![]()
فارس العوفي
"في معلوم" عبارة نسمعها من بعض الجاليات الموجودة بالسلطنة، هي جملة يقولها هذا الوافد في كل أمر تسأله فيه وتطلب منه إنجازه، حتى صار الأمر أشبه بالشعار المتعارف عليه لديهم، وتطور تأثير هذه الجملة فينا حتى صرنا نرددها عند الحديث عن بعض الأمور المتعلقة بالمعرفة فيكون الجواب"في معلوم"، وظهرت الكثير من التعليقات حول هذه الجملة لدى تلك الجالية وبعض الجاليات الأخرى الوافدة كذلك، تعليقات تسخر لإدعائهم معرفة كل شيء وكل عمل يطلب منهم مستخدمين هذه العبارة حتى لو كانوا لم يقوموا به مرة واحدة خلال حياتهم، ولكن الغريب في الأمر أنهم ينجزون ذلك العمل بأيّ شكل وصورة وأسلوب.
في إحدى الجلسات مع بعض زملاء العمل التي تعودنا عليها لمناقشة مختلف القضايا والأمور بهدف تبادل الآراء والخبرات بشكل مستمر، كانت هذه القضية حاضرة في تلك الجلسة مع أحدهم ولكننا هذه المرة وصلنا إلى شيء مختلف نوعًا ما من حيث تأثير هذه الجملة - في معلوم- من ناحية علم التنمية البشرية، حيث إننا وصلنا إلى تساؤل حقيقي حول مدى تأثير هذه الجملة في العقل الباطن من حيث تكرارها المستمر لدى مستخدميها؟، وهل فعلاً تعمل على تغيير ملحوظ في فكرهم وخبراتهم؟!!!، ومن خلال التجوال البسيط في بعض المواقف التي صادفناها والتي أشرت لها في نهاية الفقرة الأولى من حيث إنّ أولئك الذين يستخدمون تلك الجملة ينجزون فعلاً العمل مهما كان نوعه وهل هو ضمن اختصاصاتهم أم لا.
إحدى قواعد البرمجة تقول" إن الكلمات التي يرددها الشخص باستمرار يستقبلها العقل الباطن ويخزنها على أنّها من الكلمات التي يستخدمها الفرد ويحتاج لها ويعتبرها سمة بارزة فيه، ويقوم هذا العقل باستدعائها في أغلب المواقف التي يتعرّض لها هذا الفرد"، ودائمًا ما ينصح مدربو واختصاصيو البرمجة اللغوية العصبية الأشخاص بالانتباه بشكل كبير إلى الكلمات التي يستخدمونها ويكررونها باستمرار والتي مصدرها الفكر، لأن هذه الكلمات مع مرور الوقت تتحول إلى أفعال وبعدها لعادات ومن ثمّ لسلوك يُحدد مصير تلك الكلمات المنبعثة من الأفكار التي توسوس في العقل البشري، وهذا يفسر بشكل علمي مدى النجاح الذي تحققه تلك الجاليات المستخدمة لجملة"في معلوم" والأمر كله راجع للبرمجة التي سادت فكرهم بأنهم قادرون على القيام بأيّ شيء مهما كانت درجة صعوبته أو سهولته، وفي المقابل نأتي نحن كعملاء لا نمتلك من كل هذا الأمر سوى مهارة النكت والضحك عليهم وتأليف الحكايات الهزلية، والأمر تطور بشكل كبير ليصل إلى تأليف ومونتاج بعض مقاطع الفيديو المضحكة التي نتصور في داخلنا أننا نسخر فيها من غبائهم وأسلوبهم وفي الواقع نحن لا نسخر ولا نضحك إلا على أنفسنا وأصبحنا نحتاج لجلسات علاج بمختلف صنوفها ولم نحرز من التقدم شيئًا.
أيها الأحبة القراء... رسالة أحببت توصيلها في مقالي هذا لذاتي شخصيًا ولكم جميعًا، إننا نمتلك من النعم والهبات من الله ما لا نتصوره ولا نتخيله أبدا، والعقل ذلك الكائن في رؤوسنا يجب ألا نجعله يشيب ويشيخ قبل أجسادنا، نحن مسؤولون مسؤولية كاملة عن هذه النعمة وكيف نستخدمها الاستخدام الأمثل لأننا سنحاسب عليه يوما ما، يجب أن نتزود بالثقافة التي تجعلنا في قمة الرقي والقدرة على التعامل مع كل معطيات حياتنا اليومية، قراءة بعض الكتب في مختلف المجالات وحضور بعض الندوات والمحاضرات والورش التدريبية هي روافد مهمة لتلك الثقافة واستغلال أمثل للوقت الذي نحن محاسبون عليه ومسؤولون عن فيم قضيناه، وزيارة بعض المعارض التي تنظمها بعض المؤسسات شيء مهم جدا كمعرض مسقط الدولي للكتاب الذي ينظم كل عام، وهو فرصة ذهبية للتزود بالغذاء الفكري الرصين بمجموعة من الكتب المتنوعة.
وفي ختام المقال لا يسعني سوى أن أفخر بمجموعة الشباب العماني الرائع الذين أراهم يتجولون في زوايا وأركان المعارض ينهلون من معينها، وخاصة معرض مسقط الدولي للكتاب، ودائمًا ما أتعمد سؤالهم عن نوعية الكتب التي ينتقونها والتي آثروا شراءها كوني رزقت بنعمة التواجد به بشكل يومي من خلال المشاركة بأحد الأركان، ودائمًا ما نردد جميعنا في نهاية الحديث، ليكن شعارنا دائمًا في كل طقوس ومطبات حياتنا في معلوم".
