الخميس, 20 سبتمبر 2018

خبر : إلى أين تسير الفلسفة السياسية المعاصرة؟

الأحد 16 أغسطس 2015 02:39 ص بتوقيت مسقط

قراءة في كتاب: دليل بلومسبوري إلى الفلسفة السياسية

محمد الشيخ

التأم مجمع مؤلف من أربعة عشر أستاذامن أساتذة الأخلاقيات والسياسيات بالجامعات البريطانية والأمريكية والنيوزيلاندية والسويدية والتركية لكي يُخرج إلى جمهور القراء العاديين منهم والمتخصصين، المهتمين بالفلسفة بعامة وبالفلسفة السياسية بخاصة، دليلا جديدا إلى الفلسفة السياسية. هذا يدرس موضوع "السيادة"، وذلك موضوع "العدالة"، وثالث "حقوق الإنسان" ورابع التسامح"، وخامس "الديمقراطية" ...

وما أشد ما كانت الحاجة إلى هذا الدليل!إذ على رأس كل عقد أو عقدين من الزمن تتجدد مواضيع الفلسفة السياسية. ذلك أنّسوقها نافقة في الغرب. ونحن لو أخذنا معلمة للتأريخ للفلسفة السياسية المعاصرة ـ بحسب ما تكاد تجمع عليه أهم الكتابات في هذا الصدد ـ كتاب "نظرية العدالة" لصاحبه جون راولز (1971) لألفينا أن عقد السبعينيات من القرن الماضي شهد على النقاش حول موضوع "العدالة" بالأولى، وأن عقد الثمانينيات شهد على السجال حول موضوع "الجماعة" بالأحرى، وأن عقد التسعينيات شهد على الخصومة حول موضوع "المواطنة" بالأجدر، وأن عقد التسعينيات شهد على الجدل حول "الديمقراطية التشاورية" بالأجد، وأن العقد الأول من الألفية الثانية شهد على المجادلة حول "الاعتراف" بالأخص. على أن هيمنة مفهوم لا تعني إمحاء مفهوم آخر، فقد تمت مناقشة مواضيع "العدالة" و"حقوق الإنسان"، مثلا، ومذاهب "الديمقراطية" و"الليبرالية" منذ أمد ولا تزال ترافق أي نقاش فلسفي سياسي.

واليوم ـ في النصف الأول من العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين ـ ما هي أهم القضايا التي أمسى يتداول فيها الفلاسفة السياسيون؟

كان المعول في العقد الأخير من القرن العشرين والعقد الأول من القرن الواحد والعشرين، على كتاب الفيلسوف السياسي الكندي ويل كمليكا: "الفلسفة السياسية المعاصرة: مدخل (1990/2001)"، حيث كان رأى أن الفلسفة السياسية المعاصرة تتجاذبها مواضيع ومنازع. والمواضيع الأساسية هي: المساواة والليبرالية ونظرية المواطنة، والمنازع هي: المنزع النفعي والمنزع الحُرَّاني والمنزع الجماعي والمنزع الجمهوري المدني والمنزع التعددي الثقافي والمنزع الماركسي والمنزع النسائي. على أساس أنه يمكن عَدُّ النزعة الماركسية والنزعة الجماعية والنزعة النسائية ونزعة الجمهورية المدنية ونزعة التعددية الثقافية بمثابة مدارس فلسفية سياسية نقدية تشكل التيار الأعظم المناهض للنظريات الديمقراطية الليبرالية.

واليوم، بعد مضي أزيد من عشرين سنة على صدور هذا الكتاب الجمَّاعة، بدأ مشهد الفلسفة السياسية يتغير بعض التغير. أمسينا أمام موضوعات جديدة ما كان يخطر ببال فلاسفة السياسية منذ نصف قرن أنها سوف تمسي من اختصاصهم: "الهجرة"، "التعذيب"، "المراقبة والتكنولوجيا الفائقة"، "الإرهاب"...

