الأربعاء, 21 نوفمبر 2018

خبر : أثر الحداثة على الفكر الإسلامي المعاصر

الإثنين 03 أغسطس 2015 03:15 ص بتوقيت مسقط


سالم المشهور

العدالةُ حلم الإنسانية مُنذ فجر التاريخ.. والإنسان بطبعه توَّاق إلى العدل والإنصاف. وفي كلِّ الأديان، هناك إجماعٌ على قدسية العدل. والإسلام في هذا المجال له نصيب وافر من النصوص التي تؤسِّس لأهمية العدل؛ سواء كانت هذه النصوص قرآنية أو نبوية. فكلنا يحفظ الآية القرآنية التي يُردِّدها الخطباء على منابر الجمعة في ختام خطبهم: "إنَّ الله يأمرُ بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي".

وفي مقالتها "العدالة والتوازن في الفكر الإسلامي المعاصر"، تحدَّثت غودرن كريمر عن العدالة في أدبيات الفكر الإسلامي المعاصر، وقبل الدخول في تفاصيل الموضوع لا بد من الإشارة إلى أن مصطلح "الفكر الإسلامي" هو مصطلح حادث، وليد العصر الحديث؛ حيث وُضع من قبل المشتغلين بالنظريات الكلية في الإسلام، في قبال المذاهب الفلسفية التي تملك مشاريع سياسية ونظرية اجتماعية واقتصادية كالماركسية مثلا. وقد سجَّلت الكاتبة ملاحظة نقدية على هذا المصطلح؛ فهي تقول: إنَّ مصطلح "الفكر الإسلامي" نفسه مصطلح مشكل؛ لأنه يوحي بتماسك واتساق، ويوحي في الوقت نفسه بقدرة على التأثير الكبير في قلوب المسلمين وعقولهم، أكثر مما يمتلك في الحقيقة. هذه نظرة الكاتبة، ومن حق دعاة الفكر الإسلامي المعاصر أن يرفضوها، ولكن ربما نظرتها تحمل الكثير من الصحة، وهناك نصٌّ آخر مرتبط بهذه النقطة، قالته الأستاذة في بدايات مقالها: "من الممكن النظر إلى الفكر الإسلامي بوصفه "كشكولاً" فكل أصناف الخطاب والرؤى قد توجد في هذا الكشكول"، ولو قمتُ أنا بصياغة هذه العبارة لقلتُ الآتي: إنَّ الفكر الإسلامي المعاصر يضم الغث والسمين، والمتردية والنطيحة، والأصيل والدخيل، هو كشكول يضم ما يبحث عنه المشتري!

 

1- الحداثة والفكر الإسلامي المعاصر:

لا يستطيع الباحث الذي يتحلَّى بقدرٍ من الموضوعية أنْ يُنكر أنَّ الفكر الإسلامي المعاصر استفاد من الحداثة في عشرات المسائل؛ سواء على مستوى آليات الخطاب أو دوائر الاهتمامات أو على مستوى تعاطيه مع القضايا الجزئية في الفقه.

نعم.. بعض الفقهاء يرى أنَّ هذه الاستفادة مشروعة، فهي في نظرهم من مصاديق الاستفادة من الحكمة، عملاً بالحديث الذي يقول: "الحكمة ضالة المؤمن أينما وجدها فهو أولى بها"، ولن أطيل القول في الجدل الدائر في تقييم هذه الاستفادة، وعوضاً عن هذا سأسرد بعض المسائل التي يرى بعضهم أنها من أمثلة تأثر الفكر الإسلامي المعاصر بالحداثة: إلغاء تدريس مباحث الرق وأحكام السبي في المدارس والجامعات، القول بأنَّ مقاصد الشريعة لها القداسة الكبرى وتقدَّم على الأحكام الجزئية، القبول بالديمقراطية الغربية من خلال مقاربتها بمفهوم الشورى في الإسلام، إعادة تأويل أحكام الحدود، القبول بفكرة التدرج في تطبيق الشريعة، التفريق بين الشريعة والفقه! وبعبارة أخرى: تقليل دائرة المقدس، التفريق بين الدين والتدين، والاكتفاء بالقرآن الكريم كوسيلة للخروج من أكبر قدر ممكن من الأحكام الجزئية، والمساواة بين الجنسين، والقول بتاريخية بعض الأحكام الدينية.. والقائمة تطول جدا لو أردنا سرد كل الأمثلة.

