العلماء العارفون والتغيير "بالتي هي أحسن"

سليمة المشرفيَّة

يعتقد البعضُ أنَّ التغيير لا يُمكن أن يحدث إلا بلغة القوة وفرض الرأي بالتي هي أسوأ، ولايبالي إن كانت هذه القوة ستقضي على أحلام الضعفاء والأبرياء، وتحصد براءة الأطفال وبقية أمل الشيوخ؛ إذ إنَّ الغاية النبيلة لديه تبرر الوسيلة الهمجية، والهدف البعيد يستحق هذه القرابين والأضاحي، ونسي أو تناسى أن العنف والعدوان لايُمكن أن يأتي إلا بعنف مقابل وتستمر دوامة الدمار بالأرض والإنسان، وكلٌّ يدعي أنه المصيب والمخالف أو العدو كما يسميه هو المخطئ المصر.

والقارئ للتاريخ يجد أنَّ من أمثال هؤلاء لم يظفروا إلا بنتيجة الخزي والعار عليهم وعلى بلدانهم وأن تغييرهم المنشود تهاوى أمام زخرفة كرسي السلطة الذي داعب أنظارهم، وإلا فأين التغيير الذي كان يتغنَّى به بعض المناهضين الذين حملوا خطيئة إخوانهم أوأبنائهم؟ وأين تغيير الدول التي أطاحت بالتي قبلها باسم التغيير؛ تلك الكلمة التي خدرت الغافلين لبعض الوقت لينكشف المستور، بمجرد أن وصل المناهض لكرسي الحكم أو المنصب، فتحكم في الصغير والكبير، وتملك رقاب العبادوخيرات البلاد.

... إنَّ للعلماء العارفين والعباد المخلصين لغة أخرى للتغيير؛ فلقد استخدموا سلاح الكلمة النورانية، تلك الكلمة التي تتسلل إلى الأرواح ما إن يلامس وقعها شغاف القلوب حتى يبدد كل الظلمات والعتمات، وتترك الأثر الفعَّال الذي تعجز عنه أسلحة الذرة والنواة، ومن النماذج التي قرأت عنها في العالم التركي بديع الزمان النورسي، ذالكم العارف بالله الذي رفض منطق القوة مع تفاقم السلطة العلمانية في تركيا التي لم تبق أثرا للدين الإسلامي، ورفضت كل صلة به من قريب أو بعيد وسعى يبث رسائله النورية مع قمة التشديد عليه وتهجيره وسجنه، إلا أنه ظل على هذه الحال ربع قرن من الزمن إلى أن وجدت تلكم الرسائل طريقها إلى القلوب والأرواح ورجعت الأمور إلى سابقتها، لقد انتصرت تلكم الكلمات والرسائل بالرغم من محاولات تحطيمها وإقصائها، إن طريق التغيير شائك في حاجة لقلب مخلص وضمير حي لتسويته وتمهيده؛ فكان هذا العابد واحدا ممن سلك طريقه وصبر على تسويته حتى أثمر جهده نورا يملأ أروقة البلاد وسلاما يسكن أرواح العباد والنماذج من أمثاله كثر ممن ناضلوا ورفعوا راية الكلمة الإصلاحية عالية تشرئب إلى سموها القلوب قبل الأعناق.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z