وأول ما يثير الانتباه في هذا الكتاب أننا ما عدنا أمام جيل من الفلاسفة السياسيين الذي شغلوا الساحة الفلسفية السياسية منذ منتصف القرن العشرين إلى أواخره ـ شأن راولز ودووركين وهايك ونوزيك وهابرماس وهونيث وتايلور وفريزر وفالتزر وساندل وماكنتاير ... ـ وإنما أصبحنا أمام أسماء جديدة لا نكاد نعثر لها على نص مترجم إلى العربية ـ كوهن وزيزيك وجوسوجامبن ونانسي...

والشيء نفسه يقال عن مفاهيم لأول مرة يتم نحتها وتداولها على هذا النطاق الواسع، شأن "ما بعد السيادة" و"ما بعد الكولونيالية" و"النزعة الكونية الأخلاقية" و"النزعة الكونية المؤسسية" و"التوافق التشابكي" ...

كما أمسينا أمام تيارات في الفلسفة السياسية مستجدة: من زمن الشيوعية والليبرالية، إلى زمن النزعة الليبرالية والنزعة الحُرِّيانية والنزعة الجماعية، فإلى زمن النزعة النسائية والنزعة الكونية والنزعة الفوضوية وغيرها من نزعات الفلسفة السياسية اليوم.

بداية، يعين المشرف على هذا الكتاب أندرو فيالا ـ وهو أستاذ الفلسفة والأخلاق بجامعة كاليفورنيا ـ البغية منه في العبارة التالية: "محاولة توفير إطلالة شاملة على ما يروج في حقل الفلسفة السياسية المعاصرة، والوقوف على عمق الإشكالات التي تتناولها" (ص.2). ومنذ مدخل الكتاب نمسي وقد وضعنا في قلب ما يحدث اليوم في مضمار الفلسفة السياسية. والكلمة المفتاح هنا هي كلمة "النقد الراديكالي" أو "التفكيك": تفكيك تاريخ الفلسفة السياسية برمته من حيث هو بضاعة أوربية مركزية، وتفكيك أهم المفاهيم التي تستند إليهامن حيث هي مفاهيم ذات خلفية لاهوتية وميتافيزيقية. فها هم اليوم أصحاب النزعة النسائية والنزعة الكونية والنزعة الفوضوية وغيرهم يدفعون الحواجزويتحدون حدود المبحث ـ بما في ذلك الادعاءات الأوربية المركزية لطراز الفلسفة السياسية الذي تم تكريسه عبر تاريخ هذا المبحث.

وهكذا، ينبهنا المشرف على أن حقل الفلسفة السياسية حقل واسع من البحث، ذو تاريخ عميق مديد، مشكَّل من جملة مسائل شائكةدائرة على المشروعية وبُنى الدولة الأساسية ودور المواطنين داخل هذه الدولة وسلوك السلطات الحاكمة والعلاقات بين الدول ومنزلة القواعد ـ شأن العدالة والحقوق ـ في إطار السياقات المحلية والدولية (ص. 1)، وذو منهج إشكالي.

وخلف جملة هذه الإشكالات تثوي أسئلة عميقة حول الطبيعة البشرية: هل الكائنات البشرية، أفرادا كانوا أم لا، لا تعد عضويتهم في الجماعات الاجتماعية متأتية بشكل مشروع عن الوفاق الفردي بواسطة من التعاقد الاجتماعي؟ أم هل الدول وباقي الجمعيات تاريخيا ومعياريا أهم من الأفراد الذين يشكلونها؟ هل نحن البشر متحاربون ومتنافسون أم نحن متعاونون ومتعقلون؟ هل يمكن أن نحيا على نحو أفضل من غير تفاعل اجتماعي وتنظيم شرعي، أم أننا نفيد من رقابة وعناية السلطات الحاكمة؟ كيف ينبغي لنا أن ننظم حياتنا وأن نهيكل تنظيماتنا الاجتماعية وأن نربط بين بعضها البعض عبر كوكبنا؟ أم كيف نحدد ونؤصل لمفاهيم مفتاحية شأن الحقوق البشرية والعدالة والمساواة والحرية؟

