ملالا.. وطاقات نسائية أهدرتها أفكار المجتمعات البدائية


عبير السعيديَّة

أُجزم أنَّكم جميعاً تعرفون من هي ملالا. وقد يعرف أغلبكم قصة نضالها حتى حققت الهدف الذي سعت إليه منذ طفولتها. والذي لسببه واجهت الكثير من الصعاب من بينهارصاصةً اخترفت رأسها، وكادت أن تقضي على حياتها، ورغم ذلك لم تتراجع عن الهدف الذي سعت إليه وبقوة.

هذه الفتاة الصغيرة التي لم تعرف التنازل والتراجع أبداً لا تزال مقولتها تتردد في ذهني وتشعرني بكثيرٍ من العزم والقوة "إلى كل اللائي واجهن إجحافاً وتم إسكاتهن؛ معاً سنسمع أصواتنا" هذه المناداة القوية إلى شقيقاتها اللواتي لا قيمة لأصواتهن.

كم من الفتيات الطموحات قُتلت أحلامهن قبل مطلعها ولعلنا جميعاً نحن النساء الأكثر تعرضاً للضغط من قبل المجتمع؛ كونه رسّخ فيه فكرة الضعف الذي نعانيه مقابل قوة الرجل. رغم أننا جميعاً لا نختلف من حيث العقلانية والإرادة والعزيمة، ولا أظن أنَّ هنالك شيئًا آخر نحتاجه لنحقق ما أحلامنا.

لا أظن أنَّنا نحتاج لأكثر من فرصةٍ لتحقيق هذا. ولكم يزعجني أن أرى طاقةً نسوية بدت شعلتها واضحةً، ولكنها بحكم المجتمع ذي الأفكار البدائية انطفأت ولم تعد سوى حلم لم يجد متسعاً للنور. وإذا كنت سأذكر هنا مثالاً لما أزعجني فعلاً، فتاة في السابعة عشر من العمر كان لها حلم بأنَّ تصبح طبيبةً ذات يوم،وقد كانت بالفعل تملك من الذكاء والسعي ما يخوّلها لتحقيق ذلك وإذ بي أتفاجأ بها ذات يوم بأنها تزوجت وانقطعت عن الدراسة نهائياً بحكم العادات والتقاليد التي بصقت على حلمها، وقالت إنَّ أهم ما على المرأة القيام به هو إنشاء أسرةٍ جديدة والاهتمام بها. لابد أنَّ هنالك الكثيرَ من القصص في هذا المنوال، ولا أتحدث عن هذا الأمر لكوني إمرأة وأبحث عن مصوغٍ لمزاحمة الرجل في عمله وسلطته، على العكس تماماً فما يقلقني فعلاً هو الطاقة، تلك التي لو وضعت في مكانها لحققت لنا جميعاً المجد.

إذن؛ الطاقة لم تولد في عقول الرجال وحسب فقبل أن نلجأ إلى هذا التقسيم الذي أعادنا للوراء خطواتٍ عدة؛ عليَّ أن أتحدث عن الإنسان والفكر لكلٍّ منا، وإذا كنت سأضطر فعلاً للجوء إلى الأدلة التي تثبت مصداقية وجود طاقات حقيقية لدى الجانب النسوي؛ فعليَّ ذكر البطلة هاريت تومان، المرأة الأكثر تأثيرًا في المجتمع؛ فقد ولدت في بيئة استعبدتها لأمدٍ بعيد لكنها قاومت وحاربت لأجل الحرية طويلًا وهي أول أمرآة قادت حملةً مسلحةً في الحرب وتحرر على يدها أكثر من 700 فرد من العبيد.

ولا أنسى سيمون دي بوفوار الكاتبة والفيلسوفة الفرنسية التي لعبت مؤلفاتها الأدبية -والتي تتحدث عن قضايا التمييز ضد المرأة- دورًا رائدًا في حركة تحرير المرأة ليس على صعيد فرنسا فحسب، بل تعدتها إلى معظم حركات التحرير النسائية في العالم، وقد تمثل فكر دي بوفوار في التأكيد على الهوية والمطالبة بالمساواة ولا تزال أفكارها الفلسفية يتردد صداها إلى اليوم. وأخيرًا أذكر الباحثة العبقرية ماري كوري أول امرأة تحصل على جائزة نوبل في العالم. قائمة النساء اللواتي سجلهن التاريخ طويلةًجدًا ولا يمكن أن أنتهي منها ما اذا قمت بإعدادها هنا.

وكلُّ هذه الأسماء العظيمة من النساء اللائي لم يتراجعن عن تحقيق ما أردنه رغم الظروف. ومن واجب الذكر هنا أنْ أشير إلى أنَّ ليس للمجتمع كل الذنب، بل إنَّ الأمر يعود غالباً للنساء ذواتهن كما ذكرت بيني فريدن في كتابها اللغز الأنثوي، هذا الكتاب الذي شكّل تحولًا كبيرًا في الأدب النسوي والذي كتبته الكاتبة بعد أن تفاجأت بنتائج استبيانها على زميلاتها في الدراسة حول ما سيفعلنه بعد الدراسة.

وذكرت الكاتبة أنَّه بعد النهضة النسوية التي شهدتها أمريكا بداية القرن العشرين بتأثير حركة نسوية حصلت انتكاسة أدت إلى تشويه صورة المرأة الأمريكية لتصبح أكبر طموحاتها أن تتزوج وأن تبني أسرةً ناجحة وكفى. هذه الصورة لم تكن للولايات المتحدة وحسب، وانما تعدت لتصبح الصورة النسوية للعالم أجمع، والتي لم تكن كذلك إلا باختيار النساء أنفسهن وتخليهن عن طموحاتهن وحرياتهن والاكتفاء بهذا الحلم الصغير، والانزواء به خلف جدران المنازل، وخلف خشية المحاولة وأحكام التقاليد.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z