات القضية وماذا قام به المحامي، لكنه لم يكن يتلقى إجابة شافية.

ويروي (خ.م) أنه على الرغم من أنه كان يرى أسرته في هذه الزيارة، إلا أن الألم كان يعتصره بسبب الحالة التي يرى عليه أسرته، التي تأتي لزيارته بسيارة أجرة، بعدما كان يمتلك 7 سيارات، لا سيما مع تخلي الجميع عنه.

ويمضي قائلا: "في تلك الفترة، تعلَّمتالكثير والكثير، وسقطت أمام عيني الكثير من الأقنعة التي تخفي خلفها وجوهالم أعرفها على حقيقتها، لكن تكشَّفت لي مع مرور الوقت، ولم يقف أحد بجانبي إلا زوجتي وأبنائي الذين وقفوا معي ودخلوا المحاكم وهم صغار وتوسلوا المحامي والقاضي لأجلي، وتوسلت زوجتي لإخوتي وعائلتي كثيرا ليبقوا بجانبي.. لكن دون نتيجة". ويتابع: "ما كان بيدي إلا أن أتقبل أمر الجلسات والقاضي، فذهبنا للمحاكم وترافع المحامي في الابتدائية والعليا والاستئناف دون فائدة؛ حيث كان حكم القاضيعلي بالسجن؛ لأنَّني لم أستطع سداد ديوني لمدة سنة، ولكني -والحمدالله- بعد فترة من الوقت ومع الإثباتات المختلفة ظهرتبعضالملفاتالمخبأةالتي تلاعب فيها بعض من كانوا حولي والتي تثبت عدم مقدرتي على سداد ديوني، ومنها تم الحكم عليَّ بأقل من ذلك، وخرجت بعد انقضاء المدة الزمنية المحددة".

ويشير (خ.م) إلى أنه اضطر إلى بيع أملاكه بعد الخروج من السجن، ومنها منزله الذي بذل فيه الكثير وتحمل من أجله الكثير، ليتحول بعدها إلى السكن في شقة صغيرة، ومع تزايد ضغوط الحياة وانعدام الوظيفة وتخلي الأصدقاء، مرَّ الرجل بفترة أشد إيلاما من فترة السجن؛ حيث لم يعد قادرا على العمل، أو تغيير الواقع نحو الأفضل.

ويقول(خ.م): "لقد خرجت من هذه المحنة بعدة دروس قاسية، حيث أدركت أنَّ ثروتي الحقيقية ليست في المنازل أو الأموال في البنك أو المشروعات، ولكن في المعدن الطيب الذي غرسته في أبنائي وزوجتي، فقد تيقَّنت أنَّ لدي زوجة لا مثيل لها، كما تعلمت أنَّ هناك أشخاصا يبيعون السعادة وهم في الحقيقة شياطين بأقنعة ملائكية،وأن هناك من توقعت أن يمدوايد العون لي، لكنهم تخلوا عني بل وكان بعضهم سببا فيما حدث لي من مشكلات.

وعلى الرغم من انقضاء محنة السجن، إلا أنَّ (خ.م) لا يزال يتخوَّف من أي اتصال مجهول؛ فيخشى أن تكون المحكمة أو الشرطة أو أحد الدائنين. ويروي أنَّ أكثر اللحظات إيلاما عليه بعد خروجه من السجن، أن يتلقى اتصالا يخبره المتحدث فيه بأنه مطلوب بشأن مبلغ لم يسدده لأحد الأشخاص؛ إذ يصف هذه اللحظات بالقول: "أتمنى لو أكون بأحضان القبر ولا أتلقى هذه المكالمة".

معاناة (خ.م) لم تنتهِ بخروجه من السجن، لكنها جرس إنذار يدق ليحذر الآخرين من مغبة الاستثمارات غير الآمنة، أو المجازفة والمخاطرة بالأموال، لتظل القناعة كنزًا لا يفنى!

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z