ويضيف بأنه ما من فلسفة سياسية إلا وهي استلهام لعصرها وإلهام له في آن. وفي أيامنا هذه انبثقت إشكالات تدور على الدنونة والتحديث والعولمة والدمقرطة واللبرلة والمشاكل العالقة الخاصة بالنزعة المركزية الأوربية وبالتطور ما بعد الكولونيالي. ولهذا تعكف الفلسفة السياسية اليوم على مراجعة الأنظار السائدة حول الحدود والهجرة والسيادة ، كما تعمل على تغيير فهمنا لقواعد اللاعنف ولمعايير الحياة الرخية ولدور القانون الدولي. وتستمر الفلسفة السياسية في مساءلة منزلات (وكذا تطبيق) مبادئ العدالة التوزيعية والعدالة التقويمية، ومفاهيم حقوق الإنسان، والأفكار الدائرة على المعايير الأساسية لاتخاذ القرار السياسي. وثمة تحديات جليلة الخطر تواجه الفلسفة السياسية اليوم:

ثمة تحدي السؤال المُشكَل: هل ثمة مقولات متعالية وحقائق أبدية ومعايير عابرة للثقافات أم أن كل مفهوم فيها تاريخي؛ ومن ثمة نسبي؟

وتحد آخر: هل يمكن ممارسة الفلسفة السياسية في محيط لا يسعف بالتفكير الفلسفي، لا سيما في بعض أنحاء العالم؟

ومسألة ثالثة هي الأخرى: هلَّا كانت نظرة أفلاطون الأبوية ـ مطالبته بحكم الفلاسفة وبفلاسفة الحكم ـ للحكمة السياسية لا تزال مناسبة لعصر الديمقراطية؟

وبما أن الفلسفة السياسية مبحث ذو جذور غربية، فإنه ينهض السؤال: هل يمكن أن تكون ثمة فلسفة سياسية مصاغة في الصين أو نفاجارو أو الساحل الإفريقي؟

وهل يكمن لهؤلاء الذين لا يتفلسفون على الطريقة الإغريقية ـ المتشددون الدينيون ـ أن يتلقوا أفكار الفلسفة السياسية وأن يتفهموها؟

وهل أولئك الذين لا يحيون في الحواضر ـ وقد ارتبط كلمة سياسة Politcaنفسها بالحاضرة Polisـ يحتاجون إلى الفلسفة السياسية؟

التفكيك سيد المناهج هنا: يأتي على القديم والجديد معا. ففيما يخص مساءلة القديم، يتم التساؤل حول الطبيعة البشرية وما إذا كان الإنسان بالطبع حيوانا مدنيا (سياسيا) (كما زعم أرسطو) مع محاولة فهم ما الذي يعنيه "ما هو غير سياسي" أو "اللاسياسي"، كما يتم التساؤل عن طبيعة الشأن السياسي، وعن منزلة "المُثُل" (هل بقي زمن للحديث عن مُثل سياسية مثلا؟)

وقد صارت للفلسفة السياسية اليوم لا فحسب إشكالات جديدة تنظر فيها وإنما أيضا مباحث تتفرع إليها:

ثمة، أولا، مبحث "الميتا- سياسة" (ما وراء السياسة، أو بلغة القدماء السياسة من الوضع الثاني). ودور هذا المبحث: "التساؤل عن طبيعة ما هو سياسي وحول مناهج تسويغ النظريات السياسية" (ص.9). هنا، على هذا المستوى، أمست تطرح تساؤلات عن الطبيعة البشرية ومسألة النسبية.

ثم هناك مبحث"النظرية السياسية المعيارية". ويتناول بالنظرالنظريات السياسية العيانية حول العدالة والتنظيم السياسي: الاشتراكية، الرأسمالية، الديمقراطية ... وهيالنظريات التي تقوم على ما انتهت إليه الميتا-سياسة ، تنظر في ما هو أفضل أو أعدل بالنسبة إلى المجتمع (ص. 9).

