سليمة المشرفية
يبدو أنّ توالي الأيام ينسي الإنسان بداياته والتعلق بالفروع.. ينسيه الأصول والتمسّك بالظنيّات، يدفعه لتجاهل الحقائق الكبرى؛ وهذا عين ما حدث ويحدث بين المسلمين، تمسكوا بالفروع وفخموا من شأنها حتى كبرت في رؤوسهم وصارت حقائق وبديهيات مسلم بها، ومن أتى بغيرها فقد أنكر ماهو معلوم من الدين بالضرورة، وأغلقت الأذهان وراء ذلك وتمسكت كل شرذمة بظنياتها وأنصاف الحقائق "كل حزب بما لديهم فرحون" حتى لعنوا بعضهم بعضًا على رؤوس المنابر، وتسلطوا على بعضهم بالمحابر والخناجر دون تورع ولا وازع وانطلقت صرخات التكفير واللعن والسباب في كل شارع، ولعمر الله ليس من ثمن يقبضه كل فريق سوى الخزي والعار وهمز الأعداء وقهقهاتهم التي تصم الآذان وتتعالى جهارًا كلما فظت وغلظت قلوب أصحاب الملة الواحدة على بعضها، أما إن دققنا النظر في أسباب هذه النعرات وتلكم العصبيات المقيتة نجدها اختلاف شاءه الله اختلاف ألفة ومحبة لا خلاف شقاق وبغض، اختلاف سعة ورحمة لا خلاف ضيق وعسر في المادة الفقهية الاجتهادية الرحبة ولكن أنى لكل فريق أن يعي هذا، وهو يرى أن اجتهاد علمائه حقائق وبديهيات من اختار غيرها فقد زاغ قلبه وعميت بصيرته وضل سواء السبيل، وما زالت هذه الأصوات الشاذة التي تكاثرت أعدادها شيئا فشيئا وترعرعت ناشئتها في ظل غياب الوعي الإسلامي المؤثر في الأمة مازالت تتعالى صيحاتها حتى راحت بلدان المسلمين كبش فداء لليهود والصليبيين، ليعيثوا فيها فسادًا ويهلكوا الحرث والنسل بغير وازع يردعهم ولا ضمير يلجمهم والسؤال الذي يحيّر الألباب إلى أين يتجه بالمسلمين وأمة الإسلام هذا الوحش الضاري (التعصب المذهبي) بعد أن حجب عن العقول الحق والبرهان وبلّد بتطرفه الأذهان ووزع البلدان بالمجان؟! لاشك أنّه إذا استمر ينهش في الأمة بهذه الضراوة فإن ما تبقى من نصف الأمة سوف يذهب مع نصفها الآخر والحل في زراعة الوعي في ضمير الأمة لتترعرع الأجيال القادمة نقية الفكر صافية الذهن موحدة الصف بعيدة عن رجس هذا المستنقع الآسن التي تلطخت به عقول الأمة وهذا غاية الرجاء.