والجدير بالذكر أنَّ منهج بعضهم في تحديث الفكر الإسلامي قائم على الانتقاء من كشكول التراث أو استيراد أفكار جاهزة من الغرب، ثم محاولة أسلمتها، وتقريبها من الدين. ومن أبرز ما وقفتُ عليه في هذا المجال: محاولة أسلمة العلمانية، اعتماداً على النص النبوي القائل: "أنتم أعلم بشؤون دنياكم"، وقد اعتمد هذه المقاربة كلٌّ من: حسن حنفي ونصر حامد أبو زيد.

 

2- مفهوم العدل وماهيته:

العدل لغةً -كما قال ابن منظور- هو: "ما قام في النفوس أنه مستقيم، وهو ضد الجور...".

ونُلاحظ أنَّ هذا التعريف يقوم على تبسيط شديد لمفهوم العدل، وجعله من المعلوم بالضرورة، وإذا افترضنا صحة هذا في بعض أشكال الحكم على المسائل، فإنه من الصعب جدا تعميم هذا التصور البسيط؛ إذ لو كانت ماهية العدل بسيطة لما حصل كل هذا الاختلاف في ماهيتها وتجلياتها.

ومن أجل توضيح هذا المشكل، دعونا نطرح هذه الأسئلة: هل العدالة مطلقة تعلو على الحركة الاجتماعية، أم أنها قيمة نسبية تخضع للوعي الاجتماعي؟ وما المعيار الذي على أساسه تتحدد العدالة؟ أهو حاجات الناس، أم قدراتهم، أم جهودهم، أم الشرائع الدينية، أم قوانين الحكومات، أم المصلحة العامة والمنفعة؟

ربما الآن من خلال هذه الأسئلة يظهر لنا، أن حقيقة العدالة ليست كما صورها ابن منظور! هي أكثر تعقيدا.

فالأستاذة صاحبة المقال الذي نُناقشه ترى أن "العدل يُمكن أن يعني أموراً متعددة في الأفكار والمُثل، من الاستقامة إلى التصميم إلى النبل والتوازن والحيادية، كما قد يعني التكافؤ بين الحقوق والواجبات..، والمشترك بين كل هذه المعاني هو الاهتمام بالنظام والانتظام.

 

3- العدالة في التراث:

المطَّلع على التراث الإسلامي، سيُلاحظ أن بحث العدالة في التراث، انصب في الغالب حول مفهوم العدالة الإلهية، لقد كان حديث العدالة يدور حول عدالة السماء، غافلاً بدرجة كبيرة عن الحديث عن عدالة الأرض.. لقد حاول المتكلمون حل ألغاز العدل الإلهي؛ فبحثوا الحرية والجبر في أفعال الإنسان، وبحثوا صلة العلم الإلهي بفعل الإنسان، وحاولوا الإجابة عن معضلة الشر الطبيعي كالزلازل والفيضانات والبراكين والأمراض...وغيرها.

لقد انقسمَ رجالُ الدين حول هذه المسائل، وامتلأت رفوف المكتبات بالكتب التي تنتصر لهذا الرأي أو ذاك.. ولكن المكتبة التراثية -في المقابل- فقيرة جدًّا في بحث العدالة الاجتماعية بصورتها الشاملة في عالم الإنسان.

