![]()
زينب التوبية
ثمّة ذكريات طفوليّة تتراقصُ فيها بطلات الكان يا ما كان، الحسناوات كبياضِ الثلج "سنووايت"، الأميرة النائمة، وسندريلا.. إنهن فائقات الجمال، ينتظرن الفارس المغوار لينتشلهنّ من حالهن الهالك. أما الآن، فتستعمرني ذاكرةُ امرأةٍ أخرى، تعيدني إلى مواقف لم أعرها اهتمامًا وأنا طفلة. أجدُني مع تلك المرأة التي أحنتْ ظهرها في درب الحياةِ المخنوق بغبارِها تخترقه دون رجل، تمسكُ بيدِ صغيرتها؛ فتلوّن أطرافها بالأمنيات على أمل أن تراها حسناء ناجحة على صدر هذا الكون. تلك المرأة، تقاوم مخاض الأيّام، وفي يدِها طفلتها، وفي قلبِها أمنيات تشحنها بطاقةٍ نفّاثة، كلما شعرتْ بظمأ ارتشفتْ ما يسعفها على التعايش هنا.
وجهها الذابل، تجاعيد يديْها على شكل دروب، شفتها السفلى الأكثر شحوبًا عن بقية وجهها بعد جهدٍ طويل.. جسدها النحيل يختفي تحت ثوبِها الممتد على جسدها إلى رجليْها ذِي العروق الزائغة، وقدمياها قد بلعتها الأوجاعُ والتورّمات. تمسحُ العرق عن جبينها وتزرع ابتسامةً على مُحيا طفلتِها، وتمضي تُكافح من جديد. كفاحها هذا أجدى من بقائِها بائسة يائسة، كفاحها ينتجُ الحياة، ويصونها بكلّ حُب؛ فتستمد القوة من قناعتِها الذاتية بما أعده الله للصابرين -رغم المواقف الحُرق التي تلهبُ الفؤاد-. "من يلجأ إلى الله سيعطيه القوة" هكذا تردّد لتلتقطه ذاكرة الطفلة؛ فتعِيه الآن. أسلوبها الهادئ الحكيم النابع من تلافيف قلبها ودماغها المحجوب تحت "ليسُوها" الأسود هو الذي يكسر ما بالحياةِ من تيبسٍ وجبروت، وقد أسميتُها ذات يومٍ وأنا طفلة "الملكة سبأ"- إنها امرأةٌ في غاية الذكاء والحكمة، تفوح بمفاهيم الحب والسلام.
أكثر من عشرين عامٍا مضت بخريفها، بشتائها، وصيفها، ولم أكن أعلم أن للحياةِ ثقل إلى هذا الحد على كاحلها.. على قلبها، قلبُها ثقيلٌ جدا، ومهشم بأوجاع الحياة. أي ألم هذا الذي تحييه عينيْها العاتبتيْن وأنا أقرأ محاولات تستُّرها عليه أمام طفلتها! لا تبوحُ بذلك لكنّ حشرجاتها الصوتية العميقة تكادُ تتكلم، وما زالت تحفظُ ابتسامتها الودود بين تقاطيع وجهها.
أراها تخبو، تمتزج، تختلط، تتعكر لتشكل طفلتَها نجمةً باهرة، دون أن تفصح عن ذلك! طفلتها التي تمنت أن تكبر بسرعة، بسرعةٍ لا تُطاق، وتصير امرأةً قويةً مثلها.. كبرتْ، وملامح العالم المتجهمة تعود بها لأمنيتها- ليتها لم تكبر؛ لتبقى آمنةً بها. مهما علَتْ -تلك الطفلة- وارتفعتْ وسمَتْ تبقى صغيرة في حضرتِها، ولابدّ أن تختلس من أشداق الدراسة لحظة فالتة؛ فتستحضرها كقوةٍ دافعة لتُتابع ما بدأتْ.
لطالما أحببت فيها كل شيء، كلماتها تتشبث بأذني قرطًا يتدلى، ارتعاش أناملها حين تحطّ على كفي تستريحُ من تعبِ المخاض، تفيضُ ألوانًا، تعاودُ رسم الأمنيات بها. وبريق الأمل المكابر حين تلقيه في عينيّ رغم سحابة الوجع الغامر بعينيْها. لطالما أحببتُ وجهها: طريقٌ باتجاه الحلم، وقلبها وردٌ نابت سقته يدُ الله.
لطالما أحببتها، لطالما قالت لي أن أكافح حتى أموت كالشجرِ وأنا واقفة على أملِي. تلك المرأة تُلاحقني، تمشي حتى في أحلامي، ولن تفلت بيدي حتى أبلغها وأقول: أنا هُنا أخيرًا.
امرأةٌ تشيخُ ولا يشيخ الحبّ منها؛ فتسكنني؛ لأنتهي في النهاية إلى استدعائها من جديد.. مرةً، مرتين، ثلاثاً.. ذاكرتي تفرغُ إلا منها.
"إذا رأيتم امرأة تُقبّل قدميها الجبال فأبلغوهاسلامي،
إنها أمي"..
