الأربعاء, 26 سبتمبر 2018

خبر : إيران في محفظة السياسة الخارجية الأمريكية

الإثنين 23 مارس 2015 10:25 م بتوقيت مسقط

عبيدلي العبيدلي

مرة أخرى تدخل وكالة المخابرات المركزية الأمريكية، على خط العلاقات الإيرانية - الأمريكية، من خلال تصريحات أدلى بها مدير الوكالة جون برينان حذر فيها من أنّ "إيران ستصنع قنبلة نووية إذا تعثرت المفاوضات". لكن ما هو أهم من ذلك تأكيده على "أنّ حرب طهران مع (داعش) لحماية مصالحها (إيران)، (موضحا) بالقول: لن أقول بأن إيران حليف الآن، ما أقوله بأن إيران تتبع مصالحها في داخل العراق، وبعضها يتضمن جهودا ضد داعش لمنع تلك الظاهرة من النمو". قد تبدو مثل تلك التصريحات طبيعية، فهي، كما قد يقرأها الكثيرون من متابعي تطور العلاقات الأمريكية - الإيرانية، منسجمة مع تبادل الضغوط الإعلامية بين البلدين، في إطار الصراع المحتدم بشأن إعادة رسم خارطة الشرق الأوسط الجديدة. لكنها تبدو مريبة بعض الشيء عندما تقارن مع تصريحات أمريكية أخرى صدرت في مطلع العام 2015، على لسان شخصية رفيعة المستوى هي وزير الخارجية الأمريكية جون كيري الذي أكد في واحد من تصريحاته الحديثة "أن إيران قد نفذت التزاماتها تماما في القسم الأول من الاتفاق بشأن برنامجها النووي، (مؤكدا) أن إيران لها دور عليها أن تقوم به في التحالف الدولي لمكافحة تنظيم الدولة الإسلامية في كل من العراق وسوريا، (مضيفًا)، أن التحالف المطلوب للقضاء على تنظيم الدولة الإسلامية ليس بالضرورة أن يكون عسكرياً، مشيراً إلى أن التحالف يجب أن يكون شاملاً يتضمن أنواعاً متعددة من الجهود، وأن الموضوع متعلق بالقضاء على شبكة شاملة تمارس التدمير والتشويه تحت غطاء ديني". بمثل هذه التصريحات من كيري، تبتعد واشنطن عن سلوكها السابق، ممثلاً تحولاً عن السياسات الأمريكية السابقة التي دأبت على السعي من أجل "تحجيم الدور الايراني في مواجهة تنظيم الدولة "، وليست تصريحات جون برينان سوى استمرارا له. في حقيقة الأمر، وكما ينضح به، كل على حدة، تصريحا كيري وبرينان، يبدو ان هناك شيئا من الاختلاف في محفظة السياسة الأمريكية تجاه طهران، يتباين بين واحد محبذ لفتح صفحة جديدة تتجاوز التوتر الذي ساد تلك العلاقات منذ أزمة الرهائن بعد ثورة 1979 الخمينية، وهو كيري، وآخر يصر على الاستمرار في سياسة التشدد التي، كما يرى صاحب الراي، اللغة الوحيدة التي تفهم طهران مفرداتها. هذا التباين لا يعني انقسام الإدارة الأمريكية حول ضرورة ضمان استمرار عدم خروج إيران من دائرة الاستراتيجية الأمريكية تجاه الشرق الأوسط، ومن ثم فالاختلاف يشمل منهج المعادلة وليس النتائج النهائية. من هنا فإن قراءة شاملة متأنية ومتكاملة للسلوك الأمريكي، توضح ان الأمر، كما هو عليه اليوم، يعكس الأمور التالية:

1. هناك تخبط في السياسة الخارجية الأمريكية، تجاه الشرق الأوسط ككتلة جيو-سياسية مترابطة، ومع كل بلد من بلدانه على حدة كقوى سياسية مؤثرة في مسار تلك الكتلة. يلمس ذلك التخبط من يراقب عن كثب تطورات تلك السياسة الأمريكية عند معالجتها لقضايا المنطقة بشكل عام، أو عند مخاطبتها لأي من دولها على نحو منفرد. ولعل في اضطراب العلاقات بين واشنطن وتل أبيب، وواشنطن والرياض الكثير من الدلائل التي تشير إلى مثل لك التخبط الناجم عن ضعف بنيوي في الجسد الأمريكي، سواء على المستوى الاقتصادي او الاجتماعي.

2. هناك تنام في قوة بعض بلدان العالم الثالث، على المستويين الإقليمي والدولي، تعبر عنه دول مثل الصين والهند، وإيران. تحاول هذه البلدان، كل على حدة احيانا، وأحيانا أخرى في إطار تعاون يأخذ شكلا هلاميا غير محدد المعالم، ولا يلتزم باتفاقيات مسبقة، ان تخفف من حدة الضغوطات التي تمارس عليها من قبل دول الغرب، وفي مقدمتها الولايات المتحدة.

3. بين هذا الوهن الذي بدأ يسري في عروق المؤسسة الحاكمة الأمريكية، وهذا النشاط الذي يدب في شرايين الدول الجديدة، تتذبذب السياسة الخارجية الأمريكية، وتتعثر خطاها، فيما يبدو أنه تناقض بين مؤسستين قويتين في تلك الإدارة، وهما الخارجية، وهيئة الاستخبارات المركزية. فبينما تحاول الثانية ان تواصل سياسة القبضة الحديدية الرافضة لترك هامش من الحرية لدول شبه حليفة مثل إيران، تحاول الأولى استخدام القفازات الناعمة التي تحافظ على المصالح العليا، دون إشعار الآخرين بما يحاك ضدهم. هذا الاختلاف في منهجية ترتيب محفظة السياسة الخارجية الأمريكية التي تحاول احتواء طهران، هو الذي يجسد هذا التباين بين تلك الإدارتين.

تأسيسا على كل ما تقدم، فمن المتوقع أن نرى اندفاعا من الخارجية الأمريكية، من أجل تقديم بعض التنازلات ترضي غرور ومتطلبات القوى المتشددة في إيران، بما يحقق استمرار الخارجية الأمريكية في حماية استراتيجيتها الكبرى تجاه المنطقة القائمة، على مرتكزاتها الثلاث الرئيسة: حفظ أمن إسرائيل الاستراتيجي، وضمان تدفق النفط بالكميات المناسبة، والأسعار المقبولة من قبل واشنطن، وتأمين توقيع عقود التسلح الباهظة الثمن من قبل الدول النفطية.

مقابل ذلك، من الخطأ استبعاد لجوء وكالة الاستخبارات المركزية إلى تنفيذ مشروعات تآمريه ضاغطة على طهران، ترغمها من خلالها على التخلي عن سياسة المناكفة التي لم تكف عنها منذ أزمة الرهائن تلك.

العامل المشترك بين هذين السلوكين، هما ضمان انضواء إيران تحت مظلة الاستراتيجية الأمريكية، من خلال الزج بها في معارك ضد "داعش"، مقابل ثمن معين. والخلاف هنا هو قيمة الثمن الذي ستقبل به واشنطن وسترضخ له طهران.