جولات جلالة السلطان.. حضارة تلتقي حضارات

 

د. أحمد بن علي العمري

الطائر الميمون المُقِلّ لحضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم- حفظه الله ورعاه- في حِلّه وترحاله، يحلق عاليًا في سماء الدنيا، متنقلًا بين مختلف القارات ومختلف الثقافات، بل ومختلف الحضارات، ويتم بتوجيه دقيق للغاية وعناية فائقة تحديد جهات هبوطه في الأمصار والأقاليم.

فقد كان في قارة أفريقيا وأدغالها، ثم انتقل إلى آسيا الوسطى وسهولها الممتدة، وبعدها اتجه إلى قمة الحضارات ومصنع التاريخ والأمجاد وأرض البروتوكول والقيم والالتزام، ليحط في لندن عاصمة التاريخ وعاصمة الضباب ومصدر الثقافات والعلوم والدبلوماسية وقمة الذوق والرقي العالمي. إنها عاصمة البلاد التي لا تغرب عنها الشمس، أي أن بريطانيا العظمى كانت تتحكم بالعالم أجمع، فعندما تغيب الشمس عن هناك تبقى مشرقة هنا، وكله تحت تاجها العملاق.

وقد احتُفي بالمقدم السامي لجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم- حفظه الله ورعاه- في المملكة المتحدة احتفاءً ليس له نظير، ولأول مرة في التاريخ يستشهد ملك بريطانيا العظمى بحديث الرسول الأعظم محمد صلى الله عليه وسلم: (لو أن أهل عُمان أتيت ما سبوك ولا ضربوك)، وكذلك أبيات شعر للشاعر العُماني البهلاني في سابقة تاريخية، وقد نطقها باللغة العربية، هذا أثناء خطاب الملك تشارلز الثالث على مائدة العشاء التي أقامها على شرف جلالة السلطان المعظم في قلعة وندسور التاريخية بلندن.

وما أن تم الأسبوع على هذه الزيارة التاريخية الناجحة جدًا حتى أقلع الطائر الميمون مرة أخرى، وبعد الغرب يتجه هذه المرة إلى أقاصي الشرق، في زيارة تاريخية أخرى هي الأولى من نوعها لسلطان عُمان إلى جمهورية الصين الشعبية الصديقة وسورها العظيم، تتبعها زيارة مماثلة وهي الأولى أيضًا لسلطان عُمان إلى بروناي دار السلام، وهي سلطنة مسلمة في جنوب شرق آسيا.

وعندما نتكلم عن الصين، فهي البلد الأكبر مساحة والأكثر سكانًا، وعملاق اقتصادي وسياسي وعسكري على المستوى العالمي، إنه التنين الصيني.

بلد ترتبط حضارته بحضارة عمان منذ قرون بعيدة، فقد عبر العُمانيون البحار بسفنهم إلى الصين في الأيام الخوالي والقرون السابقة، وما زيارة سفينة صحار في مطلع الثمانينيات إلى كانتون في الصين إلا توثيقًا لهذه الخلفية التاريخية الممتدة منذ الزمن البعيد.

وكذلك سعيد القلهاتي، وهو العُماني الذي وصل إلى أعلى المناصب والمكانة في الإمبراطورية الصينية.

إنها الحضارة العمانية.

إن سلطنة عُمان وجمهورية الصين الشعبية ترتبطان بعلاقات تاريخية قديمة عبر طرق التجارة البحرية "تجارة الحرير"؛ حيث شكل البحر جسرًا للتواصل بين الحضارتين، إذ تعود أولى الاتصالات الموثقة إلى عام 750م عندما أبحر البحَّار العُماني أبو عبيدة من صحار إلى ميناء كانتون (قوانغتشو) في الصين، وتذكر بعض المصادر الصينية أن اسم عمان ورد في سجلات صينية تعود للقرن الأول الميلادي.

وفي القرن الخامس عشر أبحر الأدميرال "تشنغ خه" بأسطوله إلى سواحل ظفار أربع مرات حاملًا الحرير والخزف ومحضرًا معه اللبان العماني الشهير.

وتخليدًا لهذا التاريخ، أبحرت سفينة صحار عام 1980م من عمان إلى الصين، وأقيم لها نصب تذكاري في قوانغتشو، بينما أقيم نصب تذكاري لـ"تشنغ خه" في صلالة عام 2023.

لقد استغربت لما عرفت أن التعامل التجاري بين البلدين وصل إلى 25 مليار دولار، ويميل بمقدار 14 مليار ونيف دولار لصالح عُمان، وهذا بسبب النفط والغاز والمعادن واللبان والإنتاج السمكي والبحري للسلطنة الكثيف، ولله الحمد والمنة.

وقد استقبل الرئيس الصيني جلالة السلطان المعظم في بروتوكول مهيب فخم في قاعة الشعب الكبرى، تأكيدًا لعمق الصداقة وإرثها التاريخي، فإذا كان التعامل سابقًا يركز على النشاط البحري، فإن مستقبله وما هو قادم يتجه نحو التكنولوجيا وصولًا لعلم الفضاء والذكاء الاصطناعي.

ومجددًا يقلع الطائر الميمون، ولكن هذه المرة إلى سلطنة بروناي دار السلام، وهو لقاء السلاطين والرفعة والسمو والفخامة، والبلدان سلطنتان مسلمتان تعتزان بتراثهما وثقافتهما الإسلامية؛ حيث إن عمان وبروناي دار السلام تربطهما علاقات ثنائية ودية تركز بشكل رئيسي على التعاون الاقتصادي والثقافي والدبلوماسي.

فقد بدأت العلاقات الدبلوماسية الرسمية في عام 1984م. بروناي غنية بالنفط والغاز مثل السلطنة تمامًا، لهذا يتركز التعاون على مجالات الطاقة والاستثمار، وهناك أيضًا اهتمام مشترك بتنويع الاقتصاد بعيدًا عن النفط، خاصة في السياحة والصناعات.

وفي المجال الثقافي، تشجع الدولتان على التبادل الطلابي والثقافي مع التركيز على القيم الإسلامية المشتركة. كما أنهما تنسقان دائمًا في مواقفهما الدولية.

إن هذه الجولات المتتابعة والمتكررة التي يقوم بها جلالة السلطان المعظم، حفظه الله ورعاه، بين الحين والآخر، ما هي إلا دليل واضح وصريح ومباشر على اهتمام جلالته وتركيزه من رأس الهرم في التنويع الاقتصادي للسلطنة والترويج الصريح لعُمان بما تمتلكه من مقومات اقتصادية في مجال الطاقة والمعادن والمنتجات العُمانية المختلفة البرية منها والبحرية، وما تتميز به من موقع جغرافي فريد يجعل من كل موانئها مفتوحة على جميع بحار العالم والمحيطات دون أي قيود أو عراقيل سياسية أو جغرافية أو تقنية.

لله درك من سلطان عظيم. ولله درك من بلد متميز.

حفظ الله عُمان وسلطانها وشعبها.

 

الأكثر قراءة

z