الأحد, 08 ديسمبر 2019
26 °c

خبر : مجد الخليج..

الأحد 02 أغسطس 2015 01:19 ص بتوقيت مسقط

حميد بن مسلم السعيدي

Hm.alsaidi2@gmail.com

 

 

قراءة التاريخ وتعلمه يُسهم في تنمية روح الانتماء الوطني، والاعتزاز والافتخار بالمنجزات الحضارية التي تحققت، ويعزز الدافعية والعطاء، ويثري الهمم، إضافة إلى ذلك فهو يسهم في قراءة المستقبل والتنبؤ ببعض أحداثه، ومنذ بداية مرحلة كتابة التاريخ والإنسان على وجه المعمرة قام ببناء حضارته في مختلف الأماكن خاصة بالعالم القديم، وظهرت العديد من الحضارات والامبراطوريات العظيمة التي حققت العديد من الإنجازات في مختلف المجالات مما ينعكس على مستوى التقدم الذي وصلت اليه، وربما بعض إنجازاتها لم تستطع العلوم البشرية الحديثة تفسيرها أو إعادة الاستفادة منها، مما يعطي دلالات على أن لكل حضارة خصوصيتها التي تعكس نمط التقدم والتطور، وما يمكن استخلاصه أن معظم الحضارات والامبراطوريات التي ظهرت مرت بأربعة مراحل، بداء من مرحلة النشوء والتكون، ومرحلة التطور والتقدم، ثم مرحلة الترف والضعف، وأخيراً مرحلة الانهيار والزوال، والتاريخ سجل العديد من الحضارات البشرية القديمة والحديثة والتي مرت بهذه المراحل ولم تبقى منها إلا آثار بائدة، فأين هي اليوم؟

هذا الأمر يقودنا إلى صياغة فرضية وهي أن الحضارات البشرية مهما وصلت من قوة وتقدم فإن مصيرها الزوال، وهذا الأمر حتمي وواقع لا يمكن الابتعاد عنه، والأمثلة كثيرة على ذلك، ولكن لماذا اختفت هذه الحضارات وما أسباب زوالها؟ وهل يمكن أن نعكس ذلك على الحضارة الحديثة في مختلف قارات العالم، خاصة بعد انهيار الاتحاد السوفيتي كقوة عظمى في القرن الماضي، وما هو حال منطقة الخليج العربي في ضوء المعطيات الحالية.

تساؤلات كثيرة تجول بخاطر من يقيم في هذه المنطقة بعد التغيرات المتسارعة التي شهدتها، والتي أصبحت بجوار حدودها الخارجية، وأصبحت أكثر تأثيرا عليها، إضافة إلى الأوضاع الداخلية والتي أصبحت على صفيح الانفجار، ووضعها الاقتصادي الذي أصبح هشاً ضعيفاً، فهل هذه العوامل هي بوادر للزوال؟ وما يمكن تسميته بمرحلة الضعف.

هذا الأمر يدفعني للحديث عن ثلاثة عوامل رئيسية أصبحت هاجس منطقة الخليج العربي ومؤثرا في وضعها واستقرارها في المستقبل وتتمثل في المحاور التالية:

الأوضاع الداخلية: تميزت المجتمعات الخليجية طوال الفترة الماضية بتماسكها ووحدتها لأسباب متعددة تتمثل في وحدة اللغة والدين والجنس إضافة إلى مستوها الاجتماعي والاقتصادي، ولكن خلال الفترة الماضية حدثت العديد من التغيرات لها تأثير في المستقبل تتمثل في التعددية المذهبية وما تبعه من تعصبات مذهبية وصل لمرحلة التكفير لكل من يخالف فكر الآخر، الامر الذي اباح له حرية القتل، وهذا ما بدائت بوادره تلوح في الأفق، والوصول لهذا المرحلة يعطي مؤشرات أن البناء الفكري لكل جماعة وصل لمرحلة النضج المنهجي والتبعية العمياء، بغض النظر عن معنى الحقيقة والرغبة في اكتشافها، كما أن ظهور طبقات اقتصادية تتمثل في طبقة الأغنياء وطبقة الفقراء واتساع الفجوة بينهما سبب في مزيد من الحقد والكراهية بين فئات المجتمع، خاصة أن هذه الطبقات أصبحت تخدم بعضها البعض فزاد من اتساع تلك الفجوة، كما أن انتشار قضايا متعددة في المجتمع والتي تتمثل في انتشار الفساد والعبث في الأموال الوطنية، والاخفاقات المتكررة في المشاريع الوطنية، ونجاح المشاريع الخاصة جعل الأوضاع الداخلية تصبح أكثر تشتتاً، كما أن التعليم أصبح ضعيفا ولا يخدم دول الخليج فمعظم مخرجاته تقلديه الفكر ولا تهتم بالإبداع والابتكار ولذا طوال الفترة الماضية لم تحقق مخرجات التعليم أي طفرة معرفية أو تقنية تواكب ما يحدث في دول العالم.