ونصير وجها لوجه أمام مبحث "الفلسفة السياسية التطبيقية"عندما نستخدم النظريات السياسية المعيارية في حل مشاكل عملية ملموسة؛ شأن الهجرة والجريمة والإرهاب ...

والحال أن هذا الكتاب يتضمن هذه المباحث الثلاثة:

- ثمة بحوث تدخل في باب "ما وراء السياسة" (مثال: الفصول الدائرة على السيادة وعلى حقوق الإنسان)

- وثمة بحوث تندرج في إطار النظريات السياسية المعيارية (مثال الفصلين الدائرين على الديمقراطية والنزعة الكونية)

- وأخيرا، ثمة بحوث تدخل في سياق الفلسفة السياسية التطبيقية: العدالة التوزيعية، العدالة التقويمية، الحرب، السلم، الهجرة ...

وهكذا، مثلا، في ما يخص المبحث الأول، تضمن البحث الأول نظرة تأملية في تاريخ الفلسفة السياسية. وقد نظر المؤلف من خلالها في أمر ما إذا كان من الأهم اعتبار الفلسفة السياسية من جهة نظر التاريخ أم يمكن النظر إليها بإعمال مفاهيم غير تاريخية. وعنده أن ثمة تعالقا بين الفلسفة السياسية والتاريخ: "لئن كانت الفلسفة (السياسية)بلا تاريخ قفر، فإن التاريخ بلا فلسفة غابة، ونحن أكيدا في حاجة إلى الإثنين". كما يندرج ضمن نفس المبحث البحث الدائر على مفهوم "السيادة". وفيه يعتبر المؤلف مسألة السيادة في صلتها بمسائل مثل العصيان المدني وتحديالنزعة الفوضوية وتطور القانون الدولي، وما يسميه البعض عصر "ما بعد السيادة". أما سيغفريد فون ديفيل فيستكشف منزلة حقوق الإنسان في السياقين المحلي والدولي. ويرى أن ثمة خصومة كبرى بين النظريات الأخلاقية للحقوق والنظريات ذات التوجه السياسي الأفصح. ثم بعد ذلك، يذهب إلى أن ثمة طريقا وسطا يمكن إيجاده عن طريق النظريات الوصفية المحدودة للحقوق ...

وفيما يتعلق بالمبحث الثاني من مباحث الفلسفة السياسية ـ مبحث النظريات السياسية المعيارية ـ تستكشف جليان بروك المواضيع ذات الصلة بمسألة النزعة الكونية. وتهتم بمسألة تحديد المفهوم وبمسألة كيف ينبغي أن يبدو عالم كوسموبوليتاني (ص.16). وإذ تطور فكرة الفلسفة السياسية الليبرالية، فإن جاكلين آن كيغلي تفحص المشاكل الناشئة. وهي تعتبر مشكلة نظرية العقد الاجتماعي والتسويغات المآلية للديمقراطية (التي تسميها نزعة توسيل الديمقراطية)، وأفكار الديمقراطية التشاورية والعقل العمومي. وتذكرنا بشساعة وتعقد مفهوم "الديمقراطية" وبصلته بمفاهيم أخرى أخلاقية/ سياسية، شأن "المساواة" و"الاستقلال" و"الأصالة". وتبين كيف أن النظرية الديمقراطية تتطور باعتبارها نقدا للنزعة الأبوية. كما تنظر في النقود النسائية وما يسمى التعددية التصارعية ـ المؤمنة بأن أساس الحياة، بما في ذلك الحياة السياسية، التصارع على نحو ما أوضحه الفيلسوف السياسي الألماني كارل شميث ـ باعتبارها نظرة جذرية إلى الحياة السياسية بحسبان هذه حقلا للقيم المتنازع عليها وللصراعات من أجل السلطة وانتزاع الاعتراف، وهي صراعات لا يمكن تفادي حدوثها.