 

4- العدالة في الفكر الإسلامي المعاصر:

إذا كنا قلنا سابقاً إن العدالة في مؤلفات القدماء، انحصرت في الغالب في الحديث عن العدالة الإلهية، فإننا هنا نقول: إنَّ مباحث العدالة في الفكر الإسلامي المعاصر انتقلت من حل معضلات علم الكلام، إلى حل مشكلات الحياة اليومية، لقد بات الفكر الإسلامي يتحدث عن العدالة الإنسانية، القريبة من متناول اهتمامات الناس.

وقد اشتركَ في هذا الحديث دعاة الإسلام السياسي وفقهاء المدارس الإسلامية المذهبية وغيرهم من أهل الفكر؛ فعندما كانت الاشتراكية في أوج قوتها، ويُنظر إليها على أنها سفينة النجاة من طوفان الرأسمالية، رأينا الدكتور مصطفى السباعي يكتب: الاشتراكية في الإسلام.. وربما كانت الكتابات الإسلامية في فترة الخمسينيات والستينيات في العدالة يغلب عليها نزعة التوفيق أو مقاربة التصور الإسلامي بالتصور الاشتراكي، فهذا سيد قطب يؤلف: العدالة الاجتماعية في الإسلام، وهو كتاب نال قسطاً من نقد التقليديين من العلماء بحجة أنه يحمل أفكاراً شيوعية! وقبل أن أنتقل إلى نقطة أخرى أُشير إلى أن كلامي السابق عن العدالة في الفكر الإسلامي المعاصر يختلف عن رأي الكاتبة صاحبة المقال الذي نُناقشه، فهي ترى أن المساواة الاجتماعية لا تحظى بالعناية في الأدبيات الإسلامية المعاصرة! وهي لم تذكر مستندها في ذلك في المقال.

وبعد أفول نجم الاشتراكية في العالم العربي، اختفى تأثير المد الماركسي في الكتابات الإسلامية، لتظهر أشكال أخرى من المقاربات وصور التأثر والاقتباس في بحث العدالة الاجتماعية.

 

5- العدالة والمساواة بين الجنسين:

ومن القضايا الأساسية في موضوع العدالة في الفكر الإسلامي المعاصر: مباحث حقوق المرأة ومساواتها مع الرجل. وقد سلك الفقهاء والمفكرون في هذه المسألة عدة مسالك:

- المسلك الأول: يتبناه بعض الفقهاء التقليديين الذين يتوسعون في إثبات الفروقات بين الرجل والمرأة، وعلى ضوء هذا توسعوا في إثبات الأحكام التي تختلف فيها المرأة عن الرجل، حتى إنَّ بعضهم حرم على المرأة قيادة السيارات، وهم في سبيل إثبات صحة هذه الفروقات، فسروا العدالة بقولهم: "وضع الشيء في موضعه دون زيادة أو نقصان"؛ لذلك صرحوا بكل وضوح برفض المساواة بين الجنسين.

- المسلك الثاني: يقوم على الاقتصار على الاعتماد على النصوص القطعية في بيان موقف الإسلام من المساواة بين الجنسين؛ لذلك استطاعوا أن يوجدوا المساواة شبه الكاملة بين الجنسين، باستثناء بعض الموارد القليلة المذكورة في القرآن كالإرث وقوامة الرجل.

- المسلك الثالث: هو مسلك المساواة الكاملة بين الجنسين، وهو يقوم على تأويل كل ما يتعارض مع نظرتهم؛ اعتمادا منهم على القول بتاريخية النصوص التي تُفرق بين الجنسين، ولكن جمهور العلماء ما زالوا ينظرون إلى أصحاب هذا المسلك بشيء كبير من الريبة، بل بعض العلماء صرح بتكفير من قال بالمساواة الكاملة بين الجنسين.

الخلاصة: لقد ألقت الحداثة بظلالها على الفكر الإسلامي المعاصر، وساهمت في كسر زجاجة التقليد، وتحرير العقول من سلطة السلف، وهذا لا يعني أنها كانت خيرا محضا، فالخير المحض لا يوجد إلا في الجنة أو في مثاليات الحالمين.