البحث العلمي وابتكار الأفكار الجديدة

سعاد البلوشيَّة

الابتكارات ربما تكون ناجحة في البداية، ثم تفشل في نهاية المطاف أو العكس.. فماذا يعني الابتكار؟ وماذا يُقصد بتطبيق الابتكار؟ وهل يعني التطبيق داخل حدود المؤسسة أم الانتشار محليًّا وخارجيًّا بين مجموعة ضخمة من المستخدمين؟ وما هي مصادر الأفكار في الابتكار؟

يُعرف (Dodgson. M.) و(Gann. D.) الابتكار بأنَّه أفكار مطبقة بنجاح؛ فيوضِّحان للقارئ سبب قدرته على التأثير في المحيط تأثيراً عميقاً وكبيراً، ويشيران إلى أهميته في تحقيق التقدم الاجتماعي والاقتصادي للمجتمعات، ومع تزايد عدد الباحثين والمهتمين في مجال البحث العلمي والابتكار حول العالم، فإنَّه يتغيَّر من مكان إلى آخر وفقاً لمفهوم الابتكار وأهميته لدى الطرف الآخر، وآلية التعامل مع الظروف المحيطة لتطبيق مفهوم الابتكار.

ويوضح (Josiah Wedgwood) -أعظم مبتكر في العالم- (1730-1795) حقيقة ثابتة عن الابتكار، وهي أنه ينطوي على توليفات جديدة من الأفكار والمعرفة والمهارات والموارد، فكان هو نفسه أستاذا في خلط التطورات العلمية والتكنولوجية والفنية الكبرى في عصره مع الطلب سريع التغيير للمستهلك، فكان Wedgwood شغوفا بصناعة الخزف، وكرس حياته كلها في البحث المستمر عن الابتكار في المواد والطلاءات والألوان وأشكال التصميمات الخزفية التي يستخدمها؛ فأجرى تجارب شاملة بالمحاولة والخطأ لتحسين الجودة باستمرار من خلال إزالة الشوائب وإتاحة قدره أكبر على توقع النتائج، وكان شعاره المفضل: "كل شيء يخضع للتجربة"؛ الأمر الذي نتج عنه بعض الابتكارات عبر تحسينات إضافية أجراها على منتجات موجودة بالفعل من الخزف، وما التطرق إلى حالة Wedgwood إلا انعكاساً لحالة التنظيم التي كان يتمتع بها هذا المبتكر؛ فللابتكار معانِ ينبغي من المؤسسات والجهات الداعمة له محاولة فهمها واستيعاب طريقة استخدامها ولأي غرض، كون الابتكار يحدث في العديد من الأشكال والأساليب، كما يحدث داخل السياق الذي تعمل فيه المؤسسات.

ولا يحدث الابتكار بحسب عالم الاقتصاد (Joseph Schumpeter) عند طرح تفكير جديد بنجاح وتقدير المؤسسات له،وإنما المجال الذي يُنظم فيه ويدار رسميا إبداع الأفكار الجديدة وتطبيقها، ويتطلب الابتكار ترتيباتٍ متأنية وأهدافاً وفوائدَ مدروسة للافكار الجديدة التي ينبغي تحقيقها وتنفيذها عمليا، فهو المسرح الذي تلتقي فيه متعة التجريب والتعلم بالحقائق، وتوجد العديد من الطرق لفهم الابتكار، فهي تقدم لنا نطاقاً واسعاً من الرؤى ووجهات النظر الثرية.

ويشير عالم الاقتصاد الأمريكي (William Baumil) إلى أنه عمليا يمكن أن ينسب كل النمو الاقتصادي الذي حدث منذ القرن الثامن عشر في الأساس للابتكار؛ فلقد اعترف بالتطبيق الناجح للأفكار على أنها المصدر الأساسي لتطورها منذ ذلك الوقت، وبعد مضي قرن أدرك عالم الاقتصاد الألماني Karl Marx أهمية الابتكار، ففي المجلد الاول من "رأس المال"؛ قال: لا تنظر الصناعة الحديثة أبدا الى الشكل الحالي لعملية الإنتاج أو تتعامل معه على أنه الشكل النهائي، فمساعدة الآلات والعمليات الكيميائية والطرق الأخرى، يتحول باستمرار ليس فقط الاساس التقني للانتاج بل ايضا الوظائف العامة والتوليفات الاجتماعية لعملية العمل.

وفي دراسة أجراها (Vannevar Bush) -أول مستشار علمي للرئيس في الولايات المتحدة الأمريكية- عن العلاقة بين التقدم العلمي والابتكار، أشار إلى أن الاستثمار في الأبحاث يقدم حلولاً لأصعب المشكلات الجوهرية، وعلى الرغم من الرأي القائل: إن كل الابتكارات في المنتجات والعمليات أساسها أبحاث علمية، الا انBushاوضح ايضاً معاناة بعض الابتكارات من الغموض والتداخل الذي يصعب تصنيفها بسهولة، إلا ان الكثير يصنف ما يقدمه من ابتكار على أنه منتج، فالبحث عن طرق لتحقيق التوازن بين الإجراءات الروتينية والابتكار متواصل، فيرىJoseph Schumpeter ضرورة النظر إلى السبب وراء الاهمية الفائقة للابتكار في سياق الطلبات المستمرة على المؤسسات المعاصرة وهي تواجه تحديات عالم معقد ومضطرب؛ فيأتي الابتكار من اجل استمرار بقائها وهي تناضل من أجل التكيف والتطور للتعامل مع التقنيات دائمة التغير.

... إنَّ التحديات التي يواجهها الابتكار هائلة، خاصة عندما يكون الابتكار واسع النطاق، والتاريخ يزخر بالكثير من المحاولات غير الناجحة لتطبيق الأفكار الجديدة التي عادة ما تكون جيدة وتوصل إليها أفراد ومؤسسات، خاصة وأنَّ تكلفة الابتكار عالية للغاية، إلا أنه بذات الوقت يمكن تطبيق الكثير من الافكار بنجاح وبثمن زهيد، كما أننا في حاجة مستمرة إلى القيام بأشياء تسمح لنا بالعمل على المدى القصير، من حيث استغلال المعرفة والمهارات الحياتية واكتشاف أشياء جديدة تنمي قدراتنا وتدعم استمراريتها، وعلى حد Schumpeter في التعبير عن رأيه بصراحه فإن "الابتكار يقدم جزرة المكافآة الرائعة أو عصا الفقر المدقع".

ويمكن القول بأنَّ الابتكار مفيد فهو إيجاد صناعات جديدة وثروة ووظائف، وأنه ولد ووجد بولادة الإنسان على وجه الأرض، وما الانفجار المعلوماتي وثورة التكنولوجيا والاتصالات إلا واحدة من مخرجات جهود الابتكار المتواصلة التي قام ويقوم بها الإنسان بشكل متواصل؛ وذلك في سياق الطلبات المستمرة على الأفراد والمؤسسات والحكومات في مواكبة التعامل مع التطورات الجديدة بحذر وانتباه.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z