وفي ما يخص المبحث الثالث ـ الفلسفة السياسية التطبيقية ـ نجد البحث الدائر على مسألة العدالة ـ لا سيما الفلسفة السياسية الليبرالية الديمقراطية. وعديدة هي الفصول التي تلقي نظرة على المفاهيم الخاصة بالعدالة وبتطبيقها. وهكذا يعتبر أوفاديا عزرا مسألة العدالة التوزيعيةمن خلال أعمال حديثة، شأن أعمال راولز ودووركين وهايك ونوزيك .. ويفحص الحجج المتعلقة بعدم المساواة وبدور الدولة في إعادة توزيع الثروة وضمان المساواة في الفرص وتدبير الاختلاف الاجتماعي والسياسي. ويربط اعتباره بالمشكلة الناشئة المتعلقة بالعدالة البيئية الشاملة، مظهرا كيف أن مسألة العدالة التوزيعية تطبق في سياق عالمي عصيب لكي يتناول مشكلة توزيع الموارد وتقليل المخاطر في مواجهة التغير المناخي.ومن جهة اعتبار أخرى، تفحص ترودي كونواي وجها آخر للاهتمام بالعدالة: العدالة التوزيعية والنماذج البديلة للنظر في العقاب ... وتضع ذلك في سياق تاريخ الفلسفة السياسية، وذلك في الوقت نفسه الذي تفحص فيه الإشكالات المعاصرة، شأن مسألة الحجز الجماعي. ويطور جورج لوكاس النقاش الجاري حول العدالة بنظره في موضوع الحرب. ويلفت عنايتنا إلى الطريقة التي بوفقها أمسى يتطلب تطور الحرب في الزمن الحديث أن نعيد تقويم فهمنا لنظرية الحرب العادلة ولمنزلة القانون الدولي ولمهنة العسكر. وفي كل من هذه الفصول، من الأهمية الإشارة إلى كيف أن التحليلات الفلسفية تتطور جنبا إلى جنب بعضها البعض وفي ضوء الواقع السياسي الراهن.

وإذ شكل العقاب والعدالة في الحرب موضوع اهتمام تقليدي في الفلسفة السياسية التطبيقية، فإن وجهة نظر بديلة تمثلت في النزعة السلمية يعرض إليها أحد الباحثين، فيقدم إلينا نظرة مجملة على موضوع السلم واللاعنف، مستكشفا قوة اللاعنف باعتبارها منهجا للحركية السياسية، مضمنا استكشافه هذا عرضا تاريخيا موجزا عن النزعة السلمية وذاكرا لأمثلة حديثة وناجحة عن اللاعنف. وفي صلة بهذا الفصل، يفحص بول تشورشل مفهوم "التسامح" الذي هو قيمة مفتاحية في الأنظمة السياسية الليبرالية، وموضوع شائك في الفلسفة السياسية الليبرالية. ويقدم لنا نظرة إجمالية تاريخية عن تطور المفهوم، كما يقدم لنا عرضا معاصرا عن المشاكل التي لا زالت عالقة بهذا المفهوم. وهو مفهوم يشتغل عبر مفارقات التسامح وعبر مفهوم حياد الدولة حيث تطرح عدة إشكالات عينية عملية: حرية الخطاب، خطاب الكراهية، التحدي الذي يطرحه الدين ...

أما شيلي ولكوكس فتفحص مسألة الهجرة، متسائلة عما إذا كان من حق الدول الليبرالية - الديمقراطية طرد المهاجرين بينما تؤمن هي، من حيث المبدأ، بحقوق الأجانب الذين يوجدون في حاجة إلى المساعدة. وتركز على حلقة منطقية مفرغة تحكم هذا النقاش، وتتعلق بمعرفة من هو القادر على التعبير عن موافقته على حق تقرير مصيره والاستفادة من ذلك. وحسب ما توحي به، فإن المبادئ الليبرالية الديمقراطية، مثل الحرية والمساواة، ينبغي أن تسير نحو توزيع عادل يخترق الحدود. لكن هذه الحلول المقترحة تطرح من المشاكل أكثر مما تحلها، وهي تمسي أكثر تعقيدا عندما نأخذ بعين الاعتبار التفاوتات الطبقية والجنسية المتعلقة بالهجرة والعابرة للحدود.

