الخميس, 15 نوفمبر 2018

خبر : السياسة الأمريكية.. وتنمية البلدان النامية

السبت 25 أبريل 2015 11:22 م بتوقيت مسقط

فهمي الكتوت

يتطلع بعض خبراء الاقتصاد؛ باهتمام للاجتماعات الدولية التي ستعقد خلال النصف الثاني من العام الحالي لزعماء العالم للتغلب على العقبات التي تواجه تحفيز الاقتصاد العالمي، وفي محاولة للمقاربة بين معاناة البلدان النامية، وبين الظروف التي مرت بها البلدان الأوروبية بعد الحرب العالمية الثانية، طالب منسق التنمية الاقتصادية والاجتماعية في منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة جومو كوامي سندارام والباحث الاقتصادي إيريك راينرت بمشروع مارشال لتحفيز التصنيع في البلدان النامية على غرار برنامج التعافي الأوروبي، الذي طبق بعد الحرب العالمية الثانية، حين رصدت الولايات المتحدة الأمريكية 13 مليار دولار لإعادة بناء الصناعة التي دمرتها الحرب في أوروبا.

من المعروف أنّ اقتصاد الولايات المتحدة الأمريكية لم يتضرر في الحرب العالمية الثانية، حيث لم تتعرض مصانعها للتدمير بحكم موقعها الجغرافي، كما جرى للأطراف المتحاربة، ليس هذا فحسب بل نشطت الصناعات الأمريكية إبان الحرب لسد احتياجات الحلفاء من السلع والتجهيزات المدنية والحربية، لم يعتبر مشروع مارشال مجرد مساعدات سخية للحلفاء، بقدر ما هو مشروع استثماري من حيث المبدأ، فهو استهدف احتواء أوروبا، لضمان عدم وقوعها تحت تأثير التوجه الاشتراكي، خاصة وأن الاتحاد السوفييتي حقق انتصارات عسكرية على النازية، بدخول برلين وعدد من العواصم الأوروبية التي شكلت المنظومة الاشتراكية لاحقا. وهو جزء من المشروع الأمريكي في الهيمنة على الاقتصاد العالمي.

أمّا أمنيات ودعوات أصحاب النوايا الحسنة، بطرح مشروع تنموي للبلدان النامية على غرار مشروع مارشال، فهي رؤية طوباوية لا تمت للواقع بصلة، فقد صممت الولايات المتحدة الأمريكية خطتها وسياساتها للبلدان النامية منذ أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها، من خلال المهام التي أوكلتها للبنك الدولي وصندوق النقد الدولي منذ تأسيسهما، حيث جاءت سياسة ملء الفراغ التي تبنتها الولايات المتحدة الأمريكية والتي عرفت بسياسة الاستعمار الجديد أو الاستعمار الاقتصادي، بإحلالها المواقع التي يخليها الاستعمار الكولونيالي، فقد عرقلت المفاوضات الدولية بشأن التنمية الاقتصادية للبلدان النامية. ويشهد على ذلك موقفها من نتائج اجتماعات سياتل الوزارية لمنظمة التجارة العالمية الذي انتهى دون التوصل إلى قرار، ومحاولات استثمار أحداث 11 سبتمبر 2001 المأساوية باستخدام القوة العسكرية في أكثر من موقع لفرض سياساتها الاستعمارية وهيمنتها الاقتصادية، وكذلك مفاوضات التجارة الدولية المعروفة في جولة الدوحة.

واقتداء بالمبدأ الميكافيلي القائل "الغاية تبرر الوسيلة"، ارتكبت الإمبريالية الأمريكية أبشع الجرائم، بحق شعوب العالم في القارات الثلاث، آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية. فالإمبريالية بصفتها أعلى مراحل الرأسمالية، بعد تمركز رأس المال، وتشكل الكارتيلات وهيمنة الاحتكارات المتعددة الجنسيات على القطاعات الاقتصادية الرئيسة في العالم، وتشكل الطغمة المالية المهيمنة على قطاعات المصارف الضخمة التي تتحكم بالسياسات المالية والنقدية العالمية، والتي أصبحت الطبقة الطفيلية المتعفنة، قامت بشن الحروب والقتل والتهجير والاستحواذ على الثروة.

ومن جرائمها ما يسمى بعاصفة الحزم التي انتهت بعد تحقيق أهدافها! وفقا للبيان الصادر عن التحالف، أما الأهداف التي حققتها، فتدمير البنية التحتية المتهالكة لليمن، وتدمير منازل الفقراء والمسحوقين، وسقوط حوالي 3700 شخص بين قتيل وجريح. واشعال الحروب في سوريا والعراق وليبيا، التي استنزفت طاقات هذه الدول وحولتها إلى دول فاشلة، وتعاني مصر من تفجيرات ومفخخات واغتيالات تستهدف المدنيين والعسكريين. أما على الصعيد الاجتماعي فيعيش حوالي 30% من الشباب العربي بلا عمل بسبب تردي الأوضاع الاقتصادية، في حين تقدر الفوائض المالية للدول العربية النفطية بحوالي 2.45 تريليون دولار، وتحتل السعودية رابع أكبر دولة في إنفاقها على التسلح، خدمة لمصانع الاحتكارات الرأسمالية، كل ذلك بفضل السياسات الأمريكية في المنطقة.

لا نتحدث عن "نظرية المؤامرة" التي تستهوي المسكونين بالشك.. أو المبتلين بالخمول الذهني، الذين يكتفون بتوصيف نتائج ضعفهم وعجزهم بالمؤامرة. نتحدث عن مؤامرة حقيقية تستهدف البلدان النامية، لا يمكن إغفال الوقائع التي أصبحت أدلة دامغة باستغلال المنظمات الدولية لتمرير مصالح الاحتكارات الرأسمالية واستمرار تبعية الدول لنامية للمراكز الرأسمالية، فاعترافات جون بيركنز دليل إضافي، صاحب كتاب "اعترافات قاتل اقتصادي"، والذي عمل خبيرا اقتصاديا لدى إحدى الشركات المتخصصة لاستدراج الدول نحو الوقوع بفخ المديونية، يقول بيركنز علمت أنّ وظيفتي قاتل اقتصادي، ومهمتي تحقيق هدفين رئيسيين الأول: اختلاق المبررات للقروض الدولية، التي سيعاد ضخها إلى الشركات الأمريكية، في مجال المشروعات الهندسية والإنشائية. والثاني العمل على إفلاس البلاد المقترضة بعد إنفاق الأموال على المتعاقدين الأمريكيين، وتصبح البلدان المدينة أهدافا سهلة عندما تدعو الحاجة إلى خدمات تشمل إنشاء قواعد عسكرية، أو تصويت في الأمم المتحدة، أو اتخاذها منفذًا للموارد الطبيعية. ويضيف أنّ العنصر الخفي في كل هذه المشروعات، هو أنها صممت من أجل خلق أرباح طائلة لشركات المقاولات الأمريكية، ولإضفاء السعادة على حفنة من العائلات الغنية ذات النفوذ في البلاد المتلقية للقروض. وترسخ هذه المشروعات التبعية الاقتصادية، والولاء السياسي للولايات المتحدة الأمريكية.