الموارد الاقتصادية: عاشت المنطقة طفرة اقتصادية نتيجة اكتشاف النفط في منتصف القرن الماضي، مما انعكس على البنية التحتية وعلى وضعها الاقتصادي، وأسهم في ظهور العديد من المدن المتطورة والمتقدمة والتي عملت على جلب الاستثمارات الخارجية، ولكن معظم أموال النفط لم يستفد منها في الإنتاج الفكري والمعرفي، فدول الخليج أهتم ببناء المدن وأهملت بناء العقول البشرية، وهذا ما انعكس على وضعها الاقتصادي فهي دول تعتمد بدرجة كبيرة على الاستهلاك للمنتجات المستوردة، مع أنها اهتمت ببعض الصناعات الثقيلة إلا أنها تعتمد على مواد خام مستوردة أم معاد تصديرها، وما زال نسبة الاعتماد على النفط تتجاوز 80% في معظم دول المنطقة، بالرغم من أنها تدرك أن هذه السلعة غير متجددة واسعارها تتضارب وفقا للظروف الاقتصادية والسياسية والعسكرية في العالم، إلا أن سياستها الاقتصادية ظلت على حالها، واليوم أصبح المستوردون الرئيسيون لنفط الخليج يقللون من نسبة شراءه، إضافة إلى ظهور موارد للطاقة أخرى غير النفط، وهذا أدى إلى أن أسعارها غير ثابته ومتغيره بين فترة وأخرى مما جعل الخطط الاقتصادية للخليج متأثره بتلك الأسعار، هذا حال اليوم ولكن ماذا لو نفذ النفط أو انخفضت أسعاره إلى مستوى لا يمكن أن يخدم دول المنطقة، خاصة في ظل التكهنات الحالية بإن يشهد قطاع النفط انخفاضاً كبيراً في أسعاره.

جماعات متطرفة: مع بداية الثورات في منطقة الشرق الأوسط قامت دول الخليج بدعم هذه الثورات، ماليا وإعلاميا ودينيا من منطلق دعم الحرية والديمقراطية، لكن هذه الأموال ذهبت لتكوين جماعات متطرفة دينياً وسياسياً وأصبحت تبحث لها عن وجود، وأخذت في التمدد التدريجي حتى أنها أصبحت تنادي نفسها بالدول، لم يتوقف عن هذا المستوى وانما أصبح تمددها وفقا لمنهج معين حيث انها تنمو دون توقف لتضم مناطق متعددة، مع العلم أن هذه المناطق التي ضمتها غنية بالموارد الاقتصادية، واصبح نهجها الأخر في النمو انها تأخذ من مناطق بعيدة عنها للبحث عن الانضمام اليها فأصبحت متواجدة في جنوب الخليج وشماله وربما داخله أيضا ولكنها نائمة لحين اللحظة المناسبة، وأصبحت تهدد الخليج من خلال رسائل إجرامية بين فترة وأخرى.

أدرك جيدا أن هناك من يعتقد أن هذا من نهج الخيال ولكنه هو الواقع وأن ما نمر به هي مرحلة بناء للأخر ومرحلة ضعف للمنطقة، ولو كانت هناك قراءة صحيحة لما أصبحت حدود المنطقة تشهد ساحة ملتهبة من الصراعات خلال فترة لا تتجاوز ثلاث سنوات، هذه الصراعات بعضها أصبحت داخل المنطقة ومن أموال مواردها.

لذا فجزء كبير من خزينة الخليج ستتجه للدفاع عن نفسها وحماية شعوبها من الأخطار الخارجية، وربما الخطر الداخلي أشد تأثيراً، وهذا الأمر سيأتي على حساب البنية التحتية والخدمات الأساسية كالاهتمام بالتعليم الذي يعد الأداء الأساسية في التقدم والتطور، ولكن في فترة الصراعات كل مجالات الحياة تتوقف ويخسر الإنسان كل شيء ويتراجع للخلف.

 

اشترك في حسابنا على يوتيوب لمشاهدة فيديوهات لأهم الأحداث العالمية والإقليمية