هذا ويشكل البحثان الأخيران مساهمتين فريدتين في الكتاب:

في إسهام مشترك بين جيرمي ويسنيسكي وماثيو فورهيس يتناول الباحثان بالمناقشة مسألة مستقبل الفلسفة السياسية. ويعمدان إلى فحص النزوعات الحالية في المبحث بمدهما إيانا بتحليل اختباري/إحصائي للمنشورات ذات الصلة بالفلسفة السياسية حديثة في العشرين سنة الأخيرة. ومع اعترافهما بأن التكهن بمستقبل الفلسفة السياسية أشبه ما يكون بالعرافة (ص. 199): هل كان بإمكان أفلاطون أن يتنبأ مسبقا بدورالإنترنت ووسائط التواصل الاجتماعي في تقوية الديمقراطية التشاورية؟ إلا أنهما ينتهيان إلى بعض النتائج: ومن بينها أن المفاهيم الأكثر ترددا في خطاب الفلسفة السياسية اليوم ولربما في المستقبل المنظور هي: الليبرالية، العدالة، راولز. وفي ما يخص تقاليد الفلسفة السياسية الماضية، فإن أكبر تقليد تتم الإحالة عليه هو تقليد التعاقد الاجتماعي. وفي ما يخص مسائل الفلسفة السياسية التطبيقية، فإن المسائل التي تتردد هي ممارسات الشغل والأحزاب السياسية والسياسات الاجتماعية المساواتية ودولة الرعاية والرعاية الصحية ولملكية الفكرية والتجسس التكنولوجي على حياة الناس الحميمية وعدم المساواة في الدخلوالتعذيب والصلة بين السياسة والمال ... ويستشف من هذه الخلاصات الحضور الهام للتقليد: "لدينا داع قوي للاعتقاد بأن مستقبل الفلسفة السياسية لا يتضمن تخليها بأي حال عن ماضيها" (ص. 202)، وعلى نَفَاق سوق بضاعة راولز أو ما سماه المؤلفان "صناعة راولز" (ص. 204)، إذ: "يستمر راولز في احتلال موقع الصدارة في الفلسفة السياسية وفي النظرية السياسية، وليس هناك أدنى احتمال يحمل على الظن بأن الأمر سوف يتغير في المستقبل القريب".

أخيرا، فإن إدوادو مانديتا يقدم لنا كلمة ختامية تذكرنا بأن الفلسفة ـ تاريخيا وثقافيا ـ لها محل منه تطلق أنظارها. ولذلك تبقى المركزية الأوربية ـ التي يفترض أنها محل ما تفتأ الفلسفة السياسية تنطلق منه ـ تشكل تحديا مركزيا للفلسفة السياسية: هلَّا أمكن تأسيس فلسفة سياسية شمولية غير قطرية؟ وبما أن كوكبنا أمسى قرية صغيرة، والاهتمام الكوني أمسى يزداد، فهل يمكن أن نتصور الفلسفة السياسية من منظور غير مسكون بشبح المركزية الأوربية؟ وبهذا دار البحث الأخير على "تفكيك" تاريخ الفلسفة السياسية الغربية بالاستناد إلى مشروع الفيلسوف الأرجنتيني الأمريكي إنريكي ديسل، وذلك من خلال "هدم" و"تفكيك" مرويات الفلسفة السياسية، تمهيدا لأمر "بناء" تاريخ عالمي لها مغاير (ص. 214). وبغاية إنجاز ذلك، فإنه لا بد من خرق سبعة حدود سَيَّجَت الفلسفة السياسية الغربية: المركزية الهلينية، التغريب، المركزية الأوربية، التحقيبات التي تكرس الزمنية الغربية، الدنونة وإهمال الإسهام الدينوني في النظر السياسي، النزعة الاستعمارية، أسطورة الحداثة. وبهذا تتحول دعوة "تفكيك" مرويات الفلسفة السياسية المعاصرة إلى دعوة إلى "نزع الطابع الاستعماري" ـ أو قل إيجابا "تحرير" ـ الفلسفة السياسية (ص. 217).

وينتهي الكتاب بعدة ملحقات تزود القراء بترتيب زمني لأهم محطات تاريخ الفلسفة السياسية، وبمعجم بأهم المفاهيم المتداولة في حقل الفلسفة السياسية اليوم، وبلائحة بموارد ومصادر البحوث، وبتوجبه للقارئ بثبت من المراجع مستفيض. وكل ذلك من مزايا هذا الكتاب/الموسوعة.

ومن مزايا هذا الكتاب، أن الباحثات الفلسفيات من النساء تحققن"الانتقام" من تاريخ الفلسفة السياسية الغربية الذكوري. وهكذا نجد من الباحثات في الكتاب عددا مهما يشكل ثلث المساهمين.

وفيه أيضا يتحقق التصالح بين التقليدين الأساسيين في الفلسفة الغربية المعاصرة: التقليد الأنجلوسكسوني (البريطاني، الأمريكي، الكندي الأسترالي) والتقليد القاري (الألماني، الفرنسي، الإيطالي، النمساوي ...)، فأنت ترى الباحث يتنقل بين التقليدين بكل يسر، بل يمازج بينهما الممازجة، حتى ولو أن القارئ الأنجلوسكسوني لم يتعود بعد على تشقيقات وتعقيدات الفلاسفة القاريين. وهذا ما لم يكن ممكنا منذ نصف قرن خلا. وذلك التمازج باد في إعمال مفاهيم مأخوذة من تقليد الفلسفة القارية: "التفكيك"، "الجنيالوجيا"، "الأركيولوجيا" ...

ومن مزاياه أيضا تحيين المصادر والمراجع، إذ حول كل موضوع موضوع، بما في ذلك المواضيع التي لطالما تدوولت في الفلسفة السياسية، شأن "العدالة" و"حقوق الإنسان" و"السيادة"، يحيل الباحث إلى عشرات المرجعيات المستحدثة.

أخيرا من بين العيوب التي اعتورت الكتاب بعض الأحكام المبتسرة التي أصدرها بعض المساهمين في هذا الكتاب، وذلك مثل الموقف من فلسفة راولز وهابرماس، حيث نقرأ: "من وجهة نظري ليست نظريتا راولز وهابرماس إلا لحظتين، أو وقفتين وتهميشين على [فلسفة] كانط السياسية، أو ما يعادل قيمة صفحة أو صفحتين من فلسفة الحق لهيجل" (ص. 25).وهذا لعمري من تلك المبالغات التي تعج بها بعض الكتابات الجديدة، شأنها في ذلك شأن الادعاء بأن الفلسفة المعاصرة برمتها إنما هي مجرد "تحشية" على كتاب "نظرية العدالة" لصاحبه جون راولز (1971)، وذلك على النحو الذي كان اعتبر بوفقه وايتهيد أن الفلسفة الغربية برمتها "تحشية" على أفلاطون، أو كان اعتبر به فوكو الفكر الغربي المعاصر بأكمله محاولة للانفلات من قبضة هيجل...

عنوان الكتاب: دليلبلومسبوريإلىالفلسفةالسياسية

The Bloomsbury Companion to PoliticalPhilosophy

طبيعةالكتاب: كتابجماعي

المشرفعليه: أندروفيالا

لغة الكتاب: الإنجليزية

سنة النشر: 2015

Bloomsbury academicالناشر:

عددالصفحات: 178.

مكان النشر: لندن،نيودلهي،نيويورك